جمال حضري: جزائر الأمس.. جزائر الغد..

جمال حضري

هل طويت أيام البوتفليقية كما يطوى الكتاب؟ هل طويت عشرون سنة من التسلّط الذي لم ينته إلا بشعب خرج عن بكرة أبيه ليملأ الشوارع طيلة ستة أسابيع، وجيش حسم أمره، والتفّت قياداته دون استثناء حول خيار الشعب؟ هل يمكن لنظام، انتهى اقتلاع رأسه بهذه العملية القيصرية التي وضعت مصير البلد في مهب الريح، أن تزول آثاره بمجرد إنزال بوتفليقة عن عرشه؟

صحيح، تعتبرُ جموعُ الثائرين إجبارَه على الاستقالة، بعد إقالته الشعبية منذ أول نزول شعبي إلى الشارع في 22 فيفري، نصرا مؤزرا، ونهايةً لكابوس الفساد وانهيار مؤسسات الدولة، ويَعُدّون حقبة البوتفليقية هي أمس الجزائر الذي غربت شمسه بلا رجعة، لكن في قرارة نفس كل ثائر لا تزال البلاد تئن تحت أغلال العهد البائد الذي أفسد كل مظاهر الحياة فيها.

على الصعيد السياسي، عشريتان من التصحير للحياة الحزبية والجمعوية، كان دافعه استماتة بوتفليقة في طمس كل قامة تنازعه مساحة المشهد السياسي، لم يكن يعنيه تعدد الرؤى أو حركية التدافع، أو تناوب البدائل، لم يكن يعنيه بروز وجوه كفءة وطاقات جديدة تضيف إلى رصيد البلاد النازف بالتدريج، لم يكن يعنيه من مواعيد الانتخاب إلا تزكية مزوّرة ليستكمل عهده المؤبّد. كان مهووسا بشكل الديمقراطية لا بجوهرها، مسكونا بالتسلط دون رقابة ولا حساب، حتى إن ترشّحه المغرور لا يكفيه حزبٌ يواليه بالطبيعة هو حزب جبهة التحرير، بل يسعى كل مرة لأن يكون مرشّح “إجماع” أو مرشح “الشعب”، فهو فوق الأحزاب، بل مبعوث العناية الإلاهية كما قال أحد متملقيه. كان الرجل أقرب إلى عقلية “البيعة” منه إلى عقلية الاختيار الحر. ولتحقيق هذا الاغتصاب المتكرر لتنوّع الساحة السياسية، لم يكفّ وأجهزتُه الظلامية على تكسير كل الأحزاب و”تفليقها”، حتى تعلن الطاعة أو تُقزّم وتهمّش، فانتهى الأمر بطبقة سياسية مشلولة لا تتحرك إلا في المناسبات، ونموّ فطريّ لكيانات طفيلية شوهت العمل الساسي لدى عامة الشعب، حتى تحققت نبوءة عبد الحميد مهري أمين عام جبهة التحرير المحترم حين قال: “سيأتي يوم لا تجد فيه السلطة معارضة موثوقا بها لتسكت بها احتجاجات الشارع..”.

أما صعيد الاقتصاد فهو المجال الذي تعتبر سياسات البوتفليقية فيه جرائم بكل معنى الكلمة. إنه عهد الفضائح الاقتصادية الكبرى، التي اكتشف الجزائريون ذات صباح أن جوهرة اقتصادهم “سوناطراك” قد نهشها المفسدون من كل طرف، حتى فاحت ريحهم من وراء البحار. صعدت إلى السطح طبقة من الأثرياء الفاسدين المتبجحين بسلطة المال والطامحين إلى الاستحواذ على سلطة القرار، فكان تحالفهم الشيطاني مع رموز التزوير الانتخابي والنفاق السياسي (الشيتة)، وهو التحالف الذي التهم مصداقية مؤسسات الدولة وقوانينها من قضاء وجمارك ووزارات وإدارات وغيرها، حتى الزعماء النقابيون تحولوا إلى رموز فاسدة حشدت القرار النقابي وجندته لخدمة هذا التحالف المشين.

أخطر ما ترتب على تحالف حكم الفرد والمال الفاسد هو استقالة شعب بأكمله أو يكاد من كل ما يمت بصلة للحياة السياسية، وانخراط الأغلبية في تدبير المعاش، وانتهاز الفرصة، وتعليق المبادرة، واستمراء التبعية، والبحث عن طرف حام في خضم الحرب على كل صوت نشاز أو موقف يشذ عن الوضع السائد. لو نسمّ هذا العهد جمهورية الخوف لما أنصفناه، لأنه بدل التخويف كان يستهويه شراء الذمّة أو التهميش والتشويه، والتحطيم من داخل، ولا يغامر بخصومة تصنع رموزا تشوّش على الصنم. فهو جمهورية الانحلال والميوعة، حيث لا شيء يتم في أطره ووفق معاييره، كل شيء يتم بالزبائنية وبيع الذمة والكرامة، لنسمّه بتعبير يعرفه الثائرون جميعا، وأدّى بالمئات من الشباب إلى الموت في قوارب “الحرقة” أو الهروب إلى أوروبا، إنها جمهورية الحقرة: حقرة سياسية للأحزاب والأفراد، وحقرة اقتصادية نزلت بأغلبية الشعب إلى دركات الفاقة والحاجة، وحقرة اجتماعية ألهبت سوق الوساطات وعمّقت الفوارق بين طبقة الأثرياء الجدد والشعب الكادح الذي يرى بالعين خيراتٍ تُسرق ولا مغيث.

هذه هي بعض ملامح الجزائر بالأمس القريب، أما اليوم، فقد باشر الشعب الثائر تنظيف ذاكرته وحياته من كل ما يمتّ بصلة إلى ذلك الأمس، بدأت مهمة شاقة وضرورية لاقتلاع البوتفليقية بعد زوال بوتفليقة. في كل إدارة ووزارة، وفي كل مصنع ومزرعة، وفي كل قطاع، بدأ الناس يسترجعون حسّ المواطنة وشعور السيادة على الأرض التي لم يكونوا يعرفونها إلا أنها “أرض الدولة” و”مال الدولة”، كل شيء تمتلكه الدولة. اليوم، أحسّ الناس أنهم الدولة، وصاحوا “البلاد بلادنا ونديرو راينا”، أي إن البلد بلدنا ونفعل فيه ما نشاء. كان البلد مسلوبا، ويتم الآن استرجاعه رغم كل الرواسب والعوائق التي نخرت هذه السيادة طيلة عهود حتى غدا الناس غرباء في وطنهم.

وكما استمات بوتفليقة في الاحتفاظ بسَلْبِه، سيستميت الشعب الثائر في استرجاع حقوقه على كل صعيد، سيسترجع حقوقه السياسية، سيسترجع صندوقا انتخابيا يأمن على صوته فيه، كما يأمن على كل مسار انتخابي باعتباره طريقة التعبير عن اختياره الحرّ للمسؤولين الذين لن يعمّروا في كراسيهم بل هم رهن قراره وخياره، لن يعودوا أسيادا “كالأمة التي تلد ربتها” بل يظلّ القرار السيد بيد الشعب، يولّي من يشاء ويعزل من يشاء. سيسترجع حقوقه الاقتصادية، حقه في تكافؤ الفرص، وتقاسم الثروة، ومحاسبة الفاسدين وتجريدهم مما نهبوه. سيحرُسُ الشعب أرزاقه وممتلكاته التي أصبحت منذ اليوم أملاك الشعب التي ترعاها الدولة بإذنه، وتناله خيراتهُا ومردودُها.

ونفسيا واجتماعيا، ستعود الإدارة إلى وظيفتها خادمة للمواطن لا كابوسا جاثما على حياته اليومية، سيستعيد الشعب الثائر “عزته وكرامته” التي أهدرها حكم الفرد الذي أراد تأبيد كرامته الشخصية على حساب الشعب. سيستعيد الشعب لحمته التي شتتها العهد البائد بدسائسه ومغامراته، فألّب مكونات المجتمع الجزائري بعضها على بعض، عرقيا وإيديولوجيا ولغويا وثقافيا، لقد وحّد البلاء الجميع، وأدركت كل الشرائح أنها كانت في “الحقرة” والتلاعب سواء. لم يكن نظام بوتفليقة يميل إلى جهة أو عرق أو لغة أو ثقافة، كان يستغل الجميع، لأنه مال بغير رجعة إلى نفسه، فتقاتل الجميع مع الجميع، وتآمر الجميع على الجميع، واصطفّ الجميع ضد الجميع، وبقيت خيوط اللعبة تتراقص ببراعة بين أصابعه، حتى مزّق الشعب الغشاوة وحرّر الجميع من اللعبة الشيطانية.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. يقول الشاعر ان اللئم بقبح القول تعرفه وبالحوار طباع الناس تكتشف
    فن التخاطب ذوق ليس يدركه الاكريم بحسن الخلق يتصف
    قبل الانتخاب يكون تعديل الدستور وقانون الانتخاب من التزكية الي الانتخاب الحر والشفاف والنزيه وهو ان يكون الكلمة فيه الي الشعب بمعني ان ينتخب الشعب علي كل المسؤولين
    من ريس الجمهورية رئيس البرلمان رئيس الغرفة الثانية ورئيس المجلس الدستوري حتي يتسني لهم رفع الجزائر من كل النواجي لأن الجزائرأكبر ان يرفعها واحدا بعقلية الحهوية
    شمال وجنوب غرب وشرق وتبقى طريقة الانتخاب الحر للشعب هو السيد في قانون الانتخاب بالشطب في كل مراحله من رئيس البلدية والمجالس الولائية والبرلمتن بغرفتيه
    الاولى والثانية وهذا هو الشعب السيد الذي ننشده في السنوات القادمة ان شاء الله

  2. ما هي الا ثلاثة اشهر ثم يتم اجراء الانتخابات الرئاسية ومن يفوز فيها يتولى رئاسة البلاد ، اأي (صُنع في الجزائر) بمعنى ان قراره جزائري . وهل سيكون عروبياً اسلامياً أم فرانكفونياً ؟ أم هل هو ( صُنع في فرنسا ) بمعنى انه يتحرك بالتليكوموند الفرنسي . أو (صُنع في الولايات المتحدة )؟ بمعنى انه يتحرك بتليكوموند الامريكي والاسرائيلي من خلفه ، فينبطح مع الانظمة المنبطحة في المشرق العربي ويعترف معهم بدولة الاعتصاب الاسرائيلية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here