حزب الله والمعركة ضد الفساد.. الاختبار الأصعب

د. طارق عبود

 شكّلت كلمات نواب في جلسة مناقشة الموازنة ، جرس إنذار من حزب الله من يهمّه الامر، إلى أنّ غيابه عن مناقشة الوضع الداخلي، وإشاحة النظر عما يُرتكب بحق الدولة والشعب والخزينة قد أصبح من الماضي، وعلى الطبقة السياسية التي كانت مرتاحة من ابتعاد الحزب  من النقاش الجدّي والمناكفة والجدل ووضع النقاط على الحروف، قد أصبح من الماضي، وعليها تهيئة نفسها للحساب والمساءلة، لأنّ الأوضاع الاقتصادية وصلت إلى مرحلة قد تهدد الأمن الاجتماعي في البلد، وتفتح بابًا واسعًا لأعداء لبنان للتلاعب بأمنه واقتصاده وسلمه الأهلي، من هذه الخاصرة الرخوة. 

شكّلت إطلالتا السيّد حسن نصرالله  وكلامه على الوضع الداخلي، والملفات المعيشية والاقتصادية ، دلالةً وازنة على مقاربة جديدة للواقعين الحكومي والسياسي، لإنّ كلّ المتابعين للوضع في لبنان يُدرِكون خطورة المرحلة، وما وصلت إليه مالية الدولة والخزينة. وذلك عقب عقدين ونصف العقد من إخفاق الرؤية الاقتصادية التي انبنت على الاستدانة، والسمسرات، والتلزيم بالتراضي، وغياب الشفافية، وكانت السياسات العشوائية المُتخلّفة سببًا مباشرًا في تحميل الشعب اللبناني حوالي المئة مليار دولار، مع خدمة دَين سنوية مُتراكمة تصل إلى أكثر من خمسة مليارات دولار يستفيد منها المودعون الكبار والمُفسدون والمصارف والكارتيل المالي في مقدّمهم، وذلك من دون أيّ إنجاز خدماتي واضح، حتى الكهرباء والنفايات لم يجدوا لها حلولاً، وذلك بعد إنفاق وضياع أكثر من ست وعشرين مليار ليرة على البنية التحتية التي لم تختلف كثيرًا على أيام الحرب الأهلية. والواضح من خطاب رئيس الحكومة سعد الحريري أنه مصرٌّ على دفن رأسه في الرمال، عندما أوحى أنّنا بصدد قرارات صعبة ستتّخذ للخروج من الأزمة، هذه القرارات الصعبة سيحمّلها للمواطن والطبقات الوسطى والفقيرة مرة جديدة، مع إعفاء المصارف وحيتان المال ومكدسي أموال الفساد من الإسهام في التخفيف من المشكلة التي كانوا من أكبر المستفيدين منها، وما زالت سياسة مصرف لبنان تُكابِر، وتضع مصلحة “المافيات المالية والمصرفية” في طليعة رؤيتها وسياستها، من خلال بدعة الهندسات المالية التي كلفت الخزينة في السنة الماضية فقط أكثر من خمسة مليارات دولار، ما تسبّب بالوضع الكارثي، وفاقم المشكلة الاجتماعية بشكلٍ قد يؤدّي إلى انفجارٍ اجتماعي واسعٍ وعابرٍ للطوائف. وما إن صرّح وزير المال علي حسن خليل في نيّته “إعادة هيكلة الدَين” حتى قامت الدنيا عليه، ولمّا تقعد بعد، لأنه حاول أن يوحي أنّ على المصارف أيضاً تحمّل جزءٍ من مشكلة البلد الإقتصادية. وهذا مؤشّر إلى أنّ طَرْقَ بابِ هذه المجموعة “الفاجِرة” سيواجَه بالتخوين والتآمُر على اقتصاد البلد وسمعته. 

 ويبدو أنّ حزب الله في طور مرحلة جديدة، بعد التخفّف من أثقال الحرب في سوريا، وإنّ الالتفات إلى الداخل صار إحدى الأولويات في رؤيته، بعدما تمّ منح الفريق الاقتصادي- السياسي الذي تحكّم منفردًا بالسياسة الاقتصادية للبلد الفرصة تلو الأخرى منذ العام 1992 وتبيّن عُقم رؤيته، بل وكارثيّتها، وتتبدّى النتيجة أمام  اللبنانيين اليوم، والوصول بالدولة إلى حافّة الهاوية، وهم يرون بلدهم الجميل يسير نحو الخراب،. لذا كان واجبًا إفساح المجال للآخرين بتقديم الحلول لمُعالجة المشكلة، ولا أعتقد أنّ وضع العراقيل والتذرّع بحِجج واهية قد يؤتي أُكُله، لأنّ الخطر بات يتهدّد الجميع، ولم يعد هناك من مجال لمزيد من الدّلع، من ناحية، ولا لمزيد من إعطائهم الفُرَص، وغضّ النظر عن ارتكابات المفسدين من ناحية ثانية. 

   يُدرِك السيّد نصرالله أنّ الحصار المفروض على المقاومة، والضغط الكبير على الاقتصاد اللبناني، يهدفان إلى إضعاف بيئة المقاومة وضعضتها، لكي تنفضّ الناس عنها، وتشكّل ضغطاً عليها، ما يجعل الانقضاض عليها أكثر سهولةً، طالما أنّ الناس والجمهور مشغولون، بتأمين لقمة العيش المفقودة، وفاتورة اشتراك المولّدات، ودفع أقساط المدارس، ناهيك عن الفاتورة الصحيّة، فيصبح الدفاع عن الأرض في مواجهة أيّ عدوان، ترفًا غير متاح. ويشكّل استمرار النهج الاقتصادي في البلد على المنوال نفسه، تماشيًا مع هذا الهدف الأميركي- الإسرائيلي بتحطيم الإنجازات جميعها التي حقّقتها المقاومة اللبنانية في العقود الماضية، وآخرها ضرب مشروع الشرق الأوسط الكبير في مقتل، وبناء منظومة ردع فاعِلة للدفاع عن لبنان من أيّ عدوان إسرائيلي. وهذا الأسلوب الأميركي المعروف استخدِم ويُستخدَم منذ عقود كثيرة مع خصوم الولايات المتحدة وأعدائها. وما لم يستطيعوا أخذه بالقوّة، يحاولون أن يحصلوا عليه عبر الانهيار الإقتصادي الاجتماعي في لبنان. لذا فإنّ تقاطع المشروعين أصبح واضحًا، والحصار المفروض على المقاومة والبلد من الداخل والخارج يحقّق الغرض نفسه، ومن الطبيعي أن يكون حزب الله، مُدرِكًا لهذه الحقيقة، والأكيد أنه غير مستعدٍّ للتفريط بالمقاومة وإنجازاتها، وبالتضحيات الجِسام التي قُدّمتْ، كرمى لعيون ثلّةٍ من السرّاق والمُفسدين، الذين يتآمرون على البلد، ويخدمون أهداف العدو، من حيث يدرون أو لا يدرون. لذا ستشهدُ المرحلة المقبلة صراخاً وعويلاً للمُتضرّرين من مشروع مُحاربة الفساد.. إذا ما أكمل طريقه.

فرصة الأخيرة، أو طائفٌ جديد

   تمثّل المرحلة الحالية الفرصة الأخيرة لمحاولة النهوض في البلد، وفي منع الانهيار الكبير، وهذا ما حاول السيّد نصرالله أن يعمل عليه، ويدعو إلى الانتباه له وتفاديه، فعندما يقف على المنبر وأمام الجماهير ووسائل الإعلام، قبل الانتخابات النيابية، وفي غير منطقة، ويَعِدُ الناس في لبنان أنه سيكون أمامهم في المعركة ضد المُفسدين، فإنّه  بذلك يحمل على كاهله وعدًا ثقيلاً لم يخلفه الرجل يومًا، وهو يضع نفسه محلّ مُساءلة من جمهوره، ومن اللبنانيين، بغضّ النظر عن الظروف التي ستواجه مشروعه لمحاربة الفساد، وهذا شيء مُتوقّع من نظامٍ وطبقةٍ سياسيةٍ اعتادت أن تفعل ما تريد في المال العام، من دون حسيب ولا رقيب، وإلا سيكون الموقف أكثر إحراجًا أمام الناس في أية محطة مقبلة. 

تشي المرحلة الحالية أنّنا أمام معركة طاحنة، وأنّ “الغُنج والبهلوانيات” التي تمارسها معظم الطبقة السياسية، ولا سيما من كان مسؤولاً عن الملف الاقتصادي في لبنان قد انتهى، وأنّ الناس تطالب بالحلول الواضحة، غير القابلة للتأويل والاجتهاد، والفلسفة والتسويف. والناس تطالب المقاومة قبل غيرها بالوقوف معهم، وهم الذين لم يقصّروا معها في المراحل الصعبة.

لذا نحن اليوم أمام مشهد مختلف، في الشكل وفي المضمون، إذ ضيّق السيّد المجال والفرصةً لرفض ما قدّمه- كدفعة أولى- في موضوع الكهرباء وغيره على سبيل المثال لا الحصر، لأنّ الأمر جدّي وغير قابل للمُزايدات، ومن لديه أيّ اقتراح آخر، عليه تقديمه أمام الرأي العام، بعيداً من “العَلْك” التقني والسياسي الذي سمعناه منذ العام 1992 في موضوع الكهرباء وغيره، فذلك لم يعد قابلاً للصرف عند اللبنانيين. وما قاله أمس وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بشكل رسمي يأتي في سياق تأكيد ما طرحه نصرالله، فإذا كانت الولايات المتحدة مُعترضة على ما تنوي إيران وغير إيران إذا وُجِد، تقديمه، فلتتفضّل، ولتشمّرْ عن سواعدها، وتقدّم الحلّ الناجِع والسريع، وبالكلفة الزهيدة نفسها التي سترفع عن كاهل الخزينة حوالى ثلاثة مليارات دولار في العام الواحد، وهو مبلغ يحتاجه البلد لإطفاء خدمة الدَين، والعمل على سدّ العجز الفادِح في الموازنة. وكل من يقف في وجه من يريد مساعدة لبنان-أيًا يكن- هو مساهم في انهيار البلد، وفي التآمر عليه، وإلا عليه أن يدعو حلفاءه لتقديم البديل، إذا كان يعتقد أنّ للإيرانيين مصالح سياسية تتوارى خلف موضوع المساعدات في الكهرباء وغيرها.

   إنّ مشهد حرق المواطن اللبناني جورج زريق نفسه، وأمام الملأ بسبب قِصْر يده عن دفع أقساط ولديه في المدرسة، سيكون حاضرًا في أذهان كل اللبنانيين، لأنّ الكثير منهم مستعدّون لإحراق أنفسهم، وربما غيرهم، إذا ما وصلت الأمور إلى لقمة عيش عائلاتهم، وهم يشاهدون طبقة الفاسدين وأبناءهم وبناتهم يتنعّمون بأموال الشعب في ملاهي بيروت وأوروبا، وعلى متن يخوتهم الفاخرة. 

   يعلم القاصي والداني أنّ الانهيار الاقتصادي في لبنان -إذا حصل- لن تتضرّر منه الطبقات الفقيرة والمتوسّطة فحسب، والفوضى التي ستعمّ، ستطال الجميع، من مصارف وشركات وفنادق وممتلكات وغيرها، لأنّه في زمن الفوضى، وفي زمن الجوع، لن يكون مُتاحًا التنظير والدعوات إلى ضبط النفس، والعضّ على الجرح، حفاظًا على الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وباقي المعزوفة الممجوجة. لقد اتُهمت المقاومة وغيرها، في غير مناسبة أنّها تريدُ تغيير اتفاق الطائف، وقد يصبح الاتهام واقعًا في حال دخل البلد في مرحلة الخراب، لأنّ من المنطقي في أعقاب أي حرب، أو انهيار اقتصادي كبير، أن يتمّ الاتفاق على عقدٍ اجتماعي جديدٍ، ولن يكون البكاء على اتفاق الطائف مُجدياً حينها. ولاتَ ساعة مندمٍ.

أكاديمي وكاتب سياسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here