حسن محمد حسين حمدان: استراتيجية أمريكا في أفغانستان ووجوب الوعي السياسي

حسن محمد حسين حمدان

خاضت  أمريكا حربها على أفغانستان أواخر 2001م تحت ذرائع الرد على هجوم 11 أيلول/سبتمبر، وبعد أقل من عامين هاجمت أمريكا العراق واحتلته، وغرقت في رماله وصارت تستنجد للخروج، وبغرق أمريكا في العراق؛ فقد أصبحت حربها في أفغانستان أقل شأناً من حيث المكانة الإستراتيجية للعراق كدولة، وأهمية المنطقة الإستراتيجية التي لا تحتمل ضعفاً ولا خسارة ولا انتكاسات، ومن حيث القوى التاريخية الأوروبية في المنطقة وعلاقتها بها وبالوسط السياسي، ومن حيث دول الجوار وتابعيتها لدول أخرى، ومن حيث قوة المقاومة العراقية لذا ركزت جهدها للخروج من المستنقع العراقي ، بعدما أصبح العراق والمقاومة العراقية هي الشغل الشاغل لإدارة بوش وبعدها إدارة أوباما، بدون خسارة وبدون اعترافات، فقامت باستخدام أبشع الأساليب والوسائل هناك ولا زالت حتى أصبحت العراق أضحوكة العالم في فساد الأنظمة الحاكمة، وحجم السرقة والنهب ووفرة البترول، ولا تجد محطات الكهرباء وقوداً حتى بات العراق صاحب المخزون النفطي الكبير يحترق صيفاً ويبرد شتاء بل ويستورد الغاز.

وعودة لموضوع أفغانستان: ففي2017/8/15م وجهت حركة طالبان رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي تدعوه إلى سحب القوات الأمريكية من أفغانستان (دعت حركة “طالبان” رئيس أمريكا دونالد ترامب، إلى “سحب قواته بالكامل” من أفغانستان، وحذّرته في رسالة مفتوحة من الإقدام على زيادة عدد القوات الأمريكية في هذا البلد العصي على واشنطن…)، وخلال سنوات الحرب الطويلة (16 عاماً) في أفغانستان؛ فإنه يمكن الجزم بأن الجيوش الأمريكية والأطلسية التي تشاركها الحرب قد اخفقت وبشكل كبير في استئصال المقاومة الأفغانية، المتمثلة بالدرجة الأولى في حركة طالبان، ويمكن الجزم كذلك بأن كافة الخيارات الأمريكية لاستقرار عملائها في أفغانستان قد باءت هي الأخرى بالإخفاق بالرغم ما قامت به الولايات المتحدة من دخولها بقوتها العسكرية الضخمة، وبدخول الناتو كذلك في الحرب، فضلاً عن القوات الأفغانية التي أنشأتها، واستخدام كل من الهند وباكستان، وبذلك فقد ضاقت الخيارات الأمريكية في أفغانستان وفي كيفية التعامل مع المقاومة مما جعل من إدارة ترامب أن تعيد النظر في الإستراتيجية السابقة، ولكنه مع المراجعة لم تنجح مراجعته في إحراز أي تقدم ولا أي نجاح يذكر ، إن الحكومة الأفغانية باتت لا تسيطر على العاصمة؛ فقد ورد في  تقرير مؤسسة كارنيغي الأمريكية 2017/5/22م: (إن المزيج الناتج عن ضعف النظام الأفغاني وعودة حركة طالبان دون ضابط يمكن أن يؤدي إلى انهيار كارثي للنظام والحكومة الأفغانية، مما يؤدي إما إلى العودة إلى الفوضى أو تجدد الجماعات الإرهابية)، ذلك التقرير الذي يشدد على وجوب إنهاء الصراع الأفغاني ليس فقط لأنه يكلف أمريكا 23 مليار دولار سنوياً، وإنما بسبب ضيق الخيارات المطروحة للحل في أفغانستان.

بعد أن أدركت أمريكا ضيق خياراتها في أفغانستان وإفلاس الخيار الهندي، ومن قبله الدور الباكستاني لجأت إلى مفاوضة حركة طالبان على أمل إدماجها في الحكم التابع لها في أفغانستان، وتسهيل إغراء طالبان بالقبول فإن أمريكا عادت إلى تنشيط الدور الباكستاني بعد أن انقلبت عليه، واستخدمت الهند ثم انقلبت على الدور الهندي حيث استبرأ ترامب بدورها فيما تناقلته الصحف عنه، قال الرئيس الأميركي إنّ رئيس الوزراء الهندي “الذي اتّفق معه كثيراً (…) لا ينفكّ يخبرني أنّه بنى مكتبة عامّة في أفغانستان”،”ويتعيّن علينا أن نجيب: آه، شكراً على المكتبة العامّة، أنا لا أعرف حتّى من يستخدمها في أفغانستان”.

كما سخر ترامب من حلفاء واشنطن في المنطقة الذين يعتبر أنّهم تركوا بلاده تتحمّل معظم العبء في الحرب الدائرة في أفغانستان منذ 17 سنة ويكتفون بإرسال “مئة جندي” إلى هذا البلد ثم يقولون إنّهم “منخرطون في أفغانستان”، مما جعله يعود للدور الباكستاني لما لها من أثر كبير على طالبان، ودورها في رعايتها عند نشأتها بالإعتراف بها، ولعنصر البشتون ذات العرقية الواحدة، وأثر قادة باكستان من القيادات الإسلامية الكبير على طالبان، ولتقوم باكستان بالمهة القذرة كان لا بد من إظهار  القيادة العسكرية الجديدة في باكستان مزيداً من اللين والتعاطف مع طالبان لدفعها للجلوس والمفاوضات مع الحكومة العميلة في كابول وإشراكها في النظام السياسي الأمريكي في أفغانستان، وقد أكثر عمران خان رئيس وزراء باكستان التصريحات التي يظهر فيها التقرب من حركة طالبان فقد: (كشف رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان اليوم الاثنين، أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، طلب مساعدته في عملية السلام الأفغانية. ونقلت قناة “جيو تي في” الباكستانية عن خان قوله إنه “تسلم خطابا من الرئيس الأمريكي في وقت سابق من اليوم، طلب فيه من باكستان لعب دور في محادثات السلام الأفغانية، والمساعدة في جلب حركة طالبان إلى طاولة المفاوضات”. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد فتحت لها قطر مكتب تمثيل لها بموافقة أمريكا، ورعت من خلاله المفاوضات وكان قطر ممن اعترف بها، ولا زال يقيم علاقة معها والدليل على هذا ما ورد على لسانها  أثناء أزمتها (قطر) مع دول (الحصار) “إن تصريحات المدير السابق للسي آي أيه ديفيد بترايوس كافية عندما ذكر أن اجتماع طالبان وحماس بالدوحة تم بناءً على طلب الحكومة الأمريكية، وهذا في حد ذاته يثبت أن قطر لم تقترف شيئاً تخفيه، وهذا كان بعلم الجميع وليس من وراء ظهورهم… كما أن وجود حماس وطالبان في الدوحة كان بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد مخرج للقضية الفلسطينية ولطالبان”. جريدة الشرق القطرية 2017/7/4م.

ثم مدت لها ايران يدها ظناً من طالبان أن إيران عدو لأمريكا، وحضنت بعض قادة المقاومة وعلى رأسهم قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي (قالت إيران إن ممثلين عن حركة طالبان الأفغانية أجروا مفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في طهران أمس الأحد فيما تسعى الجمهورية الإسلامية إلى دفع محادثات السلام في الدولة المجاورة لكبح تأثير جماعات إسلامية أخرى. وذكر بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية اليوم الاثنين أن المحادثات جرت بعلم الرئيس الأفغاني أشرف غاني وتهدف إلى رسم معالم مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية… سورة  نيوز 31/12/2018). ومعنى أن الرئيس الأفغاني على علم بها، وهو لعبة بيد الولايات المتحدة أن ما تفعله إيران هو منسجم مع ما تريده الولايات المتحدة تماما.، وكانت ولا زالت الولايات المتحدة تقتل من خلال الهجمات كل قيادي يقف في وجه المفاوضات (قال مسؤولون أمريكيون: إن الولايات المتحدة شنت هجوما بطائرة بلا طيار أمس السبت ضد زعيم حركة طالبان الأفغانية أختر منصور… ووصفت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” أختر منصور بأنه “عقبة أمام السلام والمصالحة بين الحكومة الأفغانية وطالبان”… ).

لذلك كله فإن استراتيجية أمريكا في أفغانستان بعد اخفاق الحل العسكري هو دمج المقاومة الأفغانية بالحكم وإعطائهم بعضاً من المناصب، وتحقيق بعض الامتيازات ضمن خط معين وهو إشراكهم مع غيرهم بالحكم وليس اعطائهم الحكم، ومن خلال خروج القوات الأمريكية مع بقاء بعض القواعد البعيدة عن المدن وبقاء بعض القوات الرمزية لها والنوعية والقادرة على التحرك لحين وصول الإمدادات في حال تطلب الأمر هذا .

إن الذي جعل الولايات المتحدة تعيد استراتيجيتها في أفغانستان بعد الصمود البطولي للمقاومة هناك هو كذلك الأزمة المالية التي تعيشها حيث تعاني من مديونية ضخمة تهدد اقتصادها الذي تعرض لأزمة عام 2008م وما زالت تداعياته مستمرة، وترى أنها أنفقت على الحروب في الشرق الأوسط أي في البلاد الإسلامية ما يعادل سبعة تريليونات ولم تحصل منها شيئا كما قال رئيسها ترامب، فقد كتب على حسابه في تويتر يوم 22/1/2017م قائلا: “بعد أن أنفقنا بحماقة سبعة تريليونات دولار في الشرق الأوسط حان الوقت للبدء بإعادة بناء بلدنا”. وقد نقلت بي بي سي يوم 9/1/2016م عن مجلة فوربس الأمريكية أن (الحرب في أفغانستان كلفت أمريكا حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي، وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة، ورغم هذه الخسائر البشرية والمالية الكبيرة فقد فشلت أمريكا في القضاء على الحركة…) وكلك ظهور الصين وإستراتيجية الإحتواء تقتضي التفرغ لها بعيداً عن النزيف في إفغانستان وهذه لوحدها تحتاج وقفات لبلورتها  فيما سيأتي بإذن الله.

إنه من المؤلم أن تكون القيادات عسكرية، ولو أدركت ما عليه أمريكا من ضعف ومن تحديات؛ لما قبلت بالجلوس والتفاوض مع أمريكا وللنظام التابع لها، بل كان يجب عليهم البقاء على مقاومتهم حتى تضطر أمريكا للخروج ذليلة مكسورة والحرب صبر ساعة، فأمريكا لم تقبل بالمفاوضات إلا بعد عجزها عن كسر إرادة المجاهدين.

بل لعلنا ندرك من خلال تصريح ترامب ذلك التصريح الخطير لو أدركته طالبان لما قبلت بالمفاوضات، حيث قال قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حديث أدلى به لقناة “فوكس نيوز” يوم الأربعاء:” إن الحرب في أفغانستان كانت سبب انهيار الاتحاد السوفييتي”. وأضاف دونالد ترامب القول: “روسيا كانت تشكل الاتحاد السوفياتي، وأفغانستان بالذات جعلته روسيا من جديد روسيا أفلست بسبب القتال في أفغانستان”.

لذا كان الوعي السياسي واجباً شرعياً حتى لا تكون التضحيات وأرواح الأبرياء وصيحات الثكالى صرخة في واد، وحتى لا تراق الدماء لإقامة حكم لا يقيم وزناً لحكم الله؛ بل بسلطان الولايات المتحدة وقوتها وأدواتها، وللأسف لم تتعلم طالبان من خيانة باكستان لها، وكيف شاركت بالحرب عليها بعد انقلاب أمريكا على طالبان في مسمى الحرب على الإرهاب، ولم تتعلم من خيانة ودور إيران في الحرب عليها وقوات الشمال، ولم تتعلم من تسليح الولايات المتحدة لها للقضاء على الاتحاد السوفيتي ثم الانقلاب عليها، فهل يعقل أن تخسر طالبان بقلم وورقة ما حققته في الحرب الطويلة، فالله وعد الصابرين والثابتين بالنصر حتى وإن كانوا أقل من العدو قال تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين).

و الوعي السياسي ليس  الوعي على الأوضاع السياسية أو الموقف الدولي أو الحوادث السياسية أو تتبع الحوادث السياسية، بل هذا التحليل السياسي وفهم الواقع  وإن كان هذا مطلوبًا ومهمًا وضروريًا ولازمًا  وحتميا فهم ما يجري لإنزال وتحديد الموقف منه لكن الوعي  السياسي  هوالنظر إلى العالم من زاوية خاصة هي وجهة النظر، أي من زاوية العقيدة التي تنبثق عنها كافة المعالجات وتحدد لكل شيء وفعل حكما   وهي عندنا بصفتنا مسلمين العقيدة الإسلامية التي تنبثق عنها كافة الأحكام التي تعالج أفعال الإنسان ، فنحن ننظر إلى العالم من زاوية الإسلام؛ زاوية لا إله إلا الله محمد رسول الله، زاوية «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (متفق عليه).

 إن الوعي على مخططات الغرب تجاه الإسلام والأمة ومصالحها لهو فرض عظيم، وقد علمنا القرآن الكريم الوعي السياسي، وكذلك الكشف السياسي في أكثر من موقف، حيث قال تعالى: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ ويمكر الله وَاللّهُ خيرُ الْمَاكِرِينَ)، وأخبر الوحي عن محاولات قريش لقتل محمد صلى الله عليه وسلم، وكشف مخططات الغرب في محاولة تمييع الإسلام وجعله يقبل بمفاهيم وحضارات وأحكام الغرب، فقال جل شأنه: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وكشف تواطؤ الغرب على دولة الإسلام في غزوة الخندق، والكثير مما ورد في كتاب الله، ولم يكتف القرآن بهذا بل أمرنا بمعرفة سبيل المجرمين حيث قال تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)، فالأصل في المسلمين كما قال ابن القيم رحمه الله: “فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق، وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة”. كتاب الفوائد لأبن القيم الجوزية، وخطاب الرسول هو خطاب لأمته، وتستبين معناها تتبين أي من البيان والتفصيل، وسبيل جاءت نكرة مضافة، وهي تفيد العموم؛ فعلى العاملين للإسلام أن يستبينوا كل سبيل للغرب وأساليبه وأدواته، وليكونوا على دراية بها حتى لا يقعوا في مكائده، فهذا عمر فيما روي عنه يقول: “لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يَخدعُني”. فالمسلمون الأصل فيهم أن يتمثلوا هذه المقولة الرائعة “لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يَخدعُني” والمعنى: لستُ بالماكر المُخادع، ولكنَّه لا يُمكن أن يخدعه الماكِر المراوغ؛ فليس المُؤمن مُخادعًا غادرًا، كما لا يَسمح لغيره أن يغدر به.

فمتى ندرك أهمية ووجوب الوعي السياسي ولكي لا نقاتل لمصلحة العدو والمحتل، ولكي لا تذهب التضحيات سدى.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here