جنيف 2 شرعنة “الجهاديين”

jasim-mouhamad

 

 

 

جاسم محمد

أعلن أحمد الجربا في كلمة ألقاها من اسطنبول18 يناير 2014 إن الهدف الوحيد للمعارضة من المشاركة في مؤتمر جنيف 2 هو تحقيق مطالب “الثورة” كاملة. واضاف بان الطاولة بالنسبة لها ممر في اتجاه واحد إلى تنفيذ كامل لمطالب “الثوار” بلا أدنى تعديل وعلى رأسها تجريد الأسد من سلطاته كاملة تمهيدا لمحاكمته. لكن عمران الزعبي، وزير الإعلام السوري، قال أن بلاده لن تذهب إلى جنيف  لتسليم السلطة للإخوان المسلمين أو لمن يمثل قطر أو تركيا والسعودية وأمريكا وإسرائيل. هذه التصريحات كانت خطوة إستباقية ماقبل عقد جنيف 2 المقرر عقده في الثاني والعشرين من يناير 2014، بعد ان تم تاجيله لعدة مرات. بعض التحليلات وصفت جنيف 2 بانه سوف “يولد ميتا”.

سباق جنيف 2

 

شهد جنيف 2 سباقا سياسيا وميدانيا محموما على الارض في سوريا  ومن على المنابر السياسية وشاركت به اطراف دولية واقليمية سياسية فاعلة انقسمت الى مرجعية روسية واخرى اميركية. وربما كانت واشنطن من اكثر الاطراف التي ساهمت بالتحضير الى هذا الاجتماع الذي يعتبر مكملا لبنود اتفاق جنيف1. الان اختلفت الموازين وتغيرت اللعبة السياسية ودخلت احداث جديدة، مما يجعل جنيف2 غير مكملا الى جنيف واحد وربما يختلف معه في المسار. ابرز هذه الاختلافات هي الاتفاق الاميركي الروسي حول السلاج الكيميائي والثاني الاتفاق الاميركي الايراني حول الملف النووي الايراني. لقد تغيرت اللعبة وتغيرت موازينها بعد ان كانت تتمحور حول قطب الممانعة  والمحور الاميركي.

إن ابرز الخلافات التي سوف يشهدها جنيف 2 هو رفض بنود جنيف 1 خاصة من قبل طهران وسوريا. وسوف يشهد جنيف 2 دخول طرف جديد في المعادلة كان غير حاضرا وهو” الجبهة الاسلامية”، والتي تم الاعداد لها بجهود خليجية فاعلة، المملكة العربية السعودية اكثر من قطر، لتعويض ماخسرته في اعقاب التقارب الاميركي الايراني، والذي اعادة جدولة بقاء الاسد والنظام في السلطة.

الجهاديون

 

ويقصد بالجهاديون، بمجموع المسلحين الوافدين من البلدان العربية والإسلامية مع تركيز خاص على المقبلين من أفغانستان والعراق ولبنان والجزائر وليبيا واليمن والشيشان، وهي البلدان التي شهدت في العقد الماضي حضورا لتنظيم القاعدة، وتنظيمات شقيقة تماثله في تبني الخط الآيديولوجي والعسكري مثل “الجيش الإسلامي” وداعش في العراق وفتح الإسلام في لبنان. وفي أهم الإشارات التي تناولت مجيء هؤلاء إلى سوريا مع اندلاع ” الثورة” عام 2011  قالت لجنة التحقيق الدولية حول سوريا التابعة للأمم المتحدة، إن مئات منهم وفدوا من إحدى عشرة دولة إلى البلاد، وفي الحالات العملية التي تم فيها ضبط بعض هؤلاء، وهم يعبرون من دول الجوار، كانت مجموعاتهم لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، وكانت أسلحتهم فردية مؤلفة من بنادق ومسدسات، وقدرت مصادر الأمم المتحدة أن دور هؤلاء الرئيسي يتمثل في تأثيرهم الأيديولوجي على المعارضين المسلحين وخاصة على جنود الجيش السوري الحر. مع الإشارة إلى أنه ليس جميع المقاتلين الأجانب المشاركين في الصراع هم “جهاديون” والكثير منهم لم تكن تجربتهم الأولى بل سبق لهم أن قاتلوا في ساحات جهادية أخرى. هذه الخلايا والافراد اصبحت الان على شكل هيكل تنظيمات بدات تفرخ الكثير من الفصائل والالوية ” الجهادية” لتشغل اجهزة المخابرات الغربية  والعربية وتتحول الى صداع مزمن. لكن رغم ذلك فإن الجهاديين لا يمثلوا الثورة السورية وليسوا بالقوة الأساسية الفاعلة فيها، هم ورقة بيد مرجعياتها السياسية.

وسبق ان اعلنت عدد من التنظيمات الجهادية  المعارضة السورية  عدم اعترافها بأي تشكيلات معارضة في الخارج بما فيها الائتلاف الوطني السوري المعارض والحكومة المؤقتة. الجبهة تمثل تمردا لعدد كبير من الالوية التي تقاتل تحت راية الجيش الحر ويعد انقلابا اسلاميويا وضربة قوية للمعتدليين وللتيار المدني الذي غيب بالكامل. الجبهة الاسلامية في سوريا تضم بعض الالوية السلفية الجهادية، التي لاتقاتل ضمن مظلة القاعدة، لكنها تشترك معها في الايدلوحية، لكن ربما طروحاتها اخفف قليلا من القاعدة منها اعتماد مجلس شورى واشتراك الفصائل الاسلاموية في مرحلة مابعد الاسد. الجبهة الاسلامية تبدو اكثر قربا مع جبهة النصرة من القاعدة “وداعش. استطاعت الجبهة الاسلامية من تحقيق انجازات على الارض ابرزها في القلمون وريف حلب، مقابل انحسار “داعش” في معقلها “إمارة الرقة”. ماكان يحدث على الارض ميدانيا من مواجهات مسلحة، كانت إستعداد لاشراك الجبهة الاسلامية في  طاولة جنيف2، فرغم انها مدعومة سعوديا، لكنها تخدم ايضا الجهود الاميركية بزج المعارضة السياسية والميدانية على طاولة جنيف2 لتسد النقص والتراجع السياسي الى الائتلاف المعارض.

الجبهة الإسلامية تقاتل داعش

الجبهة الإسلامية وهي تحالف ست جماعات معارضة رئيسية  لمواجهة “الدولة الإسلامية في العراق والشام ” وكذلك النظام السوري. وهي اتحاد فصائل ضمن المعارضة المسلحة وتضم “لواء التوحيد وأحرار الشام وصقور الشام ولواء الإسلام ولواء الحق وأنصار الشام والجبهة الإسلامية الكردية، لتشكل “جناح عسكري”جديدا اسمه جيش المجاهدين. وأعلن رئيس “مجلس الشورى”في الجبهة الإسلامية عيسى الشيخ وهو قائد ألوية صقور الشام، اتحاد الفصائل التي تشكّل القوة العسكرية الأبرز ضمن المعارضة المسلحة، إذ تضم “لواء التوحيد” وهو أقوى فصائل حلب، وأحرار الشام الأوسع انتشارا في المناطق المحررة، وصقور الشام، ولواء الإسلام الذي يتمركز في ريف دمشق، كما يضم فصيلي لواء الحق وأنصار الشام والجبهة الإسلامية الكردية. وقد اختير قائد جيش الإسلام زهران علوش قائداً عسكريا لاتحاد الفصائل، كما اختير حسان عبود قائد أحرار الشام رئيسا للهيئة السياسية، و تنتمي في معظمها للتيار السلفي الجهادي والتي تهدف الى إقامة دولة إسلامية بعد إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهي تختلف عن الدولة الاسلامية الافتراضية الى “داعش”. الجبهة الاسلامية توصف بأنها تحمل “ألهوية” السورية اكثر من عولمة الجهاد، اي ان الجبهة يتحدد هدفها باسقاط نظام الاسد اكثر من مقاتلة الولايات المتحدة والغرب. وتوصف التقارير الواردة من المرصد السوري ومن الداخل السوري، ان الجبهة، اقل دموية من”داعش” وتساعد في تقديم الخدمات للسكان المحليين رغم فرض تعاليمها الاسلاموية الطالبانية. اما جبهة النصرة فتكاد تكون هي الاقرب الى الجبهة الاسلامية من “داعش”. وترى “داعش”ان هذه الاشتباكات تهدف الى اضعافها عليها ماقبل مؤتمر جنيف-2 .

إستراتيجية تغيير مسارات “الجهاديين”

 

تتبع الولايات المتحدة الاميركية إستراتيجية تغيير مسارات الحركات والتنظيمات الجهادية، هذه السياسة ظهرت في اعقاب تحالفها مع بن لادن في دحر الاتحاد السوفياتي سابقا من افغانستان عام 1989. فقد نجحت واشنطن بتغيير مسار القاعدة من الغرب الى الشرق في اعقاب غزوهها الى كابول 2002 ثم العراق 2003. واحدثت واشنطن استقطاب الى الجهاديين في منطقة الشرق الاوسط الذي تحول الى مبزل ومنخفض جهادي قاعدي. وضمن هذه الاستراتيجية ايضا حاولت ادارة اوباما بتحويل مسار حركة طالبان الجهادية المتشددة  الى حركة او تنظيم سياسي، وكانت طالبان قاب قوسين من رفع راياتها الجهادية على ممثليتها في الدوحة عام 2013. ماتبذله الولايات المتحدة الان يصب في نفس الأستراتيجية وهو تحويل مسار التنظيمات “الجهادية” في سوريا وسحبها من مظلة القاعدة، لتشكل حزام اسلاموي اقل تطرفا من القاعدة من وجهة نظرها. ان جنيف 2 ربما يكون بطاقة شرعية الى الجبهة الاسلامية والجهاديين من غير “داعش والنصرة” رغم ان بعض تشكيلات الجبهة الجدبدة ترتبط بعلاقات تنظيمية مع النصرة، ابرزها احرار الشام. الجبهة الاسلامية ستكون العصا التي تضرب بها واشنطن المعارضة السياسة السورية اكثر من نظام الاسد وممكن فهم ذلك ضمن سياسة تعدد الاذرع والشد بأدخال المعارضة الى جنيف وجلوسها حول طاولة المفاوضات. إن جنيف 2 ممكن ان يتحول الى شرعنة للجهاديين في مواجهة ” داعش والنصرة” اكثر من مواجهة بشار الاسد. وهذا يعني ان الجهاديين سيكونوا لاعب رئيسي ليس فقط في مؤتمر جنيف  وما بعده .

الدور الذي تلعبه الجبهة الاسلامية الان ربما يكون قريبا من ” الصحوات الاسلامية في العراق” 2006 لمواجهة خطرداعش والقاعدة والنصرة. ولا يستبعد احتمال ايجاد تقارب مابين النصرة والجبهة الاسلامية ولا حتى مع الولايات من الابواب الخلفية لفك العلاقة مابين النصرة و”داعش”. هذه السياسة اتبعتها واشنطن في وقت سابق بفصل طالبان عن القاعدة. طالبان صاحبة الارض اما القاعدة فهي صاحبة العولمة الجهادية. اما النصرة اليوم فهي تتشابه مع طالبان الأمس من وجهة نظر اميركية وكانها سورية الهوى والهوية اكثر من ” داعش” التي عرفت بقطع الرؤووس.

كلمة الظواهري

إن اصدار كلمة الظواهري على المواقع المعتمدة  الى “ألدولة الاسلامية في العراق والشام” في 18 يناير 2014، تجاهل فيها الظواهري النصرة واثنى فيها على قوة “داعش” وهذا يرجح احتمالات وجود علاقات سياسية الى الجوراني زعيم النصرة  المقربة من الجبهة الاسلامية مع اطراف دولية واقليمية فاعلة في جنيف، ربما اغضبت الظواهري. وما يعزز ذلك هو ظهور الجوراني العلني ولاول مرة على فضائية الجزيرة  في ديسمبر 2013. قال أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة “إن الدولة الإسلامية في العراق والشام لا تزال قوية رغم كل الحملات التي تقام ضدها، وأنها تسيطر على العديد من المناطق في العراق” متجاهلا اي ذكر لجبهة النصرة، وذلك في كلمة مسجلة منسوبة له نشرت على صفحة تستخدمها “داعش” لنشر أخبارها بموقع التواصل الاجتماعي تويتر. إن ظهور التسجيل في الوقت الحاضر مع قرب انعقاد جنيف 2، يثير التساؤلات حول حقيقة تاريخ اصدار الرسالة، ربما كانت الرسالة مسجلة  لحدث وظرف سابق ولم يتم إصدارها الا الان.

إن الانتقادات الموجهة الى المعارضة “الجهادية” بانها خالية من الفكر المنظم وما تقوم عليه هو المواجهة العسكرية فقط. فإذا سقط نظام الاسد  سيتفجر صراع أشد  ضد الغرب من قبل “الجهاديين” مع اي حكومة قادمة، وسوف يكون استهدافا اكثر الى مصالح الولايات المتحدة والغرب في الخارج ايضا. تجارب الجهادين مع واشنطن وغيرها تعكس سرعة انقلابهم بعد حصولهم على الدعم والتسلح، والتجربة مع “الجهادين” في ليبيا اصبحت درسا.

وفي تقرير لصحيفة الديلي تلغراف بنسختها الاصلية الانكليزية في 19 يناير2014 كتبBonnie Malkin بأن كيري حذر النظام السوري من تحويل مسار محادثات جنيف بعيدا عن تشكيل حكومة جديدة، ذلك بعد رسالة موجهة الى الامم المتحدة تتضمن بان جنيف 2 هو للتخلص من المتطرفين ” الجهاديين” في سوريا. إن التغيير الدراماتيكي في موقف الاطراف الداعمة و المشاركة في جنيف 2، وفي إدخال الجبهة الاسلامية ربما سيتحول جنيف 2 الى شرعنة للجهاديين اكثر من إيجاد حل سلمي للصراع في سوريا.

*باحث في مكافحة الارهاب والاستخبارات

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يقول الكاتب :تتبع الولايات المتحدة الاميركية إستراتيجية تغيير مسارات الحركات والتنظيمات الجهادية، هذه السياسة ظهرت في اعقاب تحالفها مع بن لادن في دحر الاتحاد السوفياتي سابقا من افغانستان عام 1989. فقد نجحت واشنطن بتغيير مسار القاعدة من الغرب الى الشرق في اعقاب غزوها الى كابول 2002 ثم العراق 2003. هذا التحليل في رأينا هو خطا تماماً لان الذي غير مسار القاعدة وأخواتها هو سياسة ايران الطائفية في المنطقة وفي العراق وسوريا بالذات ايران الطائفية التي قاتلت المقاومة العراقية من خلال جواسيسها في العراق وكلنا يعرف فتوى ألسيستاني بعدم مقاتلة الأمريكان وكيف اثنى المجرم بريمر على ألسيستاني في كتابه الاسود عن احتلال العراق نفس السيناريو الان يتكرر في سوريا وهي ان الحرس الثوري الإيراني وحزب الله يقاتلون الجهاديون في سوريا بالنيابة عن الامريكان. ،،،ايران الخمينية هي التي حرفت البوصلة وبدلت المعادلة من صراع عربي صهيوامريكي الى صراع سني شيعي بغيض أدى الى تدمير النسيج الاجتماعي للعرب والمسلمين اذن السبب في تغير شكل ومحتوى الصراع هم الصفويين وليس الأمريكان ،،،نرجو من الكاتب ان يتبع الحياد والموضوعية في مقالاته مع فائق الاحترام والتقدير

  2. ان زعماءنا يمتهنون السياسة وماهم بسياسيين .ان تعنت النظام وعدم ليونة في معالجة مشاكله جلب الي سوريا داعش ،المساد،وجميع المخابرات العالمية لتتلاقح فمابينها وتتكاثر لتنجب هاد الضمار. وبذلك ابعد الثورات عن بلدان أعداءه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here