جمال بوزيان: الجزائر.. مبادرات ومبارزات

جمال بوزيان

   بداية؛ تختلف المبادرات السياسية لحل أزمات تحدث في البُلدان حال المنظومات التي تعتمد الشورى والديمقراطية والحوار وغيرها من وسائل التفاهم الحضاري؛ وحال المنظومات التي تغتصب السُّلطة والثروة مثل دول العالَم الثالث؛ وتتعنت في سياسات القمع والخداع وشراء الذمم؛ وتجديد نفسها بما يضمن لها الاستمرار في الحكم بهكذا طرائق ملتوية بعيدة كل البعد عن الممارسة السياسية.

   لا تزال جيوش العالَم الثالث ترى أنها الفاعل الحقيقي في قيادة البُلدان؛ ولا حق للشعوب في ذلك… بل ترى أن الجيش وحده هو باني الدولة؛ ولا يمكن التفريط في قيادتها ولو كلفه اغتيال الأبرياء في رابعة النهار؛ وما أبلغ الأحداث التي تشهد على ذلك عبر التاريخ.

   لقد كثرت المبادرات في الجزائر منذ الاستقلال يوم 5 جويلية/تموز 1962 لرأب الصدع الذي نخر الجسم السياسي المختلط بالجسم العسكري؛ وازداد السوس شراسة بعد استفراد أُسَر بحُكم البلد والاستحواذ على خيراته؛ وكأن الشعب الجزائري في غِنًى عنها.

حتى الآن؛ لم يستطع «مغتصبو السُّلطة والثروة» من بناء دولة الحق والحرية والعدل والأمان… لقد كانت «عُصب» تتصارع في ما بينها حول “السُّلطة والثروة” مما عجل بانفجارات في محطات تاريخية كثيرة؛ أشهرها أحداث الخامس من أكتوبر/ تشرين الثاني 1988.

   إن ما حدث ذات يوم 22 فبراير 2019  أرخ لبداية عهد جديد بكل المقاييس… حيث أسقط “الحراك الشعبي السلمي” كل أوراق التوت الباقية لـ”مغتصبي السُّلطة والثروة” في الجزائر… وأربك عقولهم السياسوية وأدخلهم جحورهم وأودعهم السجون عقابا على ما اقترفوه في حق شعب مسالم يحمل الخير للجزائريين وللبلد.

   نتساءل؛ وقد تساءلنا سابقا: من يخيط دساتير الجزائر؟ ولماذا لا تلتزم سُلطات البلد بها؟ ويتباكى عليها “مغتصبو السُّلطة والثروة” كل حين… لماذا تُغيَّب الحريات الفردية والجماعية؟

لماذا يضغط على الأحرار في وسائل الإعلام والصحافة؟.

إن “الحراك الشعبي السلمي” في الجزائر لا ينتظر حلا للأزمة التي أحدثتها “شرذمة من المنتفعين” في كل المجالات منذ الاستقلال الهش… ولا ينتظر حوارا حقيقيا من “لجنة الستة” التي فرضتها “سُلطة الأمر الواقع” التي تُجيد تَجديد «الأقنعة» لـ«الاستمرار في الـحُكم»؛ لكن أحرار الجزائر يظلون مُقاوِمين.

في حين يتسامى «الحراك الشعبي السلمي» في هدوئه رغم الاستفزازات؛ ويظل أيقونة لكل «أحرار العالَم»؛ ولا ينتظر انتخابات رئاسية حرة في ظل حكومة زورت ومستعدة للتزوير؛ وتلك من مهماتها.

   إن “الحراك الشعبي السلمي” المستمر كل جمعة وثلاثاء شل أجهزة القهر والاستعباد والاستبداد؛ وأربك “السُّلطة الحالية” وصيَّر معادلاتها متراجحات؛ والكفة لصالحه بتعبير الميزان… ويظل “أفضل بديل” لـ”سُلطة فاشلة عاجزة” بكل المعايير.

 وذي “سُلطة الأمر الواقع” تجرب وجوها نكرة بمساحيق جديدة لمراوغة الذين ساروا في فلكها بأنها جادة في الحوار؛ وأنها تقوم بإجراءات تهدئة… لكن أي حوار؟ حوار حول انتخابات رئاسية فقط؛ ليس لأجل ذلك قامت ثورة الجزائريين السلمية.

   إن «لجنة الستة» مثل «فجر كاذب»؛ والحديث عنها هدر لجهود «الحراك الشعبي السلمي» … وها هو يؤكد كل يوم جمعة وثلاثاء أنه لن يصير لقمة سائغة تنهشها «أنياب المتآمرين»؛ وتلتقطها «ملاعق الانتهازيين».

   أثناء الأمواج العاتية؛ لا تزال «فرنسا» تحشر أنفها وبقوة في كل شؤون الجزائر… وذا التقرير السري المنسوب لـ«سفير»ها في الجزائر يؤكد ذلك… ويبقى «الحراك السلمي» بجمعة شعبه وثلاثاء طلبته عصيا على «مغتصبي السُّلطة والثروة» رغم «محاولات الوأد والوعيد».

   ويقاوم باقتدار كل «العقبات» التي تصطنعها «سُلطة الأمر الواقع» سرا وعلنا… دون ريب؛ «الحراك الشعبي السلمي» في الجزائر يَقوَى ويَبقَى بالأحرار الذين يجتهدون في شعارات تُعيد الأمل وتكسر الدجل… وذي أهازيجهم تقاوم عناد «مغتصبي السُّلطة والثروة»؛ لا سيما

في هذا الظرف الحساس جدا؛ حيث أن “فرنسا” تستنبت «مخابر» جديدة لها في الجزائر لتأسيس «طفيليات» أخرى تلتهم مقدرات البلد؛ وتبقيه “حديقة خلفية” لها.

   إن «فرنسا» تَرضَى بـ«شخص تابع» يَحمِي «مصالحها» تُعيِّنه «العلبة السوداء» لـ«حُكم الجزائر»… لكن مستقبل الجزائر يقرره الشعب وحده؛ ولا تقرره «فرنسا» و«سُلطة غير شرعية» في ضوء ثورة سلمية.

حتى استبدال اللسان الفرنسي بالإنكليزي في البحث العلمي رغم أنه خيار شعبي لكن “السُّلطة الحالية” تسعى لاستثماره بكل الطرق… ولن يكسر قيود الاستعباد إلا الأحرار؛ ولن يهد الاستبداد إلا أهل الشورى؛ ولن يلجم الإفساد إلا ذوو الإصلاح.

خطوات جديدة ماكرة لوأد «الحراك الشعبي السلمي» بعد استدراج بعض “الـمعارضين”؛ وبعد شبه ندوة صحفية عاثرة.

   تولد المبادرات كل حين؛ وقد فاقت 80 مبادرة… من أشهرها “مبادرة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي”؛ و”مبادرة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”؛ وهما مبادرتان متوازنتان إلى حد بعيد لتطويق أزمات الجزائر المتراكمة وحلها بالحوار والشفافية والمسؤولية… لكن تتضاعف المبارزات؛ وتزداد تغذية الصراعات الاثنية بين الجزائريين؛ وتتنامى محاولات كسر “الإرادة الشعبية” وهدم “الوحدة الشعبية” التي أجمعت على رحيل “العصابة” كل العصابة.

   وأخيرا؛ إن «الحراك الشعبي السلمي» في الجزائر؛ وهو يؤكد اليوم في الجمعة الـ25 رفضه لأي تقسيم له على أساس عرقي ولساني وفكري وسياسي وجغرافي واجتماعي… ويثبت أنه يدرك محاولات وأده عبر مناورات فاشلة.

وبهكذا رؤية؛ يستطيع بلورة «مبادرة» واحدة قادرة على فضح سياسات “سُلطة الأمر الواقع” التي تختلق مبادرات وتزكيها سرا وتدعمها إعلاميا وصحفيا لكنها لا ترقى إلى مصاف المبادرات التي تقترح حلولا ترضي الشعب كله في ظل أزمات سياسية واقتصادية وثقافية تعصف بالبلد مثل تسونامي جارف… وهو ما لم تدركه “السُّلطة الحالية”.

 كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here