جيوبوليتيك الأردن وصفقة القرن

د. شهاب المكاحله

في مارس ٢٠١٩، قال جلالة الملك عبدالله الثاني: “ما راح أغير موقفي من القدس وشعبي كله معي”. كانت تلك الكلمة التي ألقاها عقب عودته من العاصمة الأميركية واشنطن مصرحاً ولأول مرة بشكل علني حجم الضغوطات التي مورست وتمارس على الأردن في عدة ملفات في محاولة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي عبر بوابة صفقة القرن. وكما هو معروف، فللأردن أسبابه من رفض تلك الصفقة، ليس بحكم أنه الجار الأقرب للسلطة الفلسطينية فحسب بل ولأن الكثير من التسويات الإقليمية قد تتم على حساب حدوده الجغرافية وواقعه الجيوبوليتيكي والديموغرافي تمهيداً لشرذمة الدول العربية من جديد في إطار جديد من سايس- بيكو تحت مسميات كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

لقد أعلن الملك عبدالله أكثر من مرة أن قوته وسلاحه في وجه المؤامرات التي تحاك ضد بلده وشعبه هي “وحدة الأردنيين”، ما يدعم لاءاته الثلاث: “لا للمساس بالوصاية الهاشمية على القدس الشرقية ومستقبلها، ولا للوطن البديل، ولا للتوطين”. للأسف هناك مناورة ومؤامرة مدعومة إقليمياً تريد نزع الوصاية الهاشمية عن المقدسات تمهيداً لتفتيت الحكم في الضفة الغربية وتجريد السلطة من باقي الصلاحيات.

من جانبه يعي الأردن أن الصفقة تعني تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي وتعيين شخصية فلسطينية تحظى بدعم إقليمي ومؤازرة إسرائيلية لتمرير الصفقة على الشعب الفلسطيني من خلال إدارة مدنية للضفة الغربية في المرحلة الأولى وضم المستوطنات في الضفة الغربية إلى إسرائيل بشكل كامل في مرحلة تالية. وهذا سيشكل تهديداً وجودياً للدولة الأردنية لأن المعلومات المتوافرة تشير إلى أن الصفقة تنص على أن تكون القدس موحدة، عاصمة لإسرائيل، ما يمس الوصاية الهاشمية والسيادة الأردنية.

في ٢ مايو ٢٠١٩، قال جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ندوة بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” إن الصفقة “قد تخلو من حل الدولتين وستكون القدس عاصمة إسرائيل الأبدية”. فمع هذه التصريحات، لا بد أن يشعر الأردن نظاماً وحكومة وشعباً بالخطر من تنفيذ هكذا صفقة لا تراعي مصالهم. وهذا ما يفسر ما قام به الملك عبدالله الثاني من تعديلات في الأجهزة الأمنية والعسكرية لتكون المملكة على استعداد لمواجهة استحقاقات المرحلة القادمة.

 لكن ماذا يمكن ان يفعل الأردن لدرء خطر الصفقة؟

هناك أوراق ضغط كثيرة يمكن للأردن أن يلعبها وأن يتخلى عن مفهوم الاتيكيت السياسي والخجل الدبلوماسي لاعتبارات الصداقة والأخوة لأن مصيره بات على المحك بل يمكنه ان يقلب كافة الأوراق ويمسك من جديد بزمام الأمور.  فأولى تلك الأوراق التمسك بحق اللاجئين بالعودة والإبقاء على المخيمات على ما هي عليه وإبقاء وضع اللاجئين كما هو دون تغيير مع تسهيل بعض المعاملات لهم التي لا تفسر على أنها خطوة نحو التوطين. أما ورقة الضغط الثانية فتكمن في قدرته على حفظ الأمن الإقليمي لأنه من المعروف أن المملكة صمام أمان دول الجوار الأردني إذا أنه يمنع تهريب المخدرات والسلاح وتسلل الجماعات الإرهابية إلى دول الجوار عبر الأراضي الأردنية. وعليه أن يمارس ضغوطاً على الكيان الإسرائيلي بأن معاهدة السلام الموقعة بين دولتين تعني المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل ولا بد من تطبيق كافة بنودها بحذافيرها واحترام سيادة الأردن على المقدسات في القدس الشرقية وعدم التلويح بتجاوز الأردن عبر التطبيع المباشر مع دول الإقليم على حساب مصالحه ومصالح الأردنيين وعلى حساب السلطة الفلسطينية والفلسطينيين لأن ذلك مخالف للمواثيق الموقعة بين الجانبين: اتفاق وادي عربة وأسلو.

وفي الختام، لا يمكن وأد الصفقة إلا بتضافر جهود كلا الشعبين وقيادتهما للوقوف صفاً واحداً في وجه كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية وإخراجها عن مسارها لأنه في حال طُبقَت الصفقة بشقها السياسي، فإننا أمام سيناريو شرق أوسط جديد ومزيد من التقسيم للدول العربية.

كاتب اردني مقيم في واشنطن

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. حما الله الأردن الملك عبدالله لوحده يصارع الدول الغربيه والعربيه ولا احد معه الا شعبه

  2. بصراحة تجاوز الزمن والاحداث افكار المقالة، فجاءت تدويرا لشعارات لم تعد مقبولة حتى لدى العامة. في المحطات الصعبة لا بد للافكار ان تتحلى بالشجاعة والمصداقية، وان تتسم باستشراف المستقبل والمشاركة في صنعه. الاردن نتاج عقود من السياسات المفروضة خارجيا، والتي تصب في مصلحة قوى ممولة وذات طبيعة عالمية، وما يحتاجه الان رحمة ربك،والسلام.

  3. توفعت من الكانب أن يركز على أوراق قوية يمكن للحكزمة الاردنية أن تضغط بها على أمريكا وإسرائيل صاحبتا مشروع صفقة القرن ومنها:
    – بناء علاقات إستراتيجية مع سوريا والعراق
    – إنهاء وجود القواعد الامريكية والاوروبية – التي لا نعرف عنها الكثير ولا نعرف من سمح بها ( هل البرلمان الارزدني مطلع عليها؟)
    – بناء علاقات عادية مع جمهورية إيران
    – التوجة نحو الشرق وبناء علاقات مع الصين وماليزيا وإندونيسيا بدلا من العلاقات مع أمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا (التي كرست التبعية والمديونية والاستهلاكية).
    أما المقال بشكلة الحالي فهو كما وصفة السيد أبو رشاد – للاسف.

  4. مع احترامي وتقديري للدكتور شهاب لكنني ارى المقالة فارغة تماما من اي مضمون وتحمل نفس الكلام المستهلك في الصحف الحكومية الأردنية التي تتقمص ثوب صحافة حرة وهي بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم
    انت تتكلم في المقالة عن تاريخ مضى ولن يعود وتتكلم عن شخصية لم يعد لها وزنها ولا محل لها من الاعراب وقريبا جدا سوف نفاجىء وتفاجىء معنا بان بناء قصور من الأوهام فوق شخصيات سرابية كان خطئية كبرى ….سيدي الدكتور لا فرق بين مامور الرياض ومأمور القاهرة ومأمور بيروت وغيرهم كلهم نواطير مبرمجة ومرتبة ومصممة خصيصا لعكس كل توقعاتك وكل الآمال الجميلة التي يمكن أن يفضي إليها مقالك …….اقترح على حضرتك كتابة مقالات واقعية صريحة كما معظم مقالات هذه الصحيفة الحرة بعيدا عن المجاملات والديباجات الفارغة .
    نحن بحاجة لمن يقدم وجبات الوعي والوعي مرتبط تماما بالمصداقية والصراحة وبهذه الطريقة يمكننا الاترشاف من مقالاتك وانتظارها على أحر من الجمر …..دمت بكل المودة والاحترام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here