حسن البصام: بنية المفارقة ودلالات المعاكسة في تضاد الأسئلة.. قراءة في جنون وعولمة حميد الحريزي

حسن البصام

  وانت تدخل المجموعة يستقبلك العنوان وكلماته المفتاحية هي : مشاهدات، مجنون، العولمة مالذي يشاهده المجنون ؟ انه يرى كل شئ يراه العاقل ولكن يختلف الظاهر عن الباطن تختلف وجهات النظر وتتباين ايحاءات الرؤية ودلالاتها وحيثياتها ورموزها ..المكان له رائحة قد تعلق به منذ عشرات السنين ماان نقبل عليه حتى نستعيد عبق ذلك الزمن الذي كان هنا ..المجنون يشاهد الثابت والمتغيركما هو العاقل ولكن من تاسره الدهشة ؟ ولماذا اعتمد الشاعر على مشاهدة المجنون وليس العاقل ؟ هل اصبح المجنون اكثر بياضا من العاقل واكثر حيادية وصدقا ؟

هل اصبح المجنون شاهد عصره ، كما هو الشاعر ؟

  وماهي العولمة وكيف تعاملنا معها .كيف جابهت حضارتنا ،وهي الحضارة المتراكمة المتراصة ، وسايرت تفكك زمن متحول نحو طرق شتى متشعبة متباينة التضاريس .هل صمدت كتلة الحضارة امام مطبات العولمة .. هل صدقنا العولمة ومسكنا يدها سائرين في حياة متقلبة ؟

هل استثمرنا افكار العولمة للتقارب مع واقع نافر؟

مالذي تريده منا ياحميد الحريزي ..هل تريد ان نصرخ بوجه مايجري ونمزق ثيابنا كالمجانين ام نتعقل ونقول انا لله وانا اليه راجعون ؟

ولماذا تربك حياتنا بوخزاتك المدروسة لحظة سكوننا كحركات المجنون والمندفعة كالعولمة؟

  الشاعر هو الوجه الاخر للمجنون ،كلما ارتقى في شعره تخيلا وتحليقا كلما تلبس مخيلته الجنون وشاهد مالم يشاهده الاخر ..وقد تداولته الجاهلية وافتخروا به ، وتطرق اليه رجال الدين ذما وتحقيرا بربطه بعالم الجن . ان من النقاد من يجعل الشعرمخاضا  لرحم الفقر والتخلف ، والنثر سردا او شعرا مخاض الرقي الحضاري ، ومن هنا فان العرب أمة شعر وأرى ان الكاتب سواء كان ساردا او باحثا او ناقدا يميل الى الاغتراف من معين الشعر كلما سنحت له اكف شياطينه .وهذا مارايته عند الشاعر حميد الحريزي الذي عرفناه ناقدا وروائيا وقاصا بارعا، هو الان يتلبسه الشعر /الجن.

والعولمة المعروف عنها وليدة الاقتصاد واتساع تمدد الشركات للمنافسة معتمدة على تكنولوجيا الغرب وسياساتها الاقتصادية الاحتكارية والتنافسية والتي تسعى للارتقاء بثقافة على حساب الثقافات الاخرى بفعل السباق المحموم والسعي باتجاه الربح الخرافي على حساب ميول الانسان الاخرى . وهنا نقطة افتراق عن الشعر الذي يؤسس للمشاعر مقاعدا وثيرة .

كيف وظف الشاعر العولمة في رؤيته الشعرية؟

لقد برع في ذلك من خلال المفارقات المذهلة وارى ان المجموعة في اغلب قصائدها المائزة ارتكزت على بنية المفارقة ودلالات المعاكسة وصورة الشئ ونقيضه واعتمدت السخرية الهادفة في ابراز الجوانب المهمة من مبادئ الانسان السامية التي انحدرت الى التسافل.

(1)

أنا شاهد عليها

تحت ظلال رماح القصب الصفراء

ضفادع لها فحيح، تزدرد الأفاعي

أنا شاهد عليها

خراف عمياء تحرس الراعي

(2)

حمار يمتطي حصاناً عربياً

يعلق شجرة نسبه

قلادة فوق مؤخرته و..

يجر خلفه طائرة (البوينغ)

ويقول الشاعر :

(الرقم المنحوس)

 العالم مشغول بسر عولمتنا

تمثلنا (الدي) فهي الرأس

أل(مقراطية) ذيل ،

 يجرح عزتنا  لا نقبله

نحن علَّمنا الناس سر الحرف

وسر النهب وسر(الكرف)

فليتوجه كل العالم صوب قبلتنا

فالعالم مشغوف بسحرِ عولمتنا

وفي مقطع اخر يقول :

(4)

غجرية ثملى

تنشد لحن ( الهجع )

من فوق مئذنة الحي

المزينة بالدولارات النفطية

(5)

وهنا تتجلى المفارقات المذهلة التي يستجمع الشاعر حنجرته ليصرخ دما في قعر ضميره :

قطعان مدينتنا

تعاف البرسيم

وتلتهم أوراق ورد الجوري

حمير قريتنا

تدرس ساستنا علم المنطق

وأدوات النصب والجر ودروساً في الإملاء

وهنا انحياز الى مبادئ الشاعر ومعتقداته  :

ممنوع

أحتضان

المطرقة للمنجل

محظور

وضع ( الخيار ) في الاعلى

و( الطماطة ) في الاسفل

ممارسة الموت

في الشارع مقبول

أما الفرح

محظور حتى

خلف الباب المقفل

إياك

ان تبتل ريقكَ

ب ( المنكر )

  الشاعر يعيش القلق الممض ، وهذا القلق هو مشغل او مصهر او مرجل يصنِّع اشكالا انسانية باهرة في قوالب الواقع ، مافعله الشاعر كان رثاء مرا للحياة التي عبث بها السراق وصنع حكاياتهم الكاذبة فيها الفاسدون الجهلة المتخلفون ..حين يكون الفاسدون قضاة والعابثون حكاما والفاشلون يقررون مصير الناس فان كل مثقف سيكون شاعرا وهي مصداقا بان الشعر من مخاض الالم والفقر والتخلف الاجتماعي.

تعالوا هلموا سراعا

لاخبركم بالنبا الخطير

لقد توج الثور اميرا

وصار الحمار وزيرا

 (7)

في قاعات الدرس

يعلمنا فن الخطابة اخرس

ومتسول أعمى

يعلمنا فن ادخار الفلس

وشيخ الحي

يعلمنا فنون المنكر والرجس

 (8)

من سوق الخضرة

يملأ كيسه بعظام موتاه

يطحنها

ويعمل منها خبزا

غنيا بكالسيوم عظام الفقراء!!!

  المجموعة زاخرة بجنون الحياة وهي تنحدر باقصى سرعة نحو التسافل والاماكن النتنة هناك في القعر حيث تتكاثر الكلاب وتتوالد الذئاب وينهش بعضها بعضا ، الاعزل خائف والمسالم مرتعد والباحث عن جذوة امل يائس والعاشق مخذول ..القساة واللصوص والقتلة ،وحدهم يعيشون الواقع المر ويستمتعون في رحلاتهم الدموية وطموحاتهم التي تتناسب مع عولمة المنافع.

كان الشاعر حاذقا في العنوان وفي المتن حيث تدفقت قصائدة من محاور موحدة بقوة عبر دلالاتها وانساقها المتعددة التي تحمل هما بات يسحقنا . شاعر وريث السرد والنقد والنشاطات المدنية الثورية والتاريخ الناصع انتماء للوطن والناس البسطاء هو يسعى الى حلم كبير ان تكون عدالة ورفاهية وحياة آمنة عبر حياته التي نذرها تعبا وتضحية في هذا الاتجاه .

  المجموعة الشعرية (مشاهدات مجنون في عصر العولمة )صدرت عن (المطبعة العالمية) في النجف الاشرف ، الطبعة الاولى 2019  ، في مئة وستين صفحة من القطع الكبير ، وقد زينتها مقدمة  الشاعر وريث الفحول  يحيى السماوي (النقمة المقدسة) ودراسات عديدة لعدد من النقاد والشعراء.

ضمت المجموعة نصوصا شعرية (17) نصا شعريا .

وهو قاص بارع وله اصدارات نقدية وسردية متعددة في القصة القصيرة والرواية :- – مجموعة قصصية (ارض الزعفران)

– ثلاثية روائية بعنوان (محطات العربانه ج1، ومحطات كفاح ج2، ومحطات ج3 البياض الدامي)

– كتاب بعنوان (الدين والسياسة)

– (ارض الزعفران) و(القداحة الحمراء)، روايتان قصيرتان

– صدرت للكاتب عدة دراسات نقدية حول روايات ونصوص شعرية ومجاميع قصصية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here