جمال حضري: الجزائر: الثورة السلمية .. أهداف قريبة وأهداف بعيدة

جمال حضري

بعد جمعتها الخامسة، تكون ثورة الجزائريين السلمية قد عبرت مرحلة التحدي الوجودي حين راهن المتربصون على نفسها ومداه. ترسخ السلوك الثوري وأصبح الخروج الأسبوعي واجبا وطنيا يتوج خرجات شبه يومية للقطاعات المختلفة. وحَسِب المتربصون أن وهج المظاهرات تؤججه القرارات الاستفزازية عشية كل خروج، فتفادوا في الخرجة الأخيرة الإعلان عن أي قرار، ورغم ذلك لم تهن للثائرين عزيمة أو تلن قناة. بل إن التصريحات الماكرة لمسؤولي أحزاب السلطة في تأييد الحراك ومساندته المطلقة، والتي أريد بها تمييع الثورة وامتصاص زخمها، لم تنجح هي الأخرى في تشتيت التركيز على ذات المطالب التي انطلقت بها. ولأن هذا الشارع صار أهم مكسب للشعب وثواره الشباب، وجب أن يصار إلى استثماره مستقبلا بعد أن يحقق كل أهدافه القريبة.

إن عشرينية بوتفليقة راكمت كل عناصر الثورة الناجحة ضدها، بحيث وحّدت قطاعات واسعة من الشعب تحت عتبة الفاقة والحرمان، وأصابت في الصميم طموحات أهم شريحة وهي الشباب والمتعلم منه على الأخص. وعمّق الشعور بالمهانة والغربة في الدار بروز طبقة فاحشة الثراء لم تكتف بالتهام خيرات البلاد عبر كسر كل القوانين والتلاعب بأهم مؤسساته وهي القضاء، بل امتدت أطماعها وهي ترى كل شيء يتداعى أمامها إلى الاستحواذ على مؤسسة الحكم ذاتها. هنا فاضت كأس القنوط بالناس، وأحس الجميع أن الدولة ذابت في جيوب أرباب المال الفاسد. هذا التحلل المريع توّجهُ القرارُ الأحمق بترشيح الرئيس المنتهية عهدته لعهدة خامسة، وكأنه رصاصة الرحمة التي أطلقت على صبر الجزائريين، ففجّرت فيهم كل الغضب وكل الثورة، فلم يعد مُطاقًا سرقة خيرات البلاد ثم سرقة القرار السياسي وهو ما يهدد وجود الدولة وكينونتها.

ولهذا لم يعسر على الثائرين تجميع الشعارات ولا المطالب، لأنها كانت مرتسمة الملامح منذ سنين، بل إن أهازيجها طالما تغنت بها ميادين الملاعب الرياضية. فالرحيل الكامل للنظام يشمل الرئيس ومحيطه القريب، وكذلك الأذرع المالية والحزبية والإعلامية التي تغذت من هذا التمدّد المرضي للسلطة والتي عملت على تزيين وتسويق هذه المرحلة الشاذة من تاريخنا المعاصر.

وليست الأسماء المتداولة إلا الواجهة الظاهرة للسلطة، أما القائمة فطويلة جدا لن تنساها ذاكرة الشعب التي عاشت مسلسلا طويل الحلقات من التعيينات والإقالات وإعادة التعيين وإعادة الإقالة، في مشاهد كوميدية لم تزد ليومياتنا غير المرارة والضغينة على درجة التفسخ وبذل الولاء للبيع والشراء، حتى إن الناس لم تعد تستغرب أن مسؤولا مقالا قد يعاد في أي لحظة لمنصب أعلى، وأن الشخص المقال لا يستنكف عن كيل المديح وتأكيد الولاء لمن أقاله وكأنه يقول: “إلى لقاء قريب !!!”. لقد جسدت هذه العشرينية مشهد الفساد السياسي بامتياز، فساد أصبحت فيه طبقة الساسة معرضا للذاهبين والراجعين والمطبّلين والمزمّرين على رغم أنف الشعب أو في غيابه التام.

من هنا ارتسمت بسهولة كلمة الرحيل والتغيير الجذري لطبقة الحكم وإرساء نظام جديد، وبه تبدأ ملامح الأهداف البعيدة للثورة السلمية: أهداف تنطلق من توصيف شامل لحال البلاد التي أوصلها النظام الفاسد إلى حافة الشلل. لقد جاء بوتفليقة على الحكم بصفقة ما !! ومن ثم فقد جاء لاستكمال دورة فاسدة من الأصل، حتى المصالحة التي بنى عليها مشروعيته تمت بصفقات فاسدة، وسُوّقت بالتضليل والتعمية على أساس المشكلة وهي التعدي على حق الشعب في الاختيار.

إن الفساد السياسي لم يرتبط بهذه المرحلة فقط، لقد أبرزته العشرينية إلى السطح، أما وجوده فطويل ممتد. ولذا يستهدف الحراك الثائر منظومة الفساد ليس باعتبارها أشخاصا تزاح وأحزابا تحل ومراكز قرار تُحيّد، بل يستهدفها كنمط حكمٍ وتسييرٍ ومعاملةٍ يوميةٍ من أعلى دوائر القرار إلى أدناها. إن الشعب الذي احتل الشارع وجعله منبرا للتعبير والرفض، لم يلتق يوما بوتفليقة ولا أذنابه المركزيين، ولكنه كان يعيش يومياته على إيقاع الفساد الذي تعزف السلطة الغاشمة ألحانه فيتردد صداه في كل أركان البلاد.

إن تهميش الكفاءة لصالح الولاءات الشخصية والحزبية، وتفشي الرشوة والوساطة للوصول إلى أقل المصالح والحقوق، وغياب القوانين والاستهانة بالقضاء الذي بيع لذوي المال والجاه، جعل الشعب في أغلبيته يعيش غربة غريبة، فلا البلد بلده ولا الحكام حكامه، لا شيء عبّر عن هذه الغربة مثل الاستقالة السياسية ومقاطعة الانتخابات، وهذه علامة فارقة وحارقة لمراقب حصيف، ولكن النظام الفاسد لم يزد إلا إمعانا في تعميق هذه الاستقالة لأنها خدمت استراتيجية تفريغ الحكم من شرط السيادة الشعبية، السيادة أصبحت للمال والجاه.

وحتى المعارضة التي هي جزء من كل حياة سياسية سليمة، لم يوفر الفاسدون فرصة ولا أداة لتوريطها أو إسكاتها وإضعافها..ترك الشعب أعزل من كل سلاح وجناح..لذلك كانت الثورة قاسية والأهداف جذرية وعاجلة !!!

إن هدف الثورة السلمية البعيد هو استئصال بذور الفساد كسلوك ظل يترسخ عهودا طويلة كانت عشرينية بوتفليقة مرحلتها الختامية، والاستئصال يحكمه الزمن والقانون، فالمعركة طويلة ولكنها مضمونة إذا ركزت الثورة على فصل السلطات، وتمكين كل سلطة من وظيفتها الرقابية لصالح الشعب وليس الحاكم، إن سيادة الشعب لا ترتبط بصندوق انتخابي يفرز حاكما بأمره أو وليا للأمر، بل هو أداة لتعيين خادم للشعب السيد، والسلطة التي بيده تتفرع عن سيادة حقيقية للشعب قد يستردّها في اللحظة التي يريد.

إن الانتخاب الحقيقي يرسّخ سلوكا سياديا لا كرنفاليا للشعب، وتمتد منه هذه السيادة لكل مفاصل الحياة اليومية، بحيث يعيش الشعب سيادته أمام كل مسؤول مهما كانت درجته، لا لشيء إلا لأن الدولة أصبحت في خدمة الشعب وتحت رقابته المباشرة أو غير المباشرة، وعليه لا داعي لتغيير الدستور كل مرة يأتي حاكم جديد، فهذه أبرز علامة على أن الدساتير تُكيّف على مقاس كل قادم جديد، أما إذا قيست على طموحات الشعب، فهي لا تتغير إلا بتطور طبيعي للشعب ينفتح على معطيات جديدة تبرّر مراجعة نصه الحاكم.

إنها الفرصة..فرصة أن نعيش سيادتنا..مواطنتنا..تآخينا الحقيقي وليس التضليلي..

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لا سم ولا عسل يا أستاذ محمد. الأمر لا يتعلق بأيديولوجيا بل بخيار شعبي حقيقي يريد التغيير عبر انتخاب مؤسساته بكل سيادة ثم ممارسة هذه السيادة في كل مجالات التسيير والفصل بين السلطات وتفعيل الرقابة على صرف المال العام وليس في السياسة فقط. الثورة سلمية وواعية فلا داعي الخوف منها أو عليها.

  2. كالعادة مقال دس السم في العسل وكأنك كنت تريد ان تصبح الجزائر افغانستان على يد على بالحاج هؤلاء لا يؤمنون بالديمقراطية والنظام الجمهوري والصندوق وكان يجب ايقافهم اما المعارضة فهي اسوأ من الموالاة وشاركت كلها في الحكم وفشلت ليس لها اي برامج هم يرفضون التغيير في احزابهم ويطالبون بتغيير النظام الشعب اليوم رفضهم كلهم قرأت مؤخرا دراسة اعدها الجيش في سنة 2004 تقول انه اذا اردنا المرور الى الجمهورية الثانية وان تكون الجزائر في طريق التقدم والازدهار دولة حديثة القانون فيها هو السيد يجب حل جميع الاحزاب والنقابات والجمعيات لانها كلها فاسدة ينخرها الفساد وانشاء قانون جديد للاحزاب لاتكون الاحزاب الجديدة على اساس ديني او هوية او طائفية ولا يحكمها كل من هب ودب احزاب وطنية حقيقية يحكمها شباب دكاترة لها برامج حقيقية وواقعية تعمل لصالح الجزائر فقط لقد وصف الجيش الوطني الشعبي علاج حقيقي للجزائر نمر للجمهورية الثانية بجسم سليم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here