جمال عثامنة: ماذا يخبئ الفلسطيني بجعبته بعد للزمن البائس؟

جمال عثامنة

من نعم الاحتلال علينا انه المدة الزمنية التي تستغرق للتنقل بين رام الله والقدس قد تطول وتطول دون اي سبب يذكر.

كم بالحري بعد عملية عسكرية او اجتياح اسرائيلي. فبدل ان يقطع الواحد مسافة العشرة –خمسة عشر كيلو متر بعشرين دقيقة او ثلاثين ممكن ان تمتد بك الرحلة الى ساعات. مثلا يوم الخميس الاخير عقب العملية التي استهدفت جنود الاحتلال على مشارف الجهة الشمالية لرام الله فرغت اسرائيل غضبها عن طريق التنكيل بكل من حاول  الدخول او الخروج من رام الله , فاغلقت محيطها بشكل شبه كامل وابقت على ثغرة واحدة تفتحها بشكل متقطع عبر حاجز قلنديا لمن اراد السفر الى شمال الضفة او جنوبها الى القدس او الى الاغوار. المئات من السيارات تكدست الواحدة خلف الثانية دون تقدم ملموس لساعات. عدا عن المئات الاخرى التي قررت ان تعود ادراجها, ووسط حالة الارباك تجلت من جديد روح الصمود والتاخي الفلسطيني, فسارع العديد من اهل رام الله ومحيطها بالاعلان عن فتح بيوتهم امام كل من تعثرت بهم السبل واخرون كثر استضافوا من استضافوا دون ان يعلنوها على الملئ وفي المساء انضم الى الجموع بعض اصحاب المطاعم والمقاهي واعلنوا عن استقبال مجاني للعالقين برام الله.

 بعد ان فشلت محاولتي الاولى بالوصول الى حاجز قلنديا وانقضاء ساعات دون تقدم عدت ادراجي الى رام الله وعرجت على صديق لي لم ازره من مدة والذي بدوره حين ابلغته عزمي العودة الى القدس تمنى علي ان ابقى وان يستضيفني لغاية الغد او لحين فتح الطرق مجددا وفي خضم جدالنا اتصل علينا صديق من غزة ليطمان علينا وعلى احوالنا- في قرارة نفسي قلت لا يمكن لذلك ان يحصل سوى بفلسطين. رغم الحاح مضيفي الصادق, قررت القيام بمحاولة اخرى والتي تكللت بالنجاح واعادتني للقدس.

في مثل تلك الايام والاوقات يكون لدى المسافر المتسع من الوقت للتنقل بين جميع حالات الروح, من توتر وغضب موجه نحو المحيط القريب, بداً بمن تجاوزك عن جهة اليمين بشكل خطر وغير ابه بطول انتظارك, فتراه حسن موقعه على حسابك دون مشقة توازي التي تكبدت, فتزدريه. بعدها وعند بدء سماع اصوات صفارات الانذار لسيارات الاسعاف التي تحاول ان تشق طريقها عبر الخليط العشوائي للسيارات والتي تكاد تتكدس فوق بعض فلا يسعك سوى الانتقال الى حالة القلق, والمسؤولية عن اعاقة سيارة الاسعاف من الوصول الى خطوط التماس والمواجهة لتنقذ من اصيبوا او استهدفوا وتبدا بتخيل شكل المواجهة وتبعاتها وتتنهد ان اي من احبائك وخاصة اطفالك ليس معك وتتمنى ان تمر هذه المواجهة بادنى ثمن ممكن. المرحلة الثالثه التي تصل لها بعد كل ذلك هي استغلال الوقت الضائع بجمع افكارك التي تبعثرت بين ضوضاء الحياة والعدم وهي اخطر المراحل حيث يحلق بها الفلسطيني فوق الحواجز والقمع والاحتلال والهيمنة والغطرسة الاسرائيلية ويعانق بها حريته دون قيد او شرط. وكما يبدو لم يتنبه الاحتلال بعد لتلك الاعراض الجانبية والاخطر عليه وباسهامه بشكل فعال ومباشربايجاد فضاءات ومتسع من الوقت للتفكير الحرعند الفلسطينيين!!

ان ابعاد العمليات العسكرية الفلسطينية الاخيرة تجاه المستوطنين وجيش الاحتلال كبيرة واثرها بالغ على تل ابيب ورام الله في ان واحد.

من جهة اسرائيل ونتانياهو, لم يعرف من اين هوت عليه هذه الضربات, فقبل اسبوع او اكثر بقليل تباها جهاز الامن العام على لسان رئيسه الذي يتبع نتانياهو مباشره عن حجم انجازاته وقدرته على احباط العشرات من العمليات الفلسطينية التي تستهدف قواته او مستوطنيه!!

بعد العملية الاولى التي تمت الثلاتاء الماضي مساءً,سابقت اسرائيل الزمن هي واذرعها من متعاونين من اجل الوصول الى المنفذ وبالفعل نجحت بعد منتصف ليل الاربعاء وقبل بزوغ شمس الخميس من محاصرة الشهيد صالح البرغوثي من ادعت انه من اطلق النيران على المستوطنين قرب بلدة سلواد شمال رام الله واغتالته. الى الشمال اكثر وبمخيم عسكر الجديد وبوقت مشابه كانت قوة اسرائيلية خاصة اخرى قد اطبقت على اشرف نعالوة الذي اخفقت بالوصول اليه او لمعلومات عنه مدة تزيد عن الشهرين وعمدت على تصفيته وارتقى شهيدا, وفي القدس مع صبيحة يوم الخميس الباكر زف الفلسطينيون شهيدهم الثالث الشاب مجد مطير.

الى قبل ظهر يوم الخميس اكاد اجزم ان نتانياهو وزمرته والسواد الاعظم من مؤيديهم من بين الاسرائيليين كانوا منتشين من اعاده الهيبة الى قوة ابنائهم-جنود الجيش الجبار الذي لا يقهر وسرعة رد فعله ونجاعته مضاف اليها اطنان من الاحمال الاضافية بالثقة بالنفس والغطرسة. وقبل ان تبدا ماكينة الديماغوغيا الاسرائيلية بالاحتفال بنشوة النصر, وقعت عليهم الضربة الثانية من قبل المقاومة ونفست بالونات نشوتهم المفتعله ولقنتهم درس جديد عن الفرق بين “حسابات الحقل وحسابات البيدر”. اما من كابر وتمرد من قطعان المستوطنين والذين وبحماية الجيش الاسرائيلي هاجوا كالثيران الجامحة, العزل من مدنيين فلسطينيين علقوا على الطرقات وقاموا بتخربب ممتلكاتهم والاعتداء الجسدي عليهم, اتاهم الرد الفلسطيني بعد بضع ساعات, حين تسلل فتى فلسطيني الى داخل مستوطنة بيت ايل المتاخمة لرام الله وتجاوز الجدار العازل والاسلاك الشائكة وانقض بايديه الخاوية الا من حجر على جندي من القوة المكلفة بحماية امن المستوطنين وكاد ان يرديه قتيلا.

البعد الاخطر على اسرائيل نتيجة هذه العمليات هو ضعضعة قدرتها او ربما او واَد مخططها المتدحرج على الجبهة الشمالية الذي يتمني فيه نتانياهو وجيشه ان يستدرج المقاومة اللبنانية الى مواجهة محدودة مباغتة وقصيره يخرج منها ظافرا بشيء مكللا بصورة لانتصار يتوق له هو ويروي ظمئ العديد من الاسرائيليين لانجاز يذكر, يكفيه ليحمله الاسرائيليين على اكتافهم كالفاتح الى مقعد رئيس الوزراء مرة اخرى ومن جهة ثانية تحميه وتصد كل من تسول له نفسه المطالبة بمحاكمته هو وزوجته, على خلفية تهم الفساد والرشاوي والبذخ التي تحيط بهم من كل جانب, وقد تخفف العبئ عن المستشار القضائي لحكومته المتواطئ معه تحت سترة القانون ويعمل جاهدا على حماية ظهر نتانياهو وان يملصه من كل الملاحقات القانونية التي تطاله.

اسرائيل ونتانياهو قبل انطلاق حملتهم المتدحرجة على الجبهة الشماليه عمدوا على اخماد نيران الجبهة الجنوبية من جهىة غزة وبعد ان فشلت ادواتهم العسكرية بانجاز الهدوء المنشود استعاظوا عنها بالدبلوماسية والمال العربي لشراء زمن مستقطع ينعم به نتانياهو والاسرائيليين على الجبهة الجنوبية بهدوء وطمانينة وتوفر لهم المساحة اللازمة من اجل التحرك على الجبهة الشمالية ولربما النيل من المقاومة اللبنانية في اكثر من موضع.

ان صدقت تقديرات اسرائيل المعلنة-ان قوى المقاومة الفلسطينية من حماس, هي التي تقف خلف العمليات الاخيرة والتي جرت بمحيط رام الله, يترتب عليها عدم الاقدام على اي رد فعل غيرمدروس, قد تندم عليه, ويتوجب عليها ان تراجع حساباتها جيدا قبل الرد على تلك العمليات وتجنب التبجح والعيث فسادا بارواح ومقدرات الفلسطينيين في الضفة كما تعودت الى الان. اكثر ما تخشاه اسرائيل بالوقت الراهن هو اندلاع جبهة اخرى اضافية في الضفة الغربية وتنفث الهواء في جمرات الجبهة الجنوبية وتشعل نيرانها مجددا وتقوض احلام نتانياهو ان يصور كالظافرالفاتح مدبر ومخطط صفقة القرن وتحرمه من التربع على عرش اسرائيل ثانية؟ فتزيد من احباطه وسارة, كيف لا وهما يريان معا قدرتهما على الاستحواذ على صنع القرار في امريكا وفي فرنسا وبريطانيا والى حد ما في المانيا ومعظم دول شرق اوروبا واستراليا والهند والبرازيل وفوقهم جميعا العديد من الدول العربية! والتي وباشارة منه (قائد الاوركسترا نتانياهو) اصبحت تعزف كجوقة واحدة الحان السيمفونيات الصهيونية, لا شك ان نتانياهو وزمرته ومواليه من اعضاء منتخب الاحلام اعلاه اخر ما توقعوه ان بضعة فتيان فلسطينيين ستقض مواجعهم وليس من بعيد ان تحول احلامهم كهباء منثور.

كما تعودنا ونعرف ان ما لا تستطيع اسرائيل انجازه بالقوة اولا, تحاول انجازه بالسياسة ثانية. مصلحة اسرائيل الانية تقضي بان يتوفر لها الهدوء على الجبهات الفلسطينية وتصب مباشرة في مصلحة نتانياهو واعادة انتخابه اولا وقبل كل شيء. لتعزيز فرص فوزه نتانياهو بحاجة لانجاز ما على الجبهة الشمالية لكن دون ان يتورط بما لا تحمد عقباه. الايام القريبة القادمة ستكشف لنا عن وفود وحشود الوسطاء بالخفاء او العلن والذين سيتقاسموا الادوار فيما بينهم جزء مختص بغزة واخر بالضفة من اجل ان يحققوا لاسرائيل الصفقة التي تريد.

من جهة اخرة هي فرصة وامتحان لقدرة حماس على التعديل بادوات ميزان الرعب والردع المتبادل مع اسرائيل, فهل ستنجح في الاضافة لقدراتها القدرة على تهديد امن واستقرار اسرائيل من الضفة الغربية؟ بعد ان كبل المال القطري والوعود المصرية- بالتخفيف من وطئ الحصار على اهل غزة يدها القابضة على الزناد بغزة (والذي احرجها امام الراي العام الفلسطيني)؟ هل تستطيع حماس الخروج من المأزق الذي وضعتها اسرائيل فيه بغزة ومقايضة الهدوء الذي ينشده نتانياهو على الجبهة الجنوبية بتعزيزقوتها وردعه في الضفة الغربية؟ ما الذي ستفعله اسرائيل لمنع حدوث ذلك؟ هل تكون خطوة كهذه من قبل حماس كمثل رب ضارة نافعة لصالح اقطاب السلطة الفلسطينية برام الله, واخراجها من وحدة العناية المكثفة واعادتها الى الحياة وبعد ان عانت التهميش والعزلة من قبل نتانياهو ومؤيديه من عرب واجانب؟. هل استعراض العضلات لقوى الامن الفلسطينية بالخليل تقمع بالقوة مسيرة لمؤيدي حماس تساعد السلطة برام الله على كسب ود اجهزة امن اسرائيل وتابعيهم من جديد؟ والى اي مدى ممكن ان تتسع الهوة ما بين المواطنين الفلسطينيين بالضفة الغربية وقيادة السلطة مقابل كهذا دور متوقع ومنوط بقوات امن السلطة؟ هل يمكن للسلطة تحمل حالة السخط بالشارع الفلسطيني من انسداد افق وقمع وذل واهانة تزداد يوما بعد يوم ولا يرى الفلسطيني شيئ سوى تعميق للاحتلال؟ هل سيستسلم الفلسطينيون ويخضعوا لاملاءات اسرائيل والتاريخ؟ ام ان انتفاضة ثالثة بدات تلوح بالافق؟

اخيرا وبشان متصل اعلن المستشار القضائي لحكومة اسرائيل نيته ان يضفي الشرعية على اكثر من الفين مبنى للمستوطنين الاسرائيليين تم بنائها في السنوات الاخيرة بالضفة الغربية من دون استصدار “تصاريح وموافقات اسرائيلية رسمية” واشار نتانياهو بشكل عارض ان سيصادق على تلك المباني التي بنيت بحسبه ” بحسن نوايا”!!! كما يبدوا فانهم سيستندون الى قرار القاضي السابق في المحكمة العليا الاسرائيلية المدعو سليم جبران والذي قرر في اخر قضية نظر فيها قبل ان يخرج الى التقاعد ان يهدي اسرائيل ومستوطنيها هدية لا تقدر بثمن ويحكم بحق الاستملاك لصالح مستوطنين استولوا على ارض فلسطينية خاصة عن طريق وثائق غير كافية ومزورة, ومن خلال تلك السابقة القضائية التي لم يجرء ولا قاضي اسرائيلي سابق على الاقدام عليها اجاز القاضي جبران (من اصول فلسطينية) للمستوطنين الاستيلاء على العقارات والاراضي الفلسطينية الخاصة باسم مبدا ” حسن النوايا “.

القدس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here