جمال حضري: الجزائر.. هل قطفَ الحراكُ ثمارَه؟

جمال حضري

سرعان ما تبادل الكثيرون عبارات الارتياح وهم يسمعون “قرارات” الرئيس بوتفليقة الأخيرة. فقد أجمعت القراءات الأولية على اعتبارها خطوة إلى الوراء من قبل معسكر الموالاة. لكنّ فحصا متأنيا لها يخلص إلى أنها وثبة أخرى نحو تأبيد النظام مقابل التضحية بواجهات سيئة السمعة.

إن الخطوة العملية الأولى لا يمكن اعتبارها بحال تنازلا وهي المتمثلة في إلغاء العهدة الخامسة. فاستراتيجية التجديد عبر الانتخابات تم استبدالها بالتمديد إلى آفاق انتخابات جديدة غير واضحة الملامح الزمنية. أما خطوة التغيير الحكومي الذي أريد له أن يحدث ضجة التغيير ويستلّ ضغينة الجماهير فقد استبدل فيه الوزير الأول بوزيره للداخلية، وهو تغيير لا يقرأ أبدا في خانة التنازل إذا نظر إلى السيد بدوي باعتباره الممسك بالمفتاح الأمني وهو مؤشر واضح على قبضة مستقبلية أقل تسامحا ومرونة مع الحراك الثوري. أما النيابة القيصرية من خلال لعمامرة فلا تسلك إلا في خانة التأشير للخارج على الاستمرارية ورعاية المصالح المختلفة.

باقي الخطوات كلها وعود إذا كتب لها النجاح في امتصاص الاحتقان فقد أدت الغرض، وإلا فستتعرض عبر تفاصيل التطبيق إلى سلسلة من التكييفات، تنتهي بها إلى إعادة إنتاج نسخة جديدة من النظام ذاته، ولو مع شيء من الزينة والديكور المعتاد في مثل هذه الكرنفالات السياسية.

لنتأمّل هذا الإخراج الإعلامي للقرارات الرئاسية ونقرأها هي أيضا كجزء من معطيات التحليل: بما أن الساهرين على نسج هذا المخرج للأزمة جعلوا حزمة القرارات في شكل رسالة قرئت على مسامع الجزائريين، بينما محاولة صبغها بالمصداقية جاء بتوسيط الأخضر الإبراهيمي، فإن هذا الفصل بين الأداتين يثير الشكوك فيما سيأتي على القرارات من التمييع. كان بإمكان السيد الإبراهيمي أن يستعرض هذه الخطوات مما يجعلنا نعرف شخصا محددا يتحمل معنويا سيرورة الخطوات وصيرورة القرارات. لم يتم شيء من ذلك، قصارى ما كان أن الإبراهيمي وعدنا “بجزائر جديدة” ولم ينبس ببنت شفة تتعلق بتحقيق آمال الجزائريين الكبرى في تغيير جذري للنظام. هذا الفصل بين الخطاب وجهة تتبناه غير “رئيس الجمهورية”، جعل حزمة القرارات ورقةً في مهبّ رياح الظروف، فكونها منسوبة للرئيس لا يعني شيئا في عقل الشارع الذي لا يدري حتى الساعة أيملك الرئيس شيئا من أمره حتى يعِدَ وينفّذ؟ ألم تقل ديباجة الرسالة الأخيرة هذا الاعتراف “الفرويدي” أنه “لم ينو أبدا الترشح لعهدة جديدة” ولو أن “التداعي” فعل فعله لقرأنا بعد ذلك: “ولكنّ من يحيطون بي زيّنوها لي وأغروني بالتفاف الناس حولي..”. فمن نصدق، الرسالة أم المرسول؟؟

ولأن بنية النظام لا تسمح بإحداث التغيير المنشود عبر هذه القرارات السريعة، فإنا نقول بكل وضوح: لقد ضيّع بوتفليقة فرصة التغيير باكرا جدا. فالجزائريون يعرفون أن نظامهم السياسي ضارب في الفساد إلى عنقه، وأن عدوى الفساد امتدت إلى كل ميادين الحياة والنشاط حتى غدا الشعور بآثاره عاما تاما. وبناء على هذا التوصيف فإن من العبث الادعاء بمباشرة تغيير هذه الحال عبر ندوة سيدة أو تابعة..

إن بنية مستشرية الفساد لا تُعاملُ إلا بعملية تفكيك طويل الأمد، كثير الإمكانية وموفور الأعوان والرجال. فأن تأتي وعود التغيير من ذات الناس وبذات الأدوات وفي ظل نهبٍ ممنهجٍ وثرواتٍ مسلوبة واقتصاد منهك .. فهي لعمري أكذوبة الزمن لمن أراد فتح أعينه وإبصار الحقيقة.

بنية الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي تحتاج ثورة تتجاوز النصوص المنجزة بروح الفساد وبرعاية لصيقة من أدواته ورجالاته، ونفس طويل لا يصبر عليه إلا شعب أيقن ضرورة التضحية من جديد ولكن من أجل فجر جديد..

في مقابل حزمة الوعود والخطوات العملية التي تصب جميعا في فائدة النظام القائم، يوجد مكسب هام واستراتيجي هو السيطرة على الشارع، هذه هي القوة الجامعة المانعة التي تسهر على تدشين التغيير ومراقبته والمضي به إلى غاياته، طالما ظلّ الشارع متماسكا في تنوعه وانضباطه ووحدة بوصلته. ومع أن استمرارية هذه الخصائص غير مضمونة، فإن الهبّة الشعبية يمكنها ضمن رؤية جذرية أن تسرّع الخطى نحو تحقيق أسس المطالب في انتظار أخرى تحكمها مراحل طويلة وعمل مستدام. الخطوات ذات الأولوية هي التعجيل بتحييد سيطرة رجالات النظام على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي والدفع باتجاه استرجاع الثروات المالية والعقارية المنهوبة، مثل هذه الأهداف إذا تحققت هي التي تعطي للحراك الثوري هويته التغييرية وديمومته الزمنية..

 

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. هذا الحراك الذي يسير دون تأطير مآله الفشل و الزوال. فإلى متى يبقى الحراك سائبا دون قيادة ترشده و تقوده إلى برّ الأمان وتحقيق الأهداف و الغايات؟ فدوام الحال من المحال ، كما يقال. فالشك بدأ يتعاظم شيئا فشيئا ، بأن هذا الحراك من ورائه النظام نفسه، أو فصيل من النظام . فالضبابية تحجب الوضوح و تزيله و تقتله.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here