جورج كرزم: “عجبت لمن لا يجد الماء في بيته… كيف لا يخرج على الاحتلال شاهرا سيفه!”

جورج كرزم

مع بداية ولوجنا فصل الصيف الفلسطيني الحار، من المفيد التذكير بأن حرمان الفلسطينيين من الماء وتعطيشهم، يعد أبشع الأساليب الإسرائيلية وأكثرها وحشية لاقتلاعهم من أراضيهم، أو إرغامهم على شراء مياههم التي سرقها منهم.  التدمير الإسرائيلي المنهجي لأنابيب المياه يتواصل دون هوادة في القرى الفلسطينية، وبخاصة في مناطق الخليل، كما حدث في شرق يطا مؤخراً.

بالرغم من وجود ما يسمى “لجنة المياه المشتركة الإسرائيلية الفلسطينية” التي أُنشئت وفقا لاتفاقية أوسلو الثانية، والتعاون الأمني-المخابراتي الإسرائيلي-الفلسطيني السلطوي، فإن قوات الاحتلال تنفذ يومياً أعمال الهدم الهمجية أو تمنع البناء أو تساعد المستوطنين الصهاينة الذين يشعرون بنشوة “التفوق العرقي”- تدعمهم في هجماتهم لطرد الرعاة والمزارعين من أراضيهم. الكثير من هذه البشاعات الإسرائيلية لا يتم ذكرها في وسائل الإعلام الفلسطينية، أو تذكر على هامش الأخبار اليومية العادية.

وهنا، لا بد من التأكيد على أن “لجنة المياه المشتركة” هي عبارة عن لجنة احتلالية شكلية تهدف إلى الإيحاء بالشراكة الفلسطينية الإسرائيلية؛ فضابط المياه الإسرائيلي في ما يسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية يملك السلطة المطلقة على مصادر المياه، وهو أيضا صاحب السلطة الفعلية على اللجنة المشتركة، ويمارس حق النقض ضد قرارات اللجنة المشتركة التي تتكون عضويتها من “عدد متساو من الممثلين الإسرائيليين والفلسطينيين”!

إذن، الإدارة المدنية الإسرائيلية وشركة مكوروت تملكان السيطرة الفعلية على مواردنا المائية، وتحددان الكميات والحصص المائية واستخدامها وإدارتها، بينما سلطة المياه الفلسطينية مسئولة شكليا عن إدارة الموارد المائية وتوزيعها.

الفلسطينيون المتشبثون بأرضهم، والمصرون على العيش خارج الجيوب المزدحمة التي خصصها لهم الاحتلال وأسماها مناطق “أ”، يجب أن يتحملوا مسؤولية الاعتياد على العطش والعيش دون ماء.

معظم مداخيل الشرائح الفلسطينية الفقيرة يتم إنفاقها على المياه. عشرات آلاف الفلسطينيين يعيشون على المياه التي تصلهم بالصهاريج الصدئة المحمولة على الجرارات، عبر طرق ملتوية مدمرة وخطرة، ويدفعون بالتالي ثمنها أضعاف تكلفة المياه العذبة في الصنابير.  القوات الإسرائيلية والإدارة المدنية تحرصان على حفر الحفر الكبيرة وتكديس الصخور في المسارات المستخدمة لحركة الصهاريج؛ بحيث يستحيل استخدامها لنقل المياه لآلاف الفلسطينيين وعشرات آلاف رؤوس الأغنام والماعز.

عربي يتربع على رأس الهرم الإسرائيلي القمعي في الضفة

المفارقة أن من يتربع على رأس الهرم الإسرائيلي القمعي في الضفة الغربية، وينفذ سياسة تجريد الفلسطينيين من المياه وتعطيشهم، هو عربي درزي (العميد كميل أبو ركن، منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية) تعلم من والدته، منذ طفولته المبكرة، كيف يتلفظ بلغته العربية:  “أريد أن أشرب”.  الإدارة المدنية ومكتب منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية يعجان بجنود وضباط لغتهم الأم العربية.  إنهم ينفذون أوامر قياداتهم الحكومية والعسكرية الكولونيالية الاستيطانية المتمثلة باقتلاع الفلسطينيين ونهب أكبر مساحة ممكنة من أراضيهم لصالح المستوطنين.  بل إنهم ينفذون الأوامر بذات الكفاءة والإصرار، كما زملائهم اليهود الروس أو الأميركيين أو الفرنسيين.

من بين جميع الأساليب الإسرائيلية المستخدمة لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم وتمليكها للمستعمرين اليهود، يعد حرمان الفلسطينيين من المياه وتعطيشهم هو الأسلوب الأكثر همجية؛ فإسرائيل لا تعترف أصلا بحق جميع البشر الذين يعيشون تحت سيطرتها في الحصول على المياه وبالكميات المطلوبة على قدم المساواة؛ بل على العكس تماما، فهي تؤمن بحق اليهود “الأسياد والأباطرة” في الحصول على كميات من المياه أكبر بكثير من الفلسطينيين.  إسرائيل تتحكم بجميع مصادر المياه الجوفية والسطحية في فلسطين التاريخية، بما في ذلك الضفة الغربية، وتنفذ أعمال الحفر في الضفة الغربية، وتضخ المياه من المنطقة الأخيرة وتنقل معظمها إلى إسرائيل والمستعمرات المغمورة بالمياه والمكسوة باللون الأخضر؛ بينما تلاصقها الأحياء القاحلة في المدن والقرى الفلسطينية التي تعاني من سياسة التعطيش، وتتناوب تلك الأحياء على أوقات وصول المياه إلى منازلها ومنشآتها.

أنابيب المياه الغليظة التابعة لشركة “مكوروت” الإسرائيلية، والمتجهة نحو مستعمرات الغور الفلسطيني، أصبحت مشهداً مألوفاً جدا.  وفي المقابل، نرى جرارا صغيرا يسير في قرية فلسطينية ملاصقة للمستعمرة، ليبيع المياه المنقولة من بعيد في صهريج صَدِئ.  وفي فصل الصيف، تجف حنفيات المياه في الخليل، بينما تواصل تدفقها بغزارة غير محدودة في صنابير مستعمرات كريات أربع وبيت هداسا وسائر المستعمرات.  أما في جنين، فومعدل المياه المتاحة يوميا للفرد الفلسطيني 38 لترا للاستخدامات المنزلية، علما أن المعدل الطبيعي، حسب منظمة الصحة العالمية، 150 لترا.

هذه العقلية والممارسات الكولونيالية العنصرية المريضة، تمخض عنها معازل فلسطينية مفككة شرعنها الاحتلال بسلسلة طويلة من القوانين العسكرية و”المدنية” الاستعمارية المطبقة بدرجات متفاوتة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عامي1967 و1948، بهدف الحفاظ على “الاستقرار” الداخلي للمجتمع الفلسطيني، من خلال القوة والإخضاع المغلفين بتشريعات وقوانين كولونيالية، أو من خلال المزج بين القوة العسكرية الدموية والقوة الناعمة.

الاتجاه المعاكس

لدى الفلسطينيين آبار من الفترة الأردنية، وقد جف معظمها فعلياً، كما يوجد بعض الآبار الجديدة التي أنشأت خلال العشرين سنة الأخيرة، وهي ليست عميقة مثل الآبار الإسرائيلية.  جميع هذه الآبار لا تنتج معًا سوى كميات هزيلة من الماء.  لذلك، يضطر الفلسطينيون لشراء المياه من إسرائيل التي سرقتها منهم أصلا.

وبما أن إسرائيل تتمتع بالسيطرة الإدارية والأمنية المطلقة على 61% من مساحة الضفة الغربية، وتتحكم بكل صغيرة وكبيرة، وتقرر بشأن المخططات الهيكلية والرئيسية، وتوافق على تصاريح البناء وتصدر أوامر الهدم، فإنها تحظر أيضًا على الفلسطينيين الذين يعيشون هناك بأن يرتبطوا  بالبنية التحتية المائية الإسرائيلية في المنطقة، بذريعة أن المساحة المقصودة مخصصة للمناورات والتدريب العسكري، أو بسبب عدم امتلاكهم مخططا رئيسيا.

الواقع الفلسطيني المهين يقول، بأن الاتفاقيات الاستعمارية ثبتت وكرست النهب الإسرائيلي للمياه الفلسطينية، ووضعت قيودا ضخمة على أية عملية تطوير لقطاع المياه الفلسطيني.  كما أنها ثبتت جيش الاحتلال “سيدا” فعليا على الأرض الفلسطينية والمرجعية “السيادية” العليا؛ فالسلطة الفلسطينية لا تستطيع ممارسة الصلاحيات “الممنوحة” لها من المحتل سوى في نطاق ضيق جدا داخل جيوب معزولة تشغل أقل من 40% من مساحة الضفة الغربية تحديدا، وهي محاصرة بالمستعمرات والقواعد العسكرية الإسرائيلية والجدران الكولونيالية العنصرية.  الاتفاقيات إياها خولت الاحتلال بأن يمارس على أكثر من 60% من مساحة الضفة صلاحيات “مدنية” وأمنية وعسكرية مطلقة؛ بما في ذلك عمليات البناء (دون تحديد سواء مستعمرات أو غير ذلك!) والهدم والإغلاق والفتح وإقامة منشآت جديدة أو منع إقامتها، وغير ذلك.

هذه الاتفاقيات سارت وتسير بالاتجاه المعاكس للتيار الطبيعي لشعب تدوسه بساطير الاحتلال ويفتقر إلى السيادة السياسية على أرضه وموارده الطبيعية والمائية الرازحة كليا تحت قبضة الاحتلال؛ فالحركة الطبيعية لشعب تحت الاحتلال يفترض أن تتجسد بتمرده على الاتفاقات المذلة، وبنضاله المبدئي العنيد المتواصل بكافة أشكاله، لانتزاع حقوقه في السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والموارد المائية الجوفية والسطحية، بعيدا عن الجدار البشري المحلي العازل الذي يحول دون الاشتباك المباشر مع المحتل.

وختاما، لا يسعنا سوى أن نستعير جوهر قول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه) ونطبقه بتصرف على حالتنا الفلسطينية، ليصبح القول كما يلي: “عجبت لمن لا يجد الماء في بيته كيف لا يخرج على الاحتلال شاهرا سيفه”!.

من بين جميع الأساليب الإسرائيلية المستخدمة لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم وتمليكها للمستعمرين اليهود، يعد حرمان الفلسطينيين من المياه وتعطيشهم هو الأسلوب الأكثر همجية؛ فإسرائيل لا تعترف أصلا بحق جميع البشر الذين يعيشون تحت سيطرتها في الحصول على المياه وبالكميات المطلوبة على قدم المساواة؛ بل على العكس تماما، فهي تؤمن بحق اليهود “الأسياد والأباطرة” في الحصول على كميات من المياه أكبر بكثير من الفلسطينيين.

الاتفاقيات الاستعمارية ثبتت وكرست النهب الإسرائيلي للمياه الفلسطينية، ووضعت قيودا ضخمة على أية عملية تطوير لقطاع المياه الفلسطيني.

السؤال السحري المطروح: هل سيتمرد الشعب الفلسطيني على الاتفاقات المذلة، ويواصل بالتالي نضاله المبدئي العنيد بكافة أشكاله، لانتزاع حقوقه في السيادة الوطنية الكاملة على الأرض والموارد المائية والطبيعية؟

مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي/ معا

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. الى عبد القادر:
    كأنك لم تفهم كل ما قاله الكاتب. القضية ليست اموال تعطى للفلسطينيين لكي يؤمنوا الماء بل هي سياسة الكيان الغاصب لتهجير الفلسطينيين و هي سياسة لا ينفع معها إلا المقاومة و المواجهة و هذا مغزى المقال و خلاصته. ثم ألم تجد إلا أموال الحج لتتكلم عنها يا سبحان الله.. ماذا عن ملايير السياحة ماذا عن ملايير مستوردات الحلويات و منتجات التجميل و الاجبان السويسرية و الفرنسية ماذا عن صفقات الأسلحة التي تستخدم للعروض فقط ماذا عن عمولاتها و رشاويها.
    عتب على الكاتب: تمنيت لو استخدم كلمة الكيان الغاصب بدل كلمة إسر… لأن أهم شيء في المقاومة ان لا تعترف بعدو غاصب معتد.

  2. السبب في عدم المقاومة عند الكثير من العرب بما فيهم الفلسطنيون..هو الاقبال الشديد على الحياة و الرغبة في التمتع فيها حتى لو لم يكن فيها الكثير للتمتع اصلا ..خاصة في حالة الاحتلال..حياة الفلسطنيين صعبة و لاتستحق كل هذا السكوت عن الاحتلال…تحمل الذل و القهر الى مالانهاية هو شيء لايمكن السكوت عنه..على الاقل يجب ان يتم ايقاف خيانة التنسيق الامني..واذا لم يتحرك بعض الفلسطنيين على الاقل ضد الخونة الذين يقومون بالتنسيق الامني بسبب الخوف.لن يتخلصوا ابدا من لعنة الاحتلال….

  3. قبل ان يخرج على الاحتلال شاهرا سيفه، أليس أولى به ان يوقف التنسيق الامني ولا يسلم مقاوميه لقوات الاحتلال اولا.

  4. شكرا اخي جورج على هذا المقال الجيد.
    ماذا نحن فأعلون كأفراد للتصدي ، لان حكوماتنا لا يجب الاعتماد عليها ؟
    ليطرح كل واحد منا مبادرات لاعانة إخواننا :
    كل سنة ينفق إخواننا المسلمون وإخواننا المسيحيون أموالا طائلة للحج (لمكة أو لبيت المقدس كل حسب ديانتهم)
    لم لا متخصصون قليلا منها لنجدة اخوانكم في فلسطين كل على حسب طاقته ،ان اموال الحج تستخدم لشراء أسلحة
    لضرب إخواننا. كثير من ألائمة دعوا الناس إلى عدم القيام بالحج في هذه الظروف وتوظيف المبالغ في مشاريع تعود بالخير على
    كل المظلومين.
    أظن صاحب القول هو أبو ذر الغفار وليس علي بن ابي طالب كرم الله وجههما

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here