حاتم عوض: نصٌ أدبي يحوّل رجل ستيني من بائع كتب إلى حالة ثقافية ودليل أدبي…

حاتم عوض

بدأت القصة بنصٍّ صغير كتبه الكاتب السوري-الفلسطيني المعتصم خلف حكا فيه عن دمشق وعن بائع كتب فيها

يبدأ المعتصم نصه ب” مساء الخير يا أبو طلال… مازال تبغي شهياً وحقيبتي الجلدية معي, السخرية مازالت على الحاجبين, ومازلت دائم الابتسام مثلما اعتدتني, ومازلتُ مقتنعاً أن كل كتب العالم لي ولكني سأعيرها لك لتفتح بسطة الكتب في كل صباح”

لينهيه باعتذارٍ واعترافٍ لطيف ” يجب أن تسامحني ففي آخر مرة كنت أملك ثمن الكتب التي اشتريتها منك ولكني لم أدفع لكَ, كان يجب أن أشتري الورد لصديقتي وأن أدفع ثمن فنجاني قهوة… ويومها عدت مشياً إلى البيت مع كتبك ورائحة صديقتي واعتذاري هذا…سامحني.. فالكتب لا تأتي ولا تذهب وصديقتي أيضاً ولكن القهوة والورد لا ينتظران العشاق.. أما انت فمازال فيكَ متسع للانتظار. “

انتشر هذا النص كإنتشار النار في الهشيم فقلما تتصفح مجموعة ثقافية أو أدبية إلا وتجد نص المعتصم مذيلا بتوقيعه

هذا النص نقل ابو طلال من حالة الرجل العادي الى حالة اجتماعية وثقافية أمست معروفة ليست في سوريا وحسب بل حتى في دول الجوار فهذه وكالة الأنباء الرسمية السورية “سانا” تفرد تقريراً مصوراً عن ابو طلال وبسطات الكتب، وكذلك جريدة الأخبار اللبنانية تنشر مقالا عن هذا الرجل الستيني

وبنظرة سريعة في موقع فيسبوك تجد المئات من الشباب الذين نشروا صورة ابو طلال مضيفين لها بعض العبارات عن هذا الرجل

عند سؤال المعتصم عن هذا النص فإنه بجيب “أحاول دائماً أن أكتب النص الذي يدفع الأشخاص لقراءة صفحة جديدة أو شراء كتاب…

هذا ما فعلتهُ في أغلب النصوص التي كتبتها عن الصفحات والكتب وماذا يحدث عند قراءة كتاب أو عشرة كتب…

وهذا كان هدفي عندما كتبت لأول مرة عن أبو طلال في عام 2016, أنا أعرفهُ ولكن قراء دمشق وخاصة القارئ الجديد بحاجة لحالة تقوده لشراء كتاب, وكانت دمشق بحاجة لحالة مثله, المكتبات غالية الثمن جداً, وبائعو الكتب في الطرقات مجهولون ويحتاجون لدليل يمكن من خلاله أن يشعر القارئ وكأنه ذاهب لكي يستعير كتاباً من مكتبته وليس في غابة كثيفة من العناوين والأسماء… “

فمن هو ابو طلال

هو رجل ستيني يجلس امام بسطة حوَت المئات من الكتب تحت جسر الرئيس بدمشق، لايبخل بالنصيحة لأيًّ من قاصديه ” هذا جيد، هذا ممتاز، هذه الكتاب حصل على جائزة الأدب العربي و و و….”

و اذا ما سألته عن نفسه يجيبك ” أنا من الجمهورية العربية السورية، دمشق، جسر السيد الرئيس، سوق الكتب القديم”

لايحب الرجل أن تعامل الكتاب كسلعة فقيمته ليست بثمنه بل بمخزونه الثقافي فيقول

“أكثر ما يزعجني هو سؤال: بقديش الكتاب؟ هذا السؤال هو تماماً كمن يكيل لي الشتائم. أشعر مع هذا السؤال بأنني أبيع الكتب بالكيلو كما تباع البطاطا”

نسأله ماذا لو كنت ثرياً فيقول “كنت لاشتري  كتباً أقرأها بدل بيعها”

ربما لم يكن يتوقع المعتصم أن يحدث نصه الذي خطه بيده وذكرياته هذا الصخب، إلا أنه استطاع من خلال هذا النص أن يجعل من ابو طلال حالة بحد ذاتها، حالة ثقافية ودليلاً أدبياً.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here