حسام عبد الكريم: على هامش حديث جواد ظريف المسرّب: اين الارشيف العربي!

حسام عبد الكريم

ليس الهدف هنا أن ندخل في مضمون التسريب الذي حصل لكلام وزير الخارجية جواد ظريف بخصوص المرحوم قاسم سليماني وعلاقة العمل بينهما على مدار السنين الماضية, فذلك أمر تم الكلام عنه باستفاضة داخل ايران وخارجها وتم توضيحه من طرف الوزير جواد ظريف نفسه والقيادة في ايران عموما. إنما اللافت في الموضوع هو حصول التسجيل بحد ذاته بهدف التوثيق, صوتاً وصورة, لشؤون الحكم والقيادة وحفظها, أي “الأرشفة” اذا جاز التعبير. أي أننا عرفنا ان ايران تقوم بالفعل بعملية توثيق كاملة لكل ما يتعلق بالبلد وحكومتها وادارتها وتنظيمها وفي جميع المجالات. وهذا أمرٌ متقدم للغاية وتقوم به الدول التي تحترم ذاتها وشعوبها.

الفكرة من “الأرشفة” هي باختصار توثيق كل ما يحصل في بلدٍ ما من تطورات وأحداث وقرارات وجعلها مادة محفوظة ومتاحة بتصرف الاجيال القادمة التي يمكنها ان تدرسها وتعرف منها مكان الصواب والخطأ وكيفية تعامل الاجيال السابقة مع المخاطر والتهديدات والتحديات. وهذا الارشيف المحفوظ, كما لا يخفى, له أهمية قصوى وفائدة عظيمة للتقدم للامام . الدول المحترمة توثق كل شيء: محاضر الاجتماعات واللقاءات الداخلية والخارجية, تقارير الأجهزة الأمنية والاستخبارية, القرارات الادارية, الأوامر الصادرة, الصحافة والاعلام, الدراسات والابحاث,,, كل شيء في البلد وفي شتى المجالات.

وعادة يتم الحفاظ على سرية الارشيف الوطني لأي دولة لفترة معينة يتم بعدها الافراج عنه وجعله متاحاً للباحثين وللعموم. وفترة السرية والإغلاق تتعلق بنوعية الوثائق وأهميتها وخطورتها. بعض الوثائق يُفرج عنها بعد 25 سنة, وبعضها بعد 50 سنة, وبعضها لفترات أطول, ولكن في النهاية يجب الافراج عنها لأنها تصبح تاريخاً ومن حق الناس الاطلاع عليها ودراستها.

ونصل الى بيت القصيد هنا وهو سوء حالة الأرشفة التي تعاني منها الدول العربية. وهذا السوء مردّه أحياناً التقصير الشديد والاهمال, وأحياناً أخرى يكون مقصوداً لإخفاء حقائق معينة والتغطية على أشخاص وجهات, وخصوصاً في المجال السياسي.

والمثال الأبرز لما نشير اليه هو حرب فلسطين 1948. فالارشيف العربي ليس متاحا, او حتى ليس موجوداً, للباحثين المهتمين بدراسة تلك المرحلة والأحداث الكبيرة التي حصلت وأدت الى نكبة فلسطين. لا يوجد بين ايدينا وثائق الدول العربية الخمسة التي شاركت في الحرب, وخصوصا الوثائق المهمة والسرية التي تتعلق بتجهيز الجيوش والمراسلات بين القادة العرب والعلاقات مع بريطانيا العظمى والاوضاع داخل فلسطين والاتصالات مع الوكالة اليهودية.

وفي المقابل فإن الأرشيف الصهيوني متوفر ومكتمل, سواء كان وثائق الوكالة اليهودية او المنظمة الصهيونية العالمية او “دولة اسرائيل” لاحقا. وايضا الارشيف البريطاني موجود ومفصّل, وثائق وزارة الخارجية والمستعمرات البريطانية.

ولذلك فإن أهم وأوثق الدراسات المتعلقة بتاريخ القضية الفلسطينية صدرت استناداً الى وثائق الارشيف الصهيوني والبريطاني. بينما المصادر العربية أغلبها تستند الى مذكراتٍ مكتوبة لبعض القادة والشخصيات التي كان لها دور في تلك المرحلة, او مقابلات وتحقيقات أجراها بعض الباحثين, او الى ما تم حفظه من الصحف والمجلات. ورغم أهمية وفائدة احاديث الذكريات والمقابلات الاعلامية, إلّا انها في النهاية تعبر عن وجهات نظر فردية او شخصية ولا يمكن الركون الى مصداقيتها خصوصا اذا كان اصحابها طرفاً في الأحداث.

كاتب و باحث من الاردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. شكرا للاستاذ حسام على طرحه هذه المسألة الهامة. انه لمن المؤسف حقا ان الارشيف الصهيوني يعتبر مصدرا رئيسيا نستدل منه على تاريخ القضية الفلسطينية وخاصة الحرب التي قامت على اثرها دولة الاحتلال الصهيوني. غياب الارشيف العربي يعكس الوضع العربي الحاضر البائس والذي لا يعطي قيمة للبحث والتوثيق واهمية تراكم المعرفة عبر الحقب والاجيال. وهو ايضا انعكاس لتحكم الانظمة الدكتاتورية وغياب المؤسسات وجعل الولاء للاشخاص بحيث انه اذا استبدل شخص او مدير او قائد بآخر يتم مسح وطمس ما حدث او انجز قبله. لهذا كله نجد ان بلادنا تراوح مكانها على كافة الاصعدة.

  2. بأرشيف او بدون ارشيف ما في فرق. امة تعبانة وشعوب نايمة. بالعكس خلينا ننسى التاريخ اللي بخزي احسن النا

  3. استاذنا العزيز
    عندما نستقل استقلالاً حقيقيا سوف يكون لنا ارشيف ونتقدم ونزدهر ونسابق الدول العظمى
    لانه توجد عندنا كل مقومات القوة وسوف نصبح الدولة العظمى الاولى على سطح هذا الكوكب
    الثقافة الثقافة والتنمية البشرية توصلنا لهذا الهدف

  4. العرب لا يريدون ارشيف ولا توثيق ولا يريدون ان تنفضح خياناتهم . احسن شي الستر والسرية وما حدا دري

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here