حسن عبادي: الاسرى في السجون: نحن نلعب الشيش بيش وهم يلعبون الشطرنج

حسن عبادي

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى أحرار يكتبون خلف القضبان رغم عتمة السجون لاهتمامي بما يكتبه السجناء وبأدب السجون؛ زرت أحمد وكميل وعاصم، باسم، حسام وسائد، كريم ووليد، مروان، وائل وشادي وغيرهم ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة؛ تواصل معي الكثيرون وشدّني ما كتبَهُ الصديق بسام الكعبي، صاحب كتاب “جمر المحطّات”: “قامات عالية تفرض على اللغة إداء طقوس الوفاء في معبد الفداء. نص جميل مكثّف؛ يليق بتضحيات الأسرى والأسيرات، الجريّة لأيقونات الجريّة”. أمّا الزعتريّ غازي العلي فكتب: “من 

الدور الذي تقوم به عزيزي هو رحيق أحلامنا لإعطاء أسرانا حقّهم في ممارسة نضالهم بشتى الطرق… وعلى أمل أن تشرق شمس الحرية على أرض الوطن”. وتبقى قضيّة أسرانا معادلة صعبة نتهرّب من مواجهتها!

الحالمون لا يمكن ترويضهم (2)

في زيارة لي إلى رام الله التقيت بصديقي نقولا عقل، صاحب جار الرعاة للدراسات والنشر،  وأهداني كتاب “رسائل في التجربة الاعتقالية” للكاتب الفلسطينيّ الأسير وائل نعيم أحمد الجاغوب  وحين قرأته تبيّن لي أنّني التقيت في الآونة الأخيرة بعض “أبطاله” خلال مشواري التواصليّ مع أسرى يكتبون، فكان لقراءته مذاقًا آخر.

التقيته صباح يوم الخميس 09 يناير 2020 في سجن هداريم (بعد أن تم نقله من سجن رامون في إطار سياسة التنغيص على الأسرو والتنكيل بهم) مُطلًا بابتسامة شامخة فباغتني قائلًا: “شو جابك بهالشتا وبهيك طقس من حيفا؟” وحينها كُسِر جليد الحاجز الزجاجيّ بيننا وتبادلنا أطراف حديث مع مناضل صلب ملمّ بكلّ شاردة وواردة.

خلال لقائنا دخل الغرفة “الدوفير” لمشورة ضروريّة؛ أخبرني أنّها بشأن الأسير المعتقل إداريًا  أحمد زهران ومضرب عن الطعام منذ 108 يومًا ولم تقم الدنيا وتقعد بشأنه، أمره مهمّش وسلطة أوسلو مطنّشة عنه!

حدّثني عن شعورة بالحريّة في “البوسطة” اللعينة حين كانت تعبر الكرمل، ولحيفا حضور طاغٍ في عالم الأسر وأخبرني بقصيدة نظمها صديقي الأسير ناصر أبو سرور حول حيفا يوم زرته في هداريم (كلّي شوق لقراءتها)!

تحدّثنا عن “الملف الطبّي” للأسرى وأهميّة نقله من مصلحة اسجون الاحتلال إلى وزارة الصحّة، مشروع بدأه مع الأسير الحيفاوي المحرّر أمير مخول ولم يُنجَز بعد.

تناولنا موقف الشارع الفلسطيني تجاه قضيّة أسرانا وإهمالها  قضيّة الأسرى، فصار اهتمام  الزعامة الأوسلويّة وأتباعها لا يتعدّى الاحتجاجات “البروتوكوليّة”! والاستنكارات الموسميّة.

تحدّثنا مطوّلًا عن قصّة أسرانا وضرورة تسجيل شهادات وقصص وحكايا أسرانا التي لم تُحكى بعد وأهميّة توثيقها ونشرها لتكوّن اللوحة الصحيحة للحركة الأسيرة، فمؤسّساتنا تتجاهلهم وتهمّشهم.

ناقشنا مقالتي حول كتابه ووقوعه في فخّ التنظيم ومحاولته صبغ نضال الأسرى بلون فصيله متجاهلًا معاناة، صمود ونضال رفاقه في الأسر من تنظيمات وفصائل أخرى.

كلّمني بثقة، منتصب القامة ومعنويّات عالية أثلجت صدري وأزالت عنّي عناء ومشقّة السفر في هذا اليوم العاصف والماطر.

حلّق الأمل بالحريّة والحلم بها في فضاء اللقاء، وجدته مناضلًا صلبًا يؤمن بقضيّته وصاحب حقّ، رسّخ في مخيّلتي ما قاله باولو كويلو: “الحالمون لا يمكن ترويضهم”!

لك عزيزي وائل أحلى التحيّات، والحريّة  القريبة لك ولجميع أسرى الحريّة

نحن نلعب الشيش بيش وهم يلعبون الشطرنج

التقيته بعد لقائي بوائل في سجن هداريم، أطّل عليّ من خلف الزجاج وحين مسك السمّاعة قال: “جيت أشوف مين هالحيفاوي يلّي وراء قصيدة ناصر!”؛ هو الأسير المقدسيّ شادي محمد رجائي أحمد الشرفا.

حدّثني عن معانة الأسرى الصحيّة، فهو بحاجة ماسّة لزراعة قرنيّة، وهناك أسرى يعانون من أمراض مزمنة بدون علاج وبعضهم يموتون في الأسر نتاج الإهمال الطبّي.

تحدّثنا طويلًا عن أهميّة الاعتراف الدولي بأسرانا كأسرى حرب، فحلمه أن ينقلب السيف من عنقه لرقبة سجّانه فيُلاحَق دوليًّا ولا يستطيع حينها السفر عبر مطارات العالم، فأسرانا أسرى حريّة سياسيّين ولذا يتوجّب ملاحقة السجّان في المحافل الدوليّة والمحكمة الجنائيّة الدوليّة.

تحدّثنا حول ضرورة توثيق حكايا أسرانا الإنسانيّة بعيدًا عن الأسطرة، فنحن نعيش ونغرق في الماضي وحضوره عميق وطاغٍ يعيق التفكير بعقلانيّة، يشلّ التخطيط والبرمجة لمستقبل أفضل، فنحن نستنكر بفزعاتنا اللحظيّة الآنيّة كلاعب الشيش بيش الذي يعيش اللحظة والعدو يخطّط بعيدًا كلاعب شطرنج محترف، وذكّرني بصانع البراميل الفرنسيّ الذي يستعمل أخشاب أشجار عمرها 150 سنة وعليه زراعة شجرتان بدل كلّ شجرة يقوم بقصّها (سأكتب عنها لاحقًا).

 تحدّثنا مطوّلًا عن الدولة-المدينة ووضع كانتوناتنا “ومدننا” التي خلناها دولة عظمى وما زلنا نعيش الوهم.

تخيّلنا معًا لحظة تحرّره القريب وأمّه التي تعدّ الأيّام والقدس التي تنتظره، وشمس الحريّة التي تتوق لعناقه.

لك عزيزي شادي أحلى التحيّات، والحريّة  القريبة لك ولجميع أسرى الحريّة.

لقاء وابتسامة

التقيت الروائي الأسير باسم محمد صالح أديب خندقجي بعد لقائي بوائل وشادي في سجن “هداريم” وابتسامته الطفوليّة الملائكيّة ما زالت عالقة تلازمه وكأنّها لم تفارقه منذ لقاءاتنا السابقة  يوم 12 حزيران، يوم 31 تموز ويوم 15 أيلول،  تعانقنا عبر الزجاج لينقضّ كلٌّ منا سمّاعته لنتمّم حديثنا.

حدّثته عن معرض الكتاب الأوّل في نابلس يوم الأحد 03.11.2019 ودور عمّه خالد(أبو يسار) في إنجاحه، وأخبرته أن المداخلة الرئيسة في افتتاح المعرض كانت بعنوان: “أدب الحركة الأسيرة، باسم خندقجي نموذجًا” وفوجئت أنّ لا عِلم له بذلك. الله يسامحك يا يوسف!!

تحدّثنا حول لقائي بعائلته، تفاعل قُرّائه مع كتاباته، زيارته حيفا مساء الأربعاء 27 تشرين ثاني للمشاركة بأمسية مناقشة روايته “خسوف بدر الدين” في منتدى الكتاب الحيفاويّ  وقرأت على مسامعه ما كُتِب ونُشِر حول تلك الأمسية ورأي المشاركون بالرواية وكان سعيدًا جدًا لسماع ذلك للمرّة الأولى.

تحدّثنا عن قراءاته وكتاباته الأخيرة  ومشروعة للدكتوراة، تشجيعه لزملائه الأسرى على الكتابة وضرورة النشر كمُتَنفّس لهم واتفقنا على إصدار مجموعة شعريّة لأحدهم.

أخبرني بزواج يوسف في آذار القادم وتمنّينا مشاركته حرًا طليقًا.

ناقشنا فكرة مختبر السرديّات الحيفاوي وراقت له جدًا.

داهمنا الوقت مارًا بلمح البصر واتفقنا على لقاء قريب.

لك عزيزي الباسم أحلى التحيّات، على أمل أن يكون اللقاء  في نابلس، قُبيل عرس يوسف، لنكمل حديثنا دون سمّاعات وزجاج.

***الأسير وائل الجاغوب، أُعتقل يوم 1 أيار 2001 حكمت المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة بحقّه حكماً بالسجن المؤبد.

***الأسير شادي الشرفا ، أُعتقل يوم 6 نيسان 2002  حكمت المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة بحقّه حكماً بالسجن لعشرين عامًا.

***الأسير باسم خندقجي ، أُعتقل يوم 2 تشرين الثاني 2004  حكمت محكمة سالم العسكريّة بحقّه حكماً يقضي بالسجن المؤبد ثلاث مرات.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here