حزب “المكنسة” يتربّع على كرسيّ الحكم للمرّة الثالثة في العاصمة الهندية دلهي

 

الدكتور وائل عواد

تنفّسَ الصّعداءَ سكّانُ العاصمةِ دلهي بعدَ فوزِ الحزبِ الاجتماعيّ الهنديّ (آم آدمي ) بالانتخاباتِ للمجلس التشريعيِّ للأراضي الاتّحاديّةِ في دلهي لخمس سنواتٍ قادمةٍ، وللمرّة الثّالثة على التّوالي؛ فقد كثُرَ في الآونةِ الأخيرة الحديثُ عن محاولةِ التّلاعب بأجهزةِ التّصويت الالكترونيّةِ من قبل الحزب المركزيّ الحاكم، وتفشّت نظريّةُ المؤامرةِ بينَ السكّانِ  في الوقتِ الذي كانت فيه معظمُ استطلاعاتِ الرأي تميلُ لصالحِ الحزبِ الاجتماعيِّ الحاكم للفوزِ بهذه الانتخاباتِ والأصواتِ التي سيجنيها حزبُ بهارتيا جاناتا ونصيبِهِ من المقاعدِ على حساب الحزب الاجتماعيِّ . وجاءت النتائجُ النهائيّةُ لتظهرَ فوزَ حزب آم آدمي ب 62 مقعداً من بين سبعينَ مقعدٍ للمجلسِ التشريعيِّ، بينما فازَ حزبُ بهارتيا جاناتا بثمانِ مقاعدَ فقط ، على الرّغم من الحملة الانتخابيّةِ الشّرسةِ. لقد جنّد حزبُ بهارتيا جاناتا كافّةَ كوادرِهِ وقادتِهِ بمن فيهم رئيسُ الوزراءِ ووزيرُ الداخليّةِ وكبيرُ وزراءِ ولاية أوترا برادش، إضافةً إلى جوقةٍ من القادة القوميّين الذين  وجَّهوا أصابع الاتّهام إلى كيجروال بأنّه إرهابيٌّ ومعادٍ للأمّةِ الهندوسيّةِ وما إلى ذلكَ من الاتّهامات خلال الحملاتِ الانتخابيّةِ الدعائيّةِ للحزبِ في محاولةٍ لجذبِ أصواتِ النّاخبين والتّصويتِ للحزب الذي اتّخذَ منَ الشّعاراتِ القوميّةِ والدينيّةِ مرتكزاً في معظم خطاباتهِ الانتخابيّة، بالتّزامنِ مع ازديادِ الفجوةِ بين المسلمينَ والهندوس بسبب قانونِ الجنسيّةِ المثيرِ للجدلِ، والإجراءاتِ التي اتخذتها الحكومة بحقِّ سكّانِ إقليم جامو وكشمير، ووضعِ معظمِ القادةِ الكشميريّين قيدَ الاعتقالِ القسريِّ، والتحكّمِ بشبكات التٍّواصلِ الاجتماعيِّ والاتّصالاتِ بشكلٍ عامٍّ .

وبدورهِ فَشِلَ حزبُ المؤتمرِ الوطنيِّ في تحسين قاعدتهِ الشعبيّةِ، بل خسرَ خلالَ هذه الجولة ولم يحصل حتّى على مقعدٍ واحدٍ ! وهذا ينطبقُ على جميعِ الأحزابِ اليساريّةِ  التي لم تفز بمقعدٍ واحدٍ،  إذ بدأَ نفوذُها بالتّضائلِ في الهند، مما يحيجها إلى ترتيبِ أوراقها من جديدٍ وتغييرِخطابِها السياسيّ.

فائدةُ المكنسة السياسيّةِ –  مثل القاشوش وقشّةٌ واحدةٌ تكفي

أخذَ الحزبُ الاجتماعيُّ آم آدمي (المواطنُ العاديّ) على عاتقهِ همومَ سكّان العاصمةِ وتطلّعاتهم وآمالهم، واتّخذَ من المكنسة (المقشّة) شعاراً لهُ، وبدأ أوّلاً بتنظيف الدّوائرِ الحكوميّةِ وكراسي الوزراءَ بمن عليها ورميهِم والقاذوراتِ في صندوقِ القمامةِ. لقد شنّ حملةً لتنظيفِ شوارع العاصمةِ والشّوارعِ الضيّقة والأحياءِ الفقيرةِ وتوفيرِ مياهِ الشّربِ والكهرباء مجّاناً للفقراءِ، وخصّص مقاعدَ للفقراء في المدارس الحكوميّة وحتّى في المدارس الخاصّةِ، ووفرَ العنايةَ الصحيّةَ للفقراءِ، واهتمَّ بكبار السنّ .

فضّل الناخبُ الهنديُّ التصويتَ للحزبِ السياسيِّ الاجتماعيّ والتنمية الاجتماعيّة لجميع سكانِ العاصمةِ، وامتنعَ عن التّصويتِ   لصالحِ الأحزاب السّياسيّةِ الرئيسيّة التي  نقضت وعودَها الانتخابيّةَ وحاولت زرعَ الضّغينةِ والحقد والتّفرقةِ، حسبَ رأيِ معظم النّاخبينَ بجميع انتماءاتهم الدينيّةِ والعرقيّة والطائفيّة؛ فلا نفع  المالُ ولا أجدتِ الإيديولوجيّة ولا الفلسفة الباليةُ  ولا الشعاراتُ الطنّانةُ ولا التودّدُ لرجالِ الدُين والتردّدُ على المعابد كذلكَ الأمرُ، بل برزت قيمةُ العملِ والتفاني وتنفيذِ الوعودِ الانتخابيّةِ ومعالجةِ همومِ ومشاكلِ المواطنِ. وشنَّ أنصارُ وكوادرُ الحزبِ الاجتماعيِّ حملتَهُم الانتخابيّةَ بزيارةِ سكّانِ العاصمةِ في العاصمة بيتاً بيتاً ينشرونَ رسائلَ الاحترامِ، وتحقيقَ رغباتِ المواطنِ، وقبولَ الآخرَ، وسيادةَ الأمنِ والقانونِ والنّزاهة، والابتعادَ عن الفسادِ والرشاوى . كان زعيمُهم – أرفيند كيجراوال – المثلَ والقدوةَ نظراً  لنزاهتهِ وحِنكتهِ وقدرتهِ على القيادةِ، ولما يتحلّى بهِ من صفاتٍ وأخلاقٍ، حميمة،ٍ وكذلكَ لطريقتِهِ في التقرُّبِ من الشّارعِ والاهتمامِ لهمومِهِ ومعاناتهِ. هذا الزعيمُ الشابُّ ابنُ العاصمةِ، فضَّلَ عدم مناطحةِ الثّورِ، وطرحَ نفسَهُ كزعيمٍ هندوسيٍّ معتدلٍ واستطاعَ أن ينافسَ قادةً وطنيون كبارَ بالمقشّة؛ نعم فكلمةُ مكنسةٍ، أو مقشّةٍ باللّغةِ العاميّةِ، تمَّ استخدامُها بالطّرقِ الصّحيحةِ في كنسِ الفاسدين، وتنظيفِ الدّوائرِ الحكوميّةِ،  واختيارِ الرّجلِ المناسبِ للمكانِ المناسبِ؛ شعاراتٌ مجّدناها في عالمنا العربيِّ وتمّ تطبيقُ عكسها تماماً.

دروسٌ مفيدةٌ من النتائجِ – إعادةُ هيكلةِ الخطابِ السياسيِّ الهنديّ

ابتعدَت كوادرُ الحزب عن الجدلِ في قضايا استقطابيّةٍ وطائفيّةٍ حاولَ الحزبُ القوميُّ الهندوسيُّ استدراجَهُم للخوضِ بها، وسمحُوا بالتّظاهراتِ السلميّةِ في المدينة دونَ قمعِ الشّرطة ورجال الأمن وأُحيلت الانتهاكاتُ للقضاءِ للبّتِ بها . لقد فضّلَ  قادةُ الحزبِ الحديث عن إنجازاتِهم على مدى العقدِ الفائتِ، ولم يعتمدوا على أيّةِ ماركةٍ مسجّلةٍ لزعيمٍ، وهذا ما عكسَ تطلُّعَ الشّارعِ لزعيمٍ سياسيٍّ اجتماعيٍّ نزيهٍ، فنجحَ كيجراوال بطرحِ نفسِهِ كزعيمٍ بديلٍ لقادةِ الأحزابِ الوطنيّةِ الرئيسيّةِ التقليديّين، إذ لم يعتمد أسلوبَ التّرهيبِ والتّخويفِ والتّشكيك والتّجويعِ وشراءِ الذّممِ والاستقطابِ،  بل  كان أكثرَ إنسانيّةً وقدّم نفسَهُ كزعيمٍ يُحارب الفسادَ، إذ أبقى وزاراته نظيفةً ونزيهةً، وتمّ تقييمهُ من خلال أدائه وتنفيذ وعوده الانتخابيّة، وبدا قادراً على إحداثِ التّغييرِ والإنتاجِ والعملِ لمصلحةِ الشّعبِ و لصالح البلادِ.

كشفت هذه الانتخاباتُ زيفَ الشّعاراتِ وعدمَ التزامِ الأحزابِ السياسيّةِ بوعودِها الانتخابيّةِ، كما أماطتِ اللّثامَ عن وجوهِ العديدِ من القادةِ بعدَ فشلِهم في جرِّ الحزبِ الاجتماعيِّ للسفسطةِ والجدليّةِ العقيمةِ، بعدَ استخدامِ الكلماتِ البذيئة السوقيّةِ والطائفيّةِ والتّشجيعِ على القتلِ والتّرهيبِ والوعيدِ؛ ولذا يبقى السؤالان هنا: ماهي الدّروسُ التي يمكنُ الاستفادةُ منها؟ وماهي  تداعياتُ هذه النتائجِ على عموم الهندِ التي يقدّرُ سكّانُها بحوالي مليارٍ وثلاثمائةٍ وخمسينَ مليونَ نسمةٍ؟

حتماً، لن يكونَ بمقدور زعيمٍ أن ينافسَ رئيسَ الوزراءِ الحاليِّ الأكثرَ شعبيّةً –  ناريندرا مودي – أو يُغّيرَ من سياسةِ حزبهِ القوميِّ الهندوسيِّ، ولكن ستسمحُ هذه النتائجُ للأحزابِ السياسيّةِ الأخرى بتوسيعِ رقعةِ نفوذِها، وتقليصِ شعبيّتهِ ومراكزِ قوّتهِ،  وإذكاءِ التّنافسِ بالطّرقِ الديمقراطيّةِ كي لا يكون التّنافسُ من طرفٍ يتيمٍ. ومن المؤكّدِ كذلكَ أن يغدو لها تأثيرٌ في انتخاباتِ المجالسِ التشريعيّةِ في الولايات الهندية بالاعتمادِ على الأحزابِ المحليّةِ الاجتماعيّةِ النزيهةِ، والابتعادِ عن القادةِ المتطرّفينَ الذين يحاولونَ استقطابَ السكّانِ من خلالِ الشّعاراتِ والوعودِ الطائفيّةِ والسّماحِ للمتشدِّدينَ بالاعتداءِ على الطّلبةِ وأبناءِ الطَّوائفِ الأُخرى .

دلهي نموذجاً للعالم العربيّ

يكفي الدّولَ العربيّةَ الاطّلاعُ على سيرِ الانتخاباتِ للمجلسِ التشريعيّ – دلهي – لتطبيقِهِ في عالمنا العربيّ، إذ تضمُّ دلهي 22 مليونَ نسمةٍ وبالنهار قرابةَ 26 مليونَ نسمةٍ، حيث يتردّدُ أبناءُ الولاياتِ المجاورةِ يوميّاً،  وتقاربُ معظمُ الدّولِ العربيّةِ هذا التّعدادَ السكانيَّ ماعدا مصرَ طبعاً، ولكن يمكنُ تطبيقُ النّموذجِ بحدّ ذاتهِ ليُحتذى به في تعزيزِ وترسيخِ الأسسِ الديمقراطيّةِ  بعيداً عن العنفِ والطائفيّةِ والعرقيّةِ والإثنيّةِ وشراءِ الأصواتِ والابتزازِ والاعتمادِ على أيادٍ خارجيّةٍ لتقسيمِ البلادِ وتدمير حضارتها وسرقة تراثها وتذبيح شعبها كما يحدثُ في العالمِ العربيّ. وقد شاركَ في هذه الانتخابات أكثرَ من 63% من بين 14,782,230 ناخبٍ يحقُّ لهم التّصويتُ بهذه العمليّةِ الديمقراطيّةِ، وكانَ التّنافسُ على أشدّهِ بين الحزب القوميّ الهندوسيّ المركزيّ  الحاكمِ – بهارتيا جاناتا، وحزبِ المؤتمرِ الوطنيّ الذي حكمَ البلادَ لأكثرَ من خمسينَ عاماً منذُ استقلالِ الهند، وحزب آم آدمي (الرجل العادي) الاجتماعيّ الصّغير الذي يحكمُ دلهي لدورتين انتخابيّتين متتاليتين.

وبالعودةِ للهند، فإنّ الزعيمَ الشابَّ المواطنَ العاديَّ – أرفيند كيجراوال – قدّمَ بديلاً سياسيّاً جديداً في الشّكلِ والمضمونِ  في عالم السّياسة الهنديّةِ الحديثة  خاصّةً وسطَ الطّبقاتِ الفقيرة والمتوسّطةِ. إنّهُ انتصارٌ للوطنيّةِ وشعارِ (الوطن للجميع) بعيداً عن سياسةِ الأغلبيّة في عالمِ الاستقطابِ الذي يروّجُ لهُ الحزبُ الحاكمُ. وإذا نجحَ تطبيقُهُ في الولاياتِ الهنديّةِ الأخرى يمكنُهُ أن يهزَّ عروشِ الأحزابِ التقليديّةِ،   ليصبحَ الحزبُ الهندوسيُّ اليمينيُّ الوسط ، البديلَ لحزب بهارتيا جاناتا القوميّ الهندوسيّ ويسحبَ البساطَ من تحت قدميهِ .

وهذا ليس مستبعداً، فلننتظر ولنراقب…

كاتب وصحفي سوري مقيم بالهند

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here