حراك الشارع في الجزائر… ماذا بعد إعلان انسحاب الرئيس؟

أ.د. عبدالله راقدي

“حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة من المرتزقين والوصوليين الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه، فيصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدون عنه الأخبار الصادقة التي يعاني منه الشعب.” (عبدالرحمن  ابن خلدون)

أثار إعلان  الرئيس بوتفليقة انسحابه من الترشح لعهدة خامسة في انتخابات أفريل 2019 ودعوته إلى إجراء تعديلات عميقة بعد تشكيل حكومة كفاءات وطنية، وإنجاح “الندوة الوطنية الشاملة”، ردود أفعال تراوحت بين الارتياح والقبول لدى فريق الرئيس والرفض والتنديد في  مختلف منابر التواصل الاجتماعي من قبل أنصار الحراك.  فما طبيعة التأثير  الذي مارسه حراك الشارع على انسحاب الرئيس؟  وهل يمكن اعتبار ذلك أقصى ما يمكن أن يتنازل عليه نظام الحكم الحالي؟ وما تبعات مقترحات رسالة الرئيس على أداء الحراك وعلى المشهد الجزائري في الفترة القادمة؟

حراك الشارع،  هل يمثل بداية التأسيس للذكاء الجماعي؟

 شكلت انتفاضة الشارع نقطة انعطاف في وعي ومدركات مختلف النخب السياسية، الفكرية والأكاديمية. حيث جاءت في ظرف ساد فيه إحساس مفاده أن المجتمع رَكَن إلى قدره الذي  قضى بالقبول بشرعية الواقع التي اقتضت منه في البداية القبول بالتأجيل والتمديد ثم بعهدة خامسة بعد إعلان الرئيس ترشحه وهو غير مؤهل صحيا. في هذه الأجواء ظهرت دعوات في وسائل الإعلام الاجتماعية (الفايس بوك أساس) رافضة للأمر الواقع وداعية لتسير مظاهرات في مدن خراطة وخنشلة وعنابة، وسرعان ما اتسعت وتكثفت لتدفع في اتجاه برمجة مسيرة وطنية فاقت كل التوقعات في 22 فيفري،  ثم مسيرتين وطنيتين في 1 و8 مارس فاقت كل التوقعات من حيث التنظيم الكثافة والطابع السلمي.

يبدو أن حراك الشارع هو إعلان بزوغ فجر جديد لمجتمع – استفاد من الفضاء الرقمي والمعلومة المتيسرة المفتوحة – قرر وضع حد لمسار الانحدار والفشل الذي رهن فيه النظام الحالي الدولة الجزائرية. حراك عرف في فترة وجيزة توسعا كبيرا أفقيا وعموديا ومس معظم الشرائح والفئات. استطاع أن يتطور خطابا ومطالب؛  تجاوزت الطروحات السياسية للسلطة والمعارضة على حد سواء. لم يعد مكتفيا بمطلب رفض العهدة الخامسة بل إلى أصبح  يطالب بذهاب المتسببين في تردي الأوضاع (نخبة حقبة الرئيس).

بفضل شبكات الاتصال التي أتاحت تدفق المعلومة تعلم المتظاهرون في مسيراتهم احترام القواعد العامة، نجحوا في توحيد خطابهم وجعلوه حراكا سلميا. أثبت الحراك في فترة وجيزة أنه أكثر وعي بمصالحه وبرهاناته المستقبلية متجاوزا بذلك منطق التسويات والمساومات الذي دأبت عليها النخب الحاكمة والمعارضة على حد سواء. مثل هذه المظاهر تسمح بالقول أن الحراك أفرز ذكاء جماعيCollective intelligence، ذكاء المجموعة المتعاونة المتضامنة. حراك استطاع أن يجلب الاحترام والتقدير في الداخل والخارج – ملاحظة يجدر التعاطي بحذر شديد مع ما يكتب ويصرح به في الخارج- ، في هذا الشأن كتب بنجمان ستورا benjamin Stora     في مقاله:  الجزائر تصنع ثورتها المخملية” L’Algérie fait sa révolution de velours   ، أصبح المجتمع الجزائري جلي وواضح  عكس بوتفليقة المتخفي. فهل يستطيع الذكاء الجماعي تغيير شرعية واقع أُريد من خلاله ترشيح رئيس مريض وتكريس هيمنة عصبة؟ أم أن واقع  السلطة  المرتبطة بتفاهمات دولية يحول دون تحقيق ذلك؟

سياسة الرئيس وحتمية الوقوع في المأزق

تبنى الرئيس بوتفليقة منذ وصوله للحكم في 1999 سياسة أبانت نزعته نحو  نظام حكم اقرب للشمولية؛ تبعا لذلك، هندس إستراتجيته الموسومة “برنامج الرئيس.” وأجبر الجميع على الدفاع والسهر على تبني برنامجه (الأحزاب السياسية،  الإعلام، المجتمع المدني، الجهاز الإداري). ومن يرفض تبني سياسته  يواجه بالتهميش والتسريح والإحالة المبكرة على التقاعد ( اقدر أن هؤلاء لعبوا دورا مهما في حراك الشارع). وارتكزت نظرته على منطق الزبونية والولاء والوفاء لسياسته دون النظر عن  الكفاءة والنزاهة. وعلى نحو متصل،  استهدف مختلف المؤسسات لاسيما أعمدة القرار (الرئاسة، أركان الجيش، المخابرات) بالإصلاح والتغيير – تحولت الجزائر في بداية حكمه إلى ورشة مفتوحة).

غير أن مشروع الإصلاح بقي في منتصف الطريق بسبب مرضه. وأقدر أن سياسته تسببت في جعل هذه المؤسسات   هشة غير قادرة على لعب الأدوار المنوطة بها. ونتيجة لهذه السياسة أصبحت الجزائر فقيرة القيادات والكفاءات السياسية (عملية تصحير مدمرة).  فهل سيأثر هذا الوضع على مخرجات مؤسسات القرار؟

قرارات تعكس أزمة مؤسسات

لم تجد دوائر صنع القرار الحالية من مخرج أمام الضغط الشعبي الرهيب سوى التسليم بضرورة التخلي عن مبدأ ترشيح الرئيس مع الاحتفاظ بورقة تسيير المرحلة الانتقالية. وعلى هذا النحو، تم الإعلان عن رسالة  الانسحاب، جاء فيها،  ” لـم أنو قط الإقدام على طلبها (الرئاسة) حيـث أن حالتي الصحية وسني لا يتيحان لي سوى أن أؤدي الواجب الأخير تجاه الشعب الجزائري،  وإجراء تعديلات عميقة على تشكيلة الحكومة تكون من الكفاءات الوطنية، مع العمل على إنجاح “الندوة الوطنية الشاملة”، التي ستضع دستوراً جديداً للبلاد، وتحديد موعد للانتخابات الرئاسية القادمة. واعتماد كل أنواع الإصلاحات التي ستشكل أساسا للنظام الجديد.

أقدر أن ترشيح الرئيس  لفترة جديدة ثم الإعلان برسالة عن انسحابه برسالة تضمن عبارة ” لـم أنو قط الإقدام على طلبها”، توحي بأن الرئيس أُرغم على الترشح ومرد ذلك فشل المجموعة في إيجاد شخصية محل توافق.  وتعكس تخريجة الانسحاب وتعيين أحد المقربين من مجموعة الرئيس أي وزير الداخلية نور الدين بدوي على رأس الحكومة مع استحداث منصب نائب رئيس الوزراء- غير الدستوري- كمحصلة لتسوية دقيقة داخل عصبة الرئيس. ويبدو أن الاحتفاظ بشخصيات من عصبة الرئيس تمت على أساس الأخذ في الاعتبار مخاوف عائلة الرئيس، كما أشارت إليه وثيقة سياسية أعدها رئيس حركة “مجتمع السلم”  عبد الرزاق مقري، تحدث فيها  عن وجود مخاوف لدى عائلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من الانتقام منها، في حال انتقل الحكم إلى مجموعات سياسية مناوئة. سلوك يفسر بما ذهب إليه إريك هوفر، “أن الذين يخافون محيطهم , لا يفكرون في التغيير مهما كان وضعهم بائساً.”

يبدو أيضا، أن للعامل الخارجي الممتد عبر محور أبو ظبي  وباريس دور  في المحصلة , إذ لا يخفى دور فرنسا المؤثر  جدا في الوضع الجزائري وهذا بالنظر للبعد التاريخي الاستعماري الثقافي ( لاسيما مع النخب) ، في حين تضطلع أبو ظبي بدور المناول المساعد والمحافظ على المصالح الأمريكية في المنطقة ( سوريا، ليبيا، اليمن). في هذا الاتجاه، قد يسمع قائد الأركان من قادة الإمارات العربية المتحدة وجهة نظر الأمريكيين. وأقدر أن تعيين كل من بدوي والدبلوماسي رمطان لعمامرة تعكس اهتمام ومصالح العاصمتين، مع إدراج شخصيات تدير مؤسسات هذه المرحلة محسوبين على  فريق الرئيس أراها إستراتجية مستفزة للجماهير وغريبة عن عرف وتقاليد العلبة السوداء.فأي تداعيات لإستراتجية فريق الرئيس على أداء الحراك؟

تداعيات انسحاب الرئيس على مشهد الحراك

أقدر أن الانسحاب مع التأجيل والاحتفاظ بنفس رؤية ما قبل إعلان الترشح أراها دون سقف تطلعات وطموحات حراك الشارع ومن خلفه ما أسميته “ضحايا المرحلة البوتفليقية” وهم في عمومهم جزء من الدولة العميقة.  فقد جاءت القرارات لترضية عصب داخل مجموعة الرئيس و القوى الخارجية. في حين أجلت الاستجابة لمطالب حراك الشارع، الذي عبر عن رفضه لتسوية عصبة الرئيس اعتراضا على تمديد عهدته الرابعة من دون إجراءات انتخابية رئاسية مسبقة وهي خرق واضح للدستور.  هذا الرفض تم التعبير عنه عبر منابر التواصل الاجتماعي متوعدا بتصعيد النضال إلى حين تحقيق مطالبه في التغيير. ويتضح ذلك من خلال الدعوة إلى التعبئة لمسيرات الجمعة 15 مارس سميت “بجمعة الخلاص” و “نداء الوطن الرابع”.  بسبب الدعوات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هاته المرة ليس رفضًا لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، وإنما اعتراضًا على تمديد عهدته الرابعة من دون إجراء انتخابات رئاسية، في خطوة وصفت بـ” الخرق الصارخ للدستور”.

جاء أول رد فعل معارض للإعلان بالانسحاب من طلبة الجامعات الذين خرجوا في مسيرات عبر عدة ولايات من الوطن، حاملين شعارات “لا للتمديد ولا للتأجيل المطلوب هو الرحيل ” و “لا عهدة لا تمديد نريد نظام جديد.”.محاولة للالتفاف على المطلب الشعبي.

في تقديري، أن النظام الحاكم ارتكب خطأ جسيم حين انتهى لتسوية ترضي العصبة ضمن مشروع الرئيس دون الأخذ في الاعتبار حركة الشارع المدعمة بعناصر نشيطة ساهم النظام في إقصائها وتهميشها، فضلا على ما أسميته في مقالاتي السابقة إعادة انبعاث الدولة العميقة. على ضوء ذلك، اقدر  أن الصراع سيشتد ويحيل الشارع إلى مسرح لتصفية  الحسابات العصبوية، ويفتح بذلك الباب على مصراعيه لعرابي الحروب في الشرق والغرب على حساب مصالح الدولة الجزائرية في الأمن و الاستقرار والاستمرار.

وأخلص إلى القول أن الانتصار لعصبة الرئيس وترضية الخارج دون الانخراط الجدي في إيجاد حل عقلاني واقعي لمطالب حراك الشارع وعبره عصب متمرسة على مختلف أوجه الصراع، مدعاة للتنبيه إلى ضرورة استدراك الوضع قبل الانزلاق إلى العنف الأعمى المدمر الذي يوفر للأعداء شروط العبث بأمن واستقرار الجزائريين.

أستاذ العلاقات الدولية جامعة باتنة -1- الجزائر.

E-mail: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. مشكور استاذ على المقال الهادف فهو قراءة متمحصة لحراك الشارع” الاسباب الظروف والتكهنات” ننتضر دائما مزيدا من تحاليلك وقراءاتك.

  2. أتمنى أن تصل رسالة هذا المقال، إلى كل من يهمهم الأمر…

  3. هذا الحراك القائم حاليا يحتاج إلى تأطير في أسرع وقت ممكن ، حتى لا يتحول إلى فوضى عارمة تأكل الأخضر و اليابس ، و يدفع بالبلاد إلى الهاوية و الخراب و الدمار. عجيب أمر هذا الحراك الذي يوصف بالرائع و الحضاري و السلمي ، و لا نجد له مؤطرين يؤطرونه ، ويرتقون به إلى توافق وطني ممتاز ، يزيل جميع الظغائن و الأحقاد من النفوس و القلوب ، ليترسخ السلم و الأمن و الأمان ، ولتشتدّ روابط الأخوة و المواطنة بين أفراد الشعب الجزائري ، وينجو الوطن من المتربصين به شرّا و انتقاما. فهذا الحراك إذا لم يظهر له مؤطرون يضفون عليه شرعية شعبية ، سيتحول إلى حراك إجرامي ، وستنبت ديكتاتورية رهيبة تستمر لعقود طويلة . فعلى أصحاب الحراك أن يدركوا ذلك قبل فوات الأوان، لأن دوام الحال من المحال. والسلام على كل وطنيّ شريف كريم أبيّ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here