حرب أسعار.. صراع ديوك.. غطس في النفط.. وحرق دول.. فمن الخاسر الأكبر؟

دكتورة ميساء المصري

سمعنا الكثير وقيل الأكثر، وسال الحبرالأسود عن النفط ، والإقتصاد العربي “النفطي” اليتيم ، وعن نفط أنظمتنا الحالك السواد الرخيص الثمن، الذي “سود” وجوهنا جميعاً.

بالمقابل نذكر جميعنا حادثة القمة العشرين حين وقف الأمير محمد بن سلمان وحيدا مهمشا تغافل عن حضوره جميع القادة عدا فلاديمير بوتين الذي صافحه بقوة لافتة ومازحه أمام الجميع بإبتسامة عريضة و بصورة اثارت إستغراب العالم وإستهجانه, وطرحت التساؤلات , تماما كما يحصل اليوم بينهما بلا مصافحة ولا تبادل لإبتسامةً واحدة ولا سلام بل حرب معلنة أثارت النقاش والحرب والخوف من وصول سِعر برميل النفط إلى 26 دولارا , وربما في الأيام المقبلة ، الى 10 دولارات كما كان عام 1974, والسؤال لماذا والى أين وإلى متى ؟ وما النتيجة ؟ .

بداية أحب ان أشير الى أن مشكلة العرب في الأنظمة التي لم تضع حدا للمحنة النفطية.. ولم يأتِ تفاوضهم بأي نتيجة أيضا, بل المزيد من العجز ولَعنات الريعِ النفطي. ففي زمن ما , كان سعر البرميل 3.6 دولار و أسعار النفط كانت بيد مجموعة من الشركات الأجنبية تعرف بإسم الأخوات الـ7 وكانت هي التي تحدد حجم وأسعارالعرض في السوق.

وإنهار هذا النظام بعد القرار الذي إتخذه المنتجون العرب للنفط داخل أوبك في الكويت عام 1973 بحظر تصدير النفط العربي إلى الولايات المتحدة إحتجاجا على دعمها لإسرائيل في حربها ضد مصر آنذاك. ومن وقتها بدأت أسعار النفط في الإرتفاع. وتستخدم كأداة سياسية ضد العرب أنفسهم قبل غيرهم .

  الروس اليوم وضعوا أسس اللعبة و تحدوا السعوديون ليروا مدى قدرتهم على تنفيذ تهديداتهم، فيما يشبه صراع ديوك محفوف بالمخاطر، فعلى مدار ثلاث سنوات، أبقى الرئيس بوتين روسيا داخل تحالف أوبك بلس، متحالفًا مع السعودية وأعضاء آخرين في منظمة (أوبك)، للحد من إنتاج النفط ودعم الأسعار,علاوةً على إنعاش الخزينة الروسية – تم تحقيق مكاسب على صعيد السياسة الخارجية،وتوقعت موسكو من الرياض ودول الخليج الأخرى توجيه التدفقات المالية التي تم حظرها من قبل الولايات المتحدة والعقوبات الأوروبية الى الاقتصاد الروسي. وكان شراء قطر لحصة أقلية في شركة روسنفت الروسية المملوكة للدولة مثالاً على هذا النهج. لكن السعودية ودول الخليج خيبت أمل بوتين بذلك .

بالمقابل صفقة أوبك + نشطت صناعة النفط الصخري الأمريكي، واحتد غضب روسيا حيال إدارة ترامب في إستخدام الطاقة كأداة سياسية واقتصادية. كذلك إنزعاج روسيا على نحوٍ خاص من العقوبات الأمريكية ومحاولتها الوقوف في وجه إستكمال خط الأنابيب الرابط حقول الغاز في سيبيريا بألمانيا وأن مشاريع خط أنابيب أوكرانيا الروسي – ستريم التركية على مفترق الطرق ، والذي يعرف عالميا بإسم نورد ستريم 2. بالأضافة لإستهدف البيت الأبيض أعمال شركة روسنفت الروسية المنتجة للنفط في فنزويلا وفرض عقوبات عليها، إضافة الى الاستراتيجية الأمريكية ضد روسيا في سوريا وأوكرانيا وليبيا .

ويبدو ان بوتين أخذ صفحة من كتاب ترامب للحروب التجارية, كن مستعدًا لأضرار قصيرة الأجل إذا كنت تعتقد أن خصومك سيضطرون للتنازل, فجاء قرار الكرملين التضحية بتحالف أوبك بلاس لإيقاف منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة عند حدهم ومعاقبة الولايات المتحدة لعبثها مع نورد ستريم 2. إذن هذه هي استراتيجية روسيا في الوقت الراهن الهندسة المرنة للمصالح حتى حين . فهل أراد بوتين الإنتقام في الوقت والمكان الذي يختاره ؟؟.

  خلال الأشهر القليلة الماضية راينا تشددًا في سياسات الكرملين – شاهد العالم هذا النمط يتكشف في سوريا تجاه تركيا. ودفع الروس عبر بعض الخطوط الحمراء لأنقرة ثم سفر أردوغان إلى موسكو لإعادة فتح المفاوضات مع بوتين.

  فهل سيكون السعوديون أكثر ميلاً للعودة إلى المساومة مع موسكو؟؟. يعتمد ذلك على مدى تأثر العلاقات الأمريكية السعودية بحرب أسعار الطاقة. خاصة والأميرمحمد بن سلمان يجد نفسه منتقدا من جانبي الممرالسياسي في واشنطن ، و قد توجه أمريكا بلعبة أمنية فارغة للسعوديين. ضد طهران لصالح الرياض, مع إستغراق السعودية وقتا أطول للوصول إلى الأسواق بواسطة الناقلات المنقولة بحراً مع ما ستشهده المنطقة من حرب مؤانئ ..اذن السعودية وضعها حرج.

  و قد يكون تحرك الرياض أكثر توجهاً لإعاقة طهران ، فقد نفذت الأوامر الترامبيّة , بحجة انه لا حل بديل لها . فهل سيذهَب بوتين لزيارة الجنادرية ، ويرقص بالسيف ، أم سيذهَب محمد بن سلمان إلى الكرملين ،ليعادل الريال بالروبل, أو يذهب الإثنان معاً إلى ترامب ، ليرقصوا جميعاً على قوت الشعوب ، ويعود سعر النفط إلى 45 دولار للبرميل .. وتنتعش الدول والشركات النفطية .

  الخسائر جمة والمقامرة عالية على السعودية .شركة أرامكو خَسِرت حتّى الآن 248 مِليار دولار من قيمتها و خسارة ب 400 مليون دولار يوميا اي 150مليار في السنة . وستضطر الرياض إلى استنزاف احتياطياتها إلى أقل من 300 مليار دولار، وقد تتزايد الضغوط على تبعية الريال للدولار.ويكلف مجلس التعاون الخليجي بأكمله 300 مليار دولار وتنبؤات بإفلاس دول ، واللُّجوء إلى الديون، وفرض الضرائب، والاقتراض من صندوق النقد الدولي، وخسارة دول العالم الثالث التي تعتمد على صادرات النفط ولها إقتصاد هش وكثافة سكانية كنيجيريا وفينزويلا والجزائر.

خلاصة القول أنه ليس من مصلحة روسيا-بوتين ثاني منتج ومصدر للنفط في العالم ، أن ينخفض سعر النفط أكثر ، وإلا فإن السيد بوتين سيصبح نهاية العام خارج منظومة الكرملين.

  كذلك ليس من مصلحة أمريكا –ترامب أكبر منتجي النفط الصخري والمستهلكين للنفط في العالم ، أن ينخَفض سعر النفط أكثر ، وإلا فإن السيد ترامب سيجد نفسه في نهاية 2020 خارج منظومة البيت الأبيض.

  وأيضا ليس من مصلحة السعودية الحليف المستنزف أمريكيا، أن ينخفض سعر النفط أكثر، وإلا فإن من سيحكم السعودية ، سيجد نفسه خارج المنظومة قبل إعادة الصلاة في الحرم المكي من جديد.

  وكذلك ليس من مصلحة أسواق المال الغربية ، من طوكيو إلى نيويورك ، أن ينخفض سعرالنفط أكثر ، وإلاّ فإن الإنهيار والإفلاس والخسارة الهائلة ستكون مصير الشركات قبل البنوك .

وحدها الصين من مصلحتها أن ينخفض سعرالنفط أكثر رغم أنها تدرك بأن ترمب لن يسمح لها بإستغلال الفرصة ، وسيتم خلق تفاوضات ، من أجل التوصل إلى تحديد أسعارِ نفط معتدلة ، ولا تضر بالمصالح الأمريكيّة ، وربما على عكس الجميع قد يجد السيد شي جين بنغ ، نفسه خارج منظومة بكين.

وفي نهاية المطاف سيبقى العرب بلا ناقة ولا جمل ، رغم أن براميلهم ودولارتهم وبلادهم وشعوبهم وبعيرهم كلها ، سارحة مارحة ، في بورصات أسواق النفط العالمية.

كاتبة اردنية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. امريكا جزء من المعادلة وكذلك روسيا والصين ، دول راسخه موجوده تعرف ما تريد وتخطط لمواجهه ايه احتمالات قد لا تسير مع مصلحتها . لكن كيف يفكر العربان ، هل هم جزء من المعادلة ، بالتأكيد لا ، هم فقط يتم استعمالهم من قبل الغير حتى ولو كان ضد مصلحتهم ومصلحه شعوبهم ، هكذا هو الحال منذ القدم حتى عندما كان العالم بدون بترول ، هل تذكرون العرب ما قبل عصر النفط ، منذ الحرب العالميه الأولى وما قبلها وبعدها لغايه هذا التاريخ ، كيف كان الإنجليز والغرب يلعب بهم كما يشاء ولا يزال وبنفس الطريقة وانكى ، صدقوني ، لم يتغير شيء ، لكن طريقه اللعب ووسائلها تتغير لتتناسب مع العصر .

  2. روسيا ستخرج من الاتفاق النفطي خلال نهاية الشهر الحالي او هكذا كان متوقع اما سعي السعودية للإبقاء على الاتفاقية عبر تمديدها لفترات اخرى كان هدفه ابقاء الاسواق متوازنة من عرض وطلب وسعر عادل يلبي الحد الادنى للدول المنتجة .
    خروج روسيا من الاتفاقية يعني عدم التزامها سقف إنتاجها من النفط الخام وهذا يعني بالضرورة ان ارادت دول أوبك الحفاظ على السعر فعليها وحدها أن تخفض من إنتاجها وأن تخسر بعضا من المستوردين لنفطها ( حصتها من التصدير ) وكان ممكن جدا ان تاخذهم روسيا فلم يكن اذا من بد الا استخدام نفس الأدوات التي كانت روسيا تريد استخدامها ولا ارى للامانة أي ضير من استخدام نفس الأدوات وبالذات عندما تجد نفسك أمام نفس الرقعة من الشطرنج وعليك ان تلعب بنفس الادوات.
    أميركا تنتج النفط ولكنها لا تصدر ولا حتى برميل واحد وتعتمد الشراء من منتجي الصخر الزيتي لسد احتياجاتها والآن وبعد وصول النفط الى الأسعار الحالية التي أصبحت غير مجدية للصخر الزيتي واصبح لزاما توقفهم عن الإنتاج وبالتالي أصبح على أميركا وباقي دول العالم الاستيراد من منتجي النفط القادرين على الإنتاج في ظل الأسعار الحالية وهم المنتجين العرب وهنا نفهم جزء من اللعبة .
    من ناحية الاسعار فلو أخذنا عامل التضخم من سنوات 1970 الى الآن نفهم لماذا لا يمكن ان تعود الاسعار الى الاسعار التي ذكرتها الدكتورة ميساء بل لا بد ان تستقر الأسعار في بحور 40 دولار وان انخفضت هذه الأسعار فإنها تنخفض بفعل المضاربات على النفط ولكن سرعان ما تعود إلى هذا المستوى ولو فرضنا جدلا ان الاسعار انخفضت إلى ما دون 30 دولار فان لا احد في العالم كله قادر على الانتاج الا الشرق الاوسط والمنتجين العرب بالتحديد في ظل العقوبات على الجمهورية الايرانية.
    كل البدائل من الطاقة غير قادرة على تعويض النفط او الاستغناء عنه مهما حاولت دول العالم .

  3. مقالة رائعة في التحليل السياسي والسمو اللغوي والوخز العروبي في تذكير الحكام الرعاع من آل النفط بٱن لكل شيئ نقصان ولا يغرن بطيب العيش إنسان ، هي الامور كما شهدتها أمم ، من سره زمن ساءته أزمان .

  4. روسيا دولة كبيرة وامبراطورية سابقة ونصف امبراطورية حاليا، كانت دولة عظيمة قبل وجود النفط. السعودية تاريخيا لم تكن الا قبائل متناحرة تغزوا بعطها لتأكل، تحصن وضعها بعد النفط لذلك النفط هو شريان حياتها. الذي يتألم أكثر هو من النفط شريان حياته أما الاخر بامكانه أن يتحمل الألم.

  5. ____ سيبقى البعير هو الثروة الوحيدة لقوم .. رحلة ممتعة 5 نجوم !!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here