حتى لا تضيع الحكمة عن حركة النهضة

sufian-sharabi

 

سفيان الشورابي

بالانتهاء من سنّ دستور جديد للبلاد، وتزامناً مع الإعلان عن حكومة مستقلة جديدة للبلاد تقود ما تبقى من مشوار المرحلة الانتقالية الحالية، تكون حركة النهضة فتحت الباب واسعاً أمامها لتلج عصراً جديدا من حياة الحركة الاسلامية في تونس.

لن تمرّ هذه المرحلة الفارقة في مسار الحزب الاسلامي الأبرز في تونس دون أن تكون لها ارتدادات ايجابية على الصعيد المحلي وأيضاً على المستوى الدولي. ذلك إن التخوف والتوجس من حزب لم ينزع نهائيا عن نفسه رداء التطرف والتشدد ابان الثورة، كان له دور ايجابي في دفع هذه الحركة نحو مزيد التوازن، ونحو التخلص من اطلاقية الأحكام والنزوع نحو الاحتكار والسيطرة. فتنبه المجتمع المدني الديمقراطي ويقظة مختلف وسائل الاعلام المستقلة بما مثّلته من عناصر ضاغطة نحو تليين مواقف حركة النهضة وتهذيبها، كان لها المفعول الساحر في تونسة الحركة الاسلامية وتقولبها مع البيئة الحضارية الوطنية.

فلا خلاف حول أن المواقف والسلوكيات السابقة التي عهدت عن نهضويين كانوا يعبّرون عن صورة ذلك الاسلامي المغلق على أفكاره والرافض للحوار مع أصحاب المرجعيات الايديولوجية المخالفة والذي يتحيّن الفرصة التي تسنح له للقضاء مادياً (القتل أو السجن) أو أدبيا (التكفير واخراس الأصوات)، على كل خصومه، بدات تتلاشى رويداً رويداً. وها أصبحنا نلحظ توجهاً، ولو بخطوات محتشمة، نحو  الاعتقاد النهائي بالايمان بضرورة تحول حركة النهضة من مشروع حزب مهيمن يسعى للسيطرة الكلية على كامل المجتمع إلى حزب مدني يقف على قدم المساواة مع بقية الأحزاب للتنافس المشروع حول برامج حياتية تخص مشاغل الناس الواقعية، وتهمل عقائدهم وأفكارهم وضمائرهم التي لا دخل لهم فيها.

الوضع الاقليمي المهتز وتدحرجه نحو الداخل التونسي كان له أيضا دور واضح المعالم في انتهاج النهضويين لمقاربات جديدة في تعاطيهم مع الشأن العام. وانهيار مشاريع الأحزاب الاسلامية بنسختها التقليدية في عدة دول بالمنطقة، انعكس ايجابياً على اسلاميي تونس الذين لم يعد يرى جزء منهم من خيار سوى استيعاب تلك التحولات. وأخف الأضرار منها هو الاندماج في حياة سياسية مدنية يُترك فيها الدين لأهل الدين دون سواهم.

ولا يُخيل للوهلة الأولى، أن الأمور تسير بسلاسة. فالردة مطروحة في أية لحظة، ووطأة بعض جيوب التشدد في حركة النهضة وتأثيرها لم تضمحل أبداً. فليس من السهل على حزب أسّس بنيته الفكرية على قراءات أحادية تُعادي الجميع وتؤمن بشمولية الفكر أن تنغرس في محيط سياسي تننازع فيه الأحزاب برامج سطّرها البشر ولا تتلبس بأي لبوس ديني. ويُمكن تفهم صعوبة الحسم مع تلك الجيوب وهي التي حملت عبء حزب كان لفترة طويلة من الزمن عرضة لشتى أنواع الاستئصال، خاصة اذا أضفنا اليه عامل العروى الوثقى الذي يربط النهضويين فيما بينهم. ويتطلب احداث تغييرات مفصلية في الخط السياسي للحزب، قرارات يتخذها قيادات تتصف بالشجاعة وبالمقدامية، وهو ليس بالأمر المتاح بيسر.

لو أعدنا قراءة أدبيات الفكرية لمؤسسي حركة النهضة لوجدنا تعارضاً بينها وبين عدة فصول من الدستور الجديد. واذا قبل حزب يمتلك أغلبية في السلطة بالتخلي عن جزء منها من أجل مصلحة البلاد، فتلك الأمور لا يُمكن التقليل من أهميتها. والحكمة التي نزلت على عدد من النهضويين عندما قرروا اتباع مثل هذا المسار العسير يجب أن تظل ضالتهم.

لا يُعلم دور كل من راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وسمير ديلو وغيرهم من طاقم “الحمائم” في تعديل بوصلة الحزب، ولكن الطريق التي تسير فيه الحركة حالياً، هو الأسلم لها ولكامل المجتمع.

صحفي من تونس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here