حديث عن الوطنية عن السودان وغيرها

 

 

ابراهيم محمد الهنقاري

هذا الحديث موجه لمن كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد.

ليست الوطنية بعدد السيوف و النجوم و التيجان او النسور و الرتب التي يحملها العسكريون العرب على أكتافهم . بل الوطنية الحقة هي مقدار الولاء الذي يحمله الضباط العرب في قلوبهم و عقولهم للشعب و للقانون و للدستور في بلاد العرب اوطاني.

و ليست الوطنية هي البيانات الاولى للانقلابات العسكرية المرفوضة شكلا وموضوعا في الوطن العربي بعد ان ثبت بالدليل المادي الملموس فشل كل و جميع الانقلابات العسكرية التي عرفها العرب منذ المرحوم حسني الزعيم نزيل احد القبور في سوريا الى حسن البشير نزيل سجن كوبر الذي جعله ماوى لكل خصومه السياسيين في سنوات طغيانه ثم شاء له القدر ان يقضي فيه بقية أيامه . بل ان تلك البيانات مهما قيل فيها هي عدوان على الشعب و على الدستور و على القانون. وهي كلها باطل سياسي لا شك فيه.

لا يكفي ان يعتذر الضابط السوداني عبد الفتاح البرهان للشعب السوداني بعد ان قتل هو وجنوده رميا بالرصاص ستين مواطنا سودانيا تجمعوا امام مقر قيادة الجيش السوداني في الخرطوم ليطالبوا الجيش بالتنحي عن الحكم و العودة الى ثكناته و ترك الحكم للشعب السوداني عبر قياداته السياسية المدنية وحدها.

ليست مهمة الجيش اَي جيش ان يحكم. بل ان مهمة اَي جيش و كل جيش هو الدفاع عن حدود الوطن وليس إطلاق النار على المواطنين وقتلهم كما لو انهم هم المعتدون على حدود الوطن.

فشل حكم العسكر في سوريا التي بدأت منها المغامرات او الانقلابات العسكرية العربية الفاشلة عام ١٩٤٨.

فشل حكم العسكر في مصر المحروسة عام ١٩٥٢ بكل رموزه و شخوصه و أخطائه المميتة التي تسببت في كل الهزائم و كل المشاكل التي يعاني منها العرب اليوم.

فشل حكم العسكر في العراق عام ١٩٥٨وهو الذي يتحمل في البداية و النهاية كل الماسي التي عانى ويعاني منها الشعب العراقي المهزوم و المحتل اليوم .

فشل حكم العسكر في ليبيا منذ انقلاب ايلول الأسود عام ١٩٦٩ والذي يتحمل وحده المسؤولية عن كل معاناة و دماء الليبيين و الليبيات التي سفكت خلال الخمسين عاما الماضية.

فشل حكم العسكر في السودان بجميع اسمائه و مسمياته. و الأمثلة أمامكم.

فشل حكم العسكر في موريتانيا و في الصومال.

فشل حكم العسكر في كل مكان.

ليس المطلوب من ما يسمي نفسه “المجلس العسكري ” في السودان الذي لم ينتخبه احد ولم يخوله احد بتولي أمور السودان، ليس المطلوب منه ان يعتذر عن المجزرة التي ارتكبها والتي اودت بحياة العشرات من ابناء الشعب السوداني الشقيق .

المطلوب من الجيش السوداني ان يعود الى ثكناته وان يأمر شرطته العسكرية باعتقال وسجن كل من شارك في قتل المواطنين السودانيين الأبرياء أيا كانت رتبهم العسكرية و ايا كانت مسؤولياتهم داخل القوات المسلحة السودانية.

بعد ما جرى و يجري في تلك الدول العربية . وبعد ما جرى و يجري حاليا في السودان الشقيق لم يعد احد من العرب الا من خف عقله و ثقل طمعه يؤيد او يدعو الى حكم العسكر.

العسكري الوطني العربي هو من يحترم الشعب و يحترم القانون و يحترم الدستور. وليس العسكري الذي يدوس على الدستور و يخالف القانون و يطلق الرصاص على المواطنين او ينصب لهم المشانق في الساحات العامة وفِي ساحات الجامعات.

قيل لنا ان هزيمة فلسطين عام ١٩٤٨ هي السبب و المبرر لكل الانقلابات العسكرية العربية. وان كلمة السر في معظم تلك الانقلابات كانت ” القدس”.

ولكن الحقيقة هي ان معظم قادة تلك الانقلابات خصوصا في مراحلها الاولى كانوا يقاتلون في حرب فلسطين تلك.

ولكن الحقيقة هي انهم هم أنفسهم الذين هزمتهم و حاصرتهم ” العصابات الاسرائيلية “. خلال حرب فلسطين عام ١٩٤٨.

ولكن الحقيقة هي ان النظام الملكي في مصر المحروسة بقيادة المغفور له الملك فاروق الاول هو الذي احتفظ بكامل قطاع غزة من ارض فلسطين.

ولكن الحقيقة ان النظام الملكي في المملكة الاردنية الهاشمية بقيادة المغفور له الملك عبد الله هو الذي احتفظ بكامل الضفة الغربية من ارض فلسطين.

و لكن الحقيقة ان النظام “الانقلابي العسكري ” في مصر المحروسة هو الذي أضاع قطاع غزة من ارض فلسطين و اضاع معها ايضا جزءا عزيزا من ارض مصر هو كامل شبه جزيرة سيناء.

و لكن الحقيقة ان النظام ” الانقلابي العسكري ” في سوريا هو الذي اضاع الجولان السوري من ارض سوريا.

ولكن الحقيقة هي ان الأنظمة العسكرية الانقلابية العربية هي المسؤولة عن ضياع الضفة الغربية من ارض فلسطين وفِي ضياع الأمل في تحرير كامل التراب الفلسطيني و استعادة القدس الشريف.

أيها العسكريون العرب.

أيها العسكريون في السودان.

اقرأوا التاريخ العربي الحديث بصدق و تجرد و اعتبروا يا اولي الرتب الكبيرة و الصغيرة واعلموا ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

اذا كنا نريد الخير لبلادنا و لانفسنا فلابد لضباط جيوشنا العربية ان يحذوا حذو الضباط العسكريين في الدول المتقدمة الديموقراطية الحرة التي تعرف جيدا واجباتها و التي لا تعرف سوى الحكم المدني الدستوري و التداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع وليس عبر صناديق الذخيرة. ولا تفكر مطلقا لا في احتلال محطة الإذاعة ولا في إصدار البيان رقم واحد.

قرات فيما قرات منذ بعض الوقت ان مواطنا أمريكيا سال زميله من احدى الولايات الامريكية المتحدة ان كان بالإمكان ان يحدث انقلاب عسكري في امريكا على غرار ما يحدث فيما يسمى بالعالم الثالث. !؟

اجاب المواطن الامريكي زميله قائلا : ” ان ذلك لن يحدث ابدا لان الكونجرس الامريكي لن يوافق على ذلك. “!؟

اللهم افتح بيننا و بين ضباطنا بالحق و أعنهم على قراءة و فهم ما جرته علينا الانقلابات العسكرية من البلاء المبين.

و رحم الله ضابطا عرف قدره و وقف دونه.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الدكتاتوريه سيئه اي كان شكلها لكن اسوأها الثيوقراطيه (الدكتاتوريه الدينيه ) البغيضه التي تدعي الحكم باسم الله والدين وكل منهما براء .ومالنا ومال الاخرين ( امثلتي من منطقتنا ) انا لم اقل ان هتلر ليس عسكريا وستاالين ليس عسكريا وموسيليني ليس عسكريا وهم اكبر طغاة القرن العشرين. لنتوه في امريكا الجنوبيه . لمنطقتنا وضعها الخاص من تعصب قبلي وعنصري والادهى ديني بغيض فمن سيحكم دينيا الاخوان او المقاتله ام طالبان ام التكفير والهجره ام ام ام ام اية الله او الملا او المرشد ……….الخ المهووسين .

  2. أجدت يا استاذ ابراهيم ،عسكرة الحكم آفة العصر الحديث ، وقد اختصر الأستاذ الكاتب المشهد في الوطن العربي في حديثه عن النظم الانقلابية العسكرية التي خربت الأوطان والديار، والواقع اننا حين نوسع المشهد فنأخذ امثلة من خارج الوطن العربي فسنجد أن حكومات العسكر في أمريكا الجنوبية قد دمرت تلك البلدان وعاثت فيها خرابا وفسادا ، ولم تلحق هذه البلدان بالركب الانساني الا بعد ان تخلصت من هذه النظم الفاشية العسكرية ، وبنظرة بسيطة ومقارنة لا ينكرها إلا الجاحد يمكنك تلمس الفرق بين أوضاع الارجنتين والبرازيل وتشيلي وبوليفيا وبنما اليوم وبين أوضاعها المزرية في ظل الأنظمة العسكرية ، خلاصة القول أن النظم العسكرية رديف للتخلف والقهر والقمع …قاعدة لا تقبل شواذا ولا استثناء .

  3. بوتفليقه ليس عسكر . بشار ليس عسكر . صدام ليس عسكر . الترابي ليس عسكر .محمد السادس ليس عسكر . السراج ليس عسكر عندما تعني له ليبيا مابين تاجوراء وجنزور . حكام الخليج ليسوا عسكر .القصه قصة عقليه عربيه لها ثقافة الغنيمه للفرد والعائله والفئه سواء عسكر اوغيرهم . وما عداها مشجب نعلق عليه خيباتنا . والتيارات المتأسلمه يحلو لها التشويه والتفرقه بين الشعوب وابناء الشعب في المؤسسه العسكريه . لحساب من ياترى .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here