جُمانة والجدّة والذئب…حدوتة فلسطينية

غزة/ مصطفى حبوش/ الأناضول

– الطالبة جمانة أبو جزر، تفوقت في نتائج الثانوية العامة بمعدل 92.6 بالمئة رغم المأساة التي عاشتها
– كانت والدة جمانة، قد توفيت وعمر طفلتها 4 أشهر، واعتقلت إسرائيل والدها عندما كانت 9 أشهر
– تولت جدتها رعايتها منذ ذلك الوقت بمساعدة جدها وعمّها قبل أن توافي المنية الأخيرين
– تستذكر الجدة صراخ جمانة وهي في الربيع الرابع عندما منعها الاحتلال من زيارة والدها في السجن
– ظلت جمانة حتى ربيعها الخامس تعتقد أن جدتها هي والدتها، وعندما علمت الحقيقة اكتوت بنارها
– برعاية الجدة أكملت جمانة حفظ القرآن الكريم، وحصلت على شهادات تفوق في جميع سنوات دراستها
– تمنت جمانة أن تحتضن والدها الأسير وتشاركه فرحة نجاحها، فجاءها اتصال منه ساد خلاله البكاء

ليس بالغريب وأنت تستمع لتفاصيل حياة الفتاة الفلسطينية جُمانة أبو جزر، وجدتها مريم، أن يتوارد إلى ذهنك حكاية “ذات الرداء الأحمر”، المعروفة عربيا باسم “ليلى والذئب”.

فالعامل المشترك بين القصتين، وجود طفلة وجدتها، تصارعان ذئبا؛ في مواجهة غير متكافئة، تُشبه مناطحة الكف للمخرز؛ لكنّ الخير ينتصر في النهاية، ويهزم “الدم” قاتله.

وإذا كانت ليلى وجدتها قد واجهتا ذئبا حقيقيا، ففي قصتنا هذه تُصارع الطفلة جُمانة، وجدتها مريم، ذئابا عديدة، أولها إسرائيل التي اعتقلت علاء أبو جزر، والد الأولى، ونجل الثانية، قبل 17 عاما، كانت فيه الطفلة لا تتجاوز 9 أشهر.

كما واجهت جُمانة، ذئب الدهر ونوائبه، حين توفيت والدتها، وهي ابنة 4 شهور، ثم جدها وعمّها اللذين كانا على التوالي بمثابة “الأب”.

لكنها، ورغم كافة الظروف الصعبة، تمكنت من تحقيق حُلم والدها الأسير، بأن تصبح ابنته الوحيدة طبيبة؛ وها هو الحُلم يستحيل حقيقة، إذ تستعد جمانة لدخول كلية طب الأسنان، بعد أن حصلت في الثانوية العامة على معدل 92.6 بالمئة.

تقول جُمانة، ابنة مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، إنها عاشت وحيدة، في عالم رأته فقط من خلال عيون جدتها (80 عاما) التي رعتها واحتفظت بها كـ”أمانة”، أودعها إياها ابنها الأسير.

وتضيف في حوار مع الأناضول: “صعب جدا العيش بعيدا عن الأب والأم، ولكن مصاعب الحياة لم تجعلني أشعر باليأس، بل شكّلت لي دافعا قويا لأحقق حلمي وحلم أبي وجدتي، وبذلت جهدا كبيرا لأتفوق بالثانوية العامة”.

وتكمل: “كنت دائما أتذكر أني الابنة الوحيدة لأبي، وأن أمله الوحيد في الحياة أن يراني متفوقة، لذلك قررت أن أتفوق لأدخل الفرحة والسرور إلى قلبه، وأنسيه مرارة السجن ولو للحظات (..)”.

وتردف قائلة: “سألتحق بكلية طب الأسنان لأواصل تحقيق أمنية أبي بأن يراني طبيبة”.

دور والدها الغائب، تولته جدتها مريم التي لم تتوقف عن تشجيعها وبث روح الأمل في قلبها، عندما تشعر بالإرهاق أو الملل من الدراسة، فكانت العجوز تسهر طوال الليل مع حفيدتها تعد لها الطعام والشراب، وتساندها بالدعاء، وتحاول تسليتها بدعابات لطيفة خلال لحظات استراحتها.

وفي اليوم الذي أُعلنت فيه نتائج الثانوية العامة، امتزجت مشاعر الفرحة والحزن في منزل جمانة وجدتها، في مشهد ازدحم بالدموع والزغاريد.

تقول جمانة: “كنت أتمنى أن يكون أبي إلى جانبي، عند إعلان النتائج، لأحتضنه ويقبلني ويقول لي مبروك يا بابا”.

وبعد ساعات من إعلان النتائج، تحقق جزء من أمنية جمانة، فقد تلقت اتصالا هاتفيا من والدها، من داخل المعتقل، استغرق دقائق قليلة، تكررت خلالها كلمات التهنئة والشوق والحب الممزوجة بأصوات البكاء.

ومن المفترض أن يُفرج الاحتلال الإسرائيلي عن والد جُمانة علاء، بعد 6 أشهر.

وبه٫ا الخصوص تقول: “أتمنى أن تنتهي هذه الأيام الصعبة ونعيش حياة جميلة هادئة، ونحتفل بعد 5 سنوات بتخرجي من الجامعة وقد أصبحت طبيبة أسنان”.

وعند هذه النقطة، التقطت “الجدة” مريم، طرف الحديث، لتخبرنا بالجانب الآخر من الرواية.

ترى الجدة أن حكاية جمانة، تلخص مأساة الشعب الفلسطيني، المتمثل بالاحتلال، الذي يحرم الأطفال من آبائهم.

وتضيف: “ما زلت أذكر صراخها عندما منعها الاحتلال من زيارة والدها في السجن، وهي طفلة لم تتجاوز الأربعة أعوام وهي تقول: نفسي أشوف بابا وأقعد بحضنه”.

وتوضح الجدة في حديثها مع مراسل الأناضول، أنها أخذت عهدا على نفسها، منذ اعتقال والدها، بأن تعوّضها عن كل ما فقدته، وأن ترعاها حق الرعاية.

ولم تكن جمانة تعلم أن أمها قد ماتت، حتى عمر 5 أعوام، ففي أحد الأيام عادت من الروضة لتسأل جدتها، التي كانت تظن أنها والدتها: “يا ماما مريم كيف أنت أمي وأم بابا؟”.

عندما علمت جمانة الحقيقة اكتوت بنارها، إذ كانت الإجابة الصاعقة لطفلة في عمرها: “يا حبيبتي ماما توفيت، وأنت صغيرة وأنا جدتك، بس (لكن) أنا بحبك مثل ماما”.

في تلك اللحظة، كما تروي الجدة العجوز، تأثرت جمانة كثيرا وبدأت تبكي وعاشت أصعب لحظات الألم والحزن.

ولم تكن هذه الصدمة الأخيرة، فقبل أن تُكمل الطفلة اليتيمة، آنذاك، الخمسة أعوام توفي جدها شحادة الذي كان بمثابة أب لها، بعد أن منعته سلطات الاحتلال من السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، إثر مرضه.

وتولى مهمة الأب بعد وفاة جدها، عمها “أيمن” فكان يحرص على تلبية كافة احتياجاتها ومرافقتها في رحلات تنزه بين فترة وأخرى، محاولا تعويضها حنان والدها الأسير وألم فقدان جدها.

لكن هذا الأب الثالث، فقدته جمانة أيضا بعد أن استشهد في قصف شنته طائرات إسرائيلية قرب منزله في مدينة رفح عام 2009.

وبعد كل هذه الصدمات، لم يكن أمام الجدة العجوز، إلّا أن تبذل كل ما تملك لتعوّض حفيدتها عن فقدان والدها ووالدتها وجدها وعمها، ففضلتها على أولادها وصحتها، فعندما تمرض كانت ترفض دخول المستشفى حتى لا تبتعد عن جمانة لإدراكها أنها بحاجة إليها.

عاشت الجدة مع حفيدتها سنوات طويلة، مليئة بلحظات الفرح والحزن والشوق تمكنت خلالها جمانة من حفظ القرآن الكريم، وحصلت على شهادات تفوق في جميع سنوات دراستها الابتدائية والإعدادية والثانوية.

وفي السنة الدراسية الأخيرة، بذلت الجدة مريم كل جهد لتساند جمانة، وفي الفترة التي سبقت الامتحانات كانت تسهر معها وتوفر لها كل احتياجاتها وتمنع أي أحد، خاصة الأطفال، من دخول المنزل حتى لا يزعجونها.

وفي كل يوم، تذهب الحفيدة فيه لأداء الامتحانات، كانت جدتها تجلس على باب البيت منذ لحظة خروجها وحتى عودتها.

وتقول الجدة مريم: “الحمد لله أنا فخورة بجمانة، وكل تضحياتي من أجلها نسيتها عندما رأيتها ناجحة ومتفوقة في الثانوية العامة”.

محاولات الجدة، لمواساة حفيدتها، امتدت حتى لحظة إعلان النتائج، ففي تلك اللحظة كانت جمانة تحلم بأن يكون والدها إلى جوارها وتبكي من أجل ذلك، فاحتضنتها جدتها وهي تقول: “أنا وكل العالم نبارك لك ونحتضنك يا ماما، ان شاء الله سيتحرر بابا من السجن قريبا ويحضنك ويفتخر فيك”.

وحينها، بدأت الجدة بإطلاق الزغاريد لتدخل الفرحة إلى قلب حفيدتها وطفلتها، ورددت: “ياما (كثيرا) قعدنا (جلسنا) على الدرج يا جمانة ودموعنا زي الْبَرَد، راحت أيام الشدة وأجت (جاءت) أيام الفرج”.

وتقول أيضا بصوتها المنهك قبل أن تطلق الزغاريد: “يا فرحتي،، لا أدري إن كان اليوم حقيقة أم أنني أحلم، عندما تفوقت جمانة زارني كل من يحبني للتهنئة”.

وفي رسالة أخيرة لابنها المعتقل تقول الجدة مريم: “يا علاء، اطمئن، ابنتك أمانة، حافظت عليها طوال 17 عاما، وهي الآن حافظة لكتاب الله ومتفوقة في الدراسة، وستصبح طبيبة أسنان بعد 5 سنوات، وستكون فخرا لك ولفلسطين”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here