حسام عبد الكريم: من شهداء الرأي والموقف في تاريخنا: غيلان الدمشقي

حسام عبد الكريم

دفع غيلان حياته ثمناً لاعلانه رأيه الحرّ النيّر في مسألةٍ سعى الحكامُ الى ترسيخها في أذهان العامة لضمان طاعتهم واستمرار سلطانهم. تلك هي ” عقيدة الجبر الالهي” التي بدأ ملوك بني أمية بفرضها على الرعية -بالتواطؤ مع فقهائهم – بعد استيلائهم على السلطة وانتهاء فترة الخلفاء الراشدين.

فقد بدأ التلاعب المُغرض والمقصود بمفهوم ” المشيئة الالهية ” الوارد في القرآن وتحويره وجعله نوعاً من القضاء المحتوم الذي يسيّر أفعال الانسان وحياته كلها فلا يملك الاّ التسليم لارادة الله التي شاءت كل شيء موجود في هذه الدنيا. فقد كان الأمويون يروجون للعقيدة الجبرية فيخاطبون العامة بمنطق بسيط فيقولون لهم : أن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلاً، إنما هو أمر الله و قدره, وإرادته التي سطرها في اللوح المحفوظ من قبل ان يخلق الكون. وقصدهم في ذلك طبعاً تبرير حكمهم للناس، واعفاء انفسهم من مسؤولية الظلم والقهر والفساد ورفع اللوم عنهم لما أحدثوه من تغييرات في نظام الحكم الإسلامي وتحويله الى مُلكٍ عضوض.

كان معاوية يقول “لو لم يرَني ربي أهلا لهذا الأمر، ما تركني وإياه. ولو كره الله ما نحن فيه لغيّره”.

نعود الى غيلان – وهو كان رجلاً ألمعياً , مسلماً فاضلاً , من أصل مصري , يعيش في عاصمة الامويين دمشق-  الذي قرر ان ينقض عقيدة الجبر هذه من اساسها. فكان يرفض أن تنسب الشرور التي نفلعها نحن البشر إلى الله تعالى ويرفض رفضا تاما المنطق المتهافت الذي يؤصّل باسم الدين أن جميع الشرور من قتل واغتصاب ودمار وآلام مصدرها هو الله .فكان يقول ان الإنسان هو المسؤول عن أفعاله وأنها تنسب إليه حقيقة لا مجازا وأن الله سبحانه أعظم وأجل من أن يجبرنا على الأفعال التي نفعلها ثم يلقينا بالنار بناء على جبره لنا . وكان يؤصّلُ لهذه الفكرة المنطقية الواضحة بأدلة شرعية قوية من القرآن والسنة ويؤمن إيمانا تاما بالعدالة الإلهية.

وطبعاً هذه الدعوة لا يمكن ان تروق للحكام الامويين. بل هي مصدر خطر داهم عليهم وعلى نظام حكمهم. لأنها تحملهم هم مسؤولية الفساد والظلم الذي كان عاماً , وتنزّه الله عن ذلك.

وقد زاد الطين بلة بنظر الحاكمين من بني أمية رأيه في موضوع الخلافة والامامة . فخلافاً لنظريتهم – التي ألبسوها ثوباً شرعياً- حول ان ” الائمة من قريش” قال غيلان أنها تصلح في كل من يجمع شروطها، و لو لم يكن من قبيلة قريش (كل من كان قائماً بالكتاب و السنة فهو مستحق لها).

فكان لا بد من القضاء عليه. وتولّى ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك. ولكن كان لا بد من اضفاء صبغة شرعية على قرار اعدامه. فاستدعى الخليفة فقيه بلاد الشام المشهور آنذاك , الامام الاوزاعي, لكي يُفحم غيلان قبل الحكم عليه. ويروي الحافظ ابن عساكر في “تاريخ دمشق  , ج48 ص199-213” تفاصيل مؤلمة عما جرى. فقد جلبوا غيلان الى مجلس الخليفة وقام الاوزاعي بالدور المطلوب منه تماماً : أهدر دمه بعد مواجهة قصيرة مع غيلان المقيّد بلا حول ولا قوة. وما جرى أبعد ما يكون عن “المناظرة” أو الافحام بل هو أشبه بالمسرحية المصممة سلفاً للانتقام من صاحب الرأي الحر. واختتمها الاوزاعي بقوله لهشام بن عبد الملك ” كافرٌ ورب الكعبة يا أمير المؤمنين”!

وكانت تلك الكلمة التي ينتظرها هشام . فأمر بقطع يديه وقدميه وصلبه على باب دمشق ! لكي يكون عبرة لمن يعتبر ولمن  يتجرّأ على التفكير الحر خلافاً لما تريده السلطة. ونتابع المشهد الدرامي الذي تذكره كتب التاريخ : فقد حاول أعداؤه أن ينتصروا عليه وهو على الصليب، فقال له أحدهم: “أنظر ماذا فعل بك ربك , يا غيلان هذا قضاء وقدر”  يريدون منه الإقرار بمذهبهم، لكنه رغم آلامه أصرّ على موقفه فقال بأعلى صوته: “كذبتَ لعمرو الله , ما هذا قضاء ولا قدر” واضاف “بل لعن الله من فعل بي ذلك”,,,,  مما دفع بهشام ان يأمر بقطع لسانه ايضاً !

وختاما أشير الى ان كتب التاريخ لم تنصف غيلان الدمشقي. بل انها تنحاز في مجملها الى موقف الحكام وفقهاء السلاطين. وأغلبها يشنّع عليه ويسوق ضده التهم والافتراءات, فيزندقونه ويخرجونه من الملة ويجعلونه منحرف العقيدة وعدوا للاسلام! اسلام هشام بن عبد الملك طبعاً.

رحم الله غيلان الدمشقي , وكل أصحاب الفكر الحر المستنير , في كل مكان وزمان

كاتب وباحث من الاردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

10 تعليقات

  1. العم العزيز المغترب
    اتابع تعليقاتك على كثير من المقالات و احترم اراءك في معظم الاحيان
    الامام الشافعي رضي الله عنه لم يكن ظاهريا
    المذهب الظاهري نشأ في الاندلس و من اتباعه ابن حزم الظاهري.
    اما ان قصدت ان الامام الشافعي لا يؤول ظاهر الايات المتشابهات
    فهذا ليس صحيحا . الامام الشافعي منزه لله على طريقة الاشاعرة

  2. يقول المسيح عليه السلام ليس بالخبز يحى الانسان
    وقياسا على ذلك ليس بالعقل وحده يمكن تقديم اجابات وتفسيرات لكثير من المظاهر والاحول في حياتنا وفي كثير من الاحيان كاد العقل ان ينفي ذاته
    وان االاخلاق لايمكن تفسيرها بالعقل والاخلاق منتوجا دينيا ولقد قال ابن رشد ان الاخلاق هي جوهر الدين

    بالعقل لن نسطيع فهم بتهوفن في سيموفنيته الرائعة التي الفها وهو اطرش اصم
    بالعقل لن نستطيع فهم تضحية رجل اطفاء يقتحم النار لانقاذ طفلا
    بلعقل لن نستطيع فهم تصرف ثعلب امسكت به مصيدة حيث يقوم بقرض يده طلبا للنجاة

  3. غيلان الدمشقي والجعد بن درهم وابن المقفع والحسن الحلاج وغيرهم كثر من اصحاب الفكر الحر كان مصيرهم القتل او التشرد في اصقاع الارض

  4. وَقالُوا لَوْ کُنّا نَسْمَعُ اَوْ نَعْقِلُ ما کُنّا فی اَصْحابِ السَّعیرِ

    أنا قرأت مقال لأستاذ الكريم في شأن مستقبل الاتفاق النووي مع ايران بعد ان نجح بايدن اللي أصاب كبد الحقيقة و أصبحت مندهشا من عمق التحليل الأستاذ العزيز مع أن حضرته لا يعيش في ايران لكن وضع الأصبع علی الجرح

    يقول الغاندي العزلة ليست ألم و غصتي بل غصتي هي موت الأمة يسمون فقرهم و تسولهم القناعة، يسمون عدم كفائة و تأهلهم الصبر و في النهاية يسمون مبتسما هذا الغباء حكمة الله

    عند قراءة تاريخ و تراث السياسي سنجدها علی اساس طاعة الأمير مهما كان واقعه و حرمة خروج علی ولي الأمر حتی إن كان فاجرا باغيا … و للأسف الشديد النظرية ان الأمير هو الذي يجب أن يطاع كائنا من كان تركت بصماتها على مجتمعنا الإسلامي و تقضي علی مشاريع المقاومة و مشاعر الإسلامية نتيجة لممالأته للحكام

  5. .
    استاذي الفاضل حسام عبد الكريم ،
    .
    — سيدي ، اصبحت انتظر بشغف ما تكتبون واملي ان اقرأ قريبا مقال لكم عن الامام الشافعي الذي ارسى للظاهريه باركانها الممتده حتى اليوم .
    .
    لكم الاحترام والتقدير
    ،
    .

  6. الله سبحانه وتعالى لم يجبر عباده على فعل الخير والمعروف ومعاذ الله ان يجبر عباده على الشرور
    ثم ان الله خلق الانسان مكرما حرا
    وبما ان الانسان حرا فهو المسؤؤل عن افعاله وبما انه صاحب كرامة انسانية فهناك الثواب والعقاب
    انه لمن العدل اكرام الكريم ومعاقبة اللئيم السئ
    ويقول المفكر الاسلامي علي عزت بكوفيتش رحمه الله اذا اخذنا في الاعتبار ارادة الاسلام التي لا يمكن انكارها تجاه تحسين العالم يتبين لنا ان نسبة الجبرية الى الاسلام مغالطة منكرة
    اننا نجد الجبرية على الارجح في وجهة نظر عن الحياة صاغها علم النفس الحديث قائمة على تقليص مميت لجميع الابعاد الانسانية الى تاثيرات البيئة وهذااتقليص لا يتساءل عن معنى الحياة وهو يقول للانسان انه ضحية الظروف اي انك مجبور وعبدا لظروف الحياة واليبئة ان الجبرية جزء من الاعراض المرضية للعصاب الجماعي
    ان من لايجيد السباحة سيغرق حتما وان من ئؤمن بان الاعمار بيد الله عليه بالابتعاد عن مواطن التهلكة

  7. مهما حلك الظلام، يبقى هناك بصيص نور يرفض ان ينطفىء، شكرا لك.

  8. رحم الله غيلان الدمشقي ورحم كل من امن بأساطير تجار الدين، واعان الله كل من استعان بالعقل في الحكم على النقل.

  9. تحية من شقيق عراقي لفكرك المستنير و منطقك المستقيم السليم و الرجاء أن تواصل كتابة ما قد يسهم في شفاء العوج المزمن في عقل الأمة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here