جمال الشلبي: كاتدرائية نوتر دام دو باريس المحترقة: درس فرنسي بالانتصار

جمال الشلبي

بعيداً عن مواقف فرنسا العربية، تاريخياً وسياسياً هنا أو هناك، غير المتوافقة مع هذه الدولة أو تلك، لا يمكن لأي إنسان عادي يملك قليل من العقل والقلب والروح الإنسانية المحايدة إلا أن يتأثر بما جرى لكاتدرائية نوتر دام دو باريس التي تمثل أجمل ما قدمه الفن المعماري القوتي منذ عام 1163، وأجمل ما قدمه فيكتور هيغو من رواية حملت اسم” احدب نوتردام” عام 1831″ تيمنناً بهذا المكان المقدس دينياً، وتاريخياً، ومعمارياً.

بالتأكيد، ان هذا الحدث المهم والمحزن بآن لم يكن متوقعاً، خاصة وأن عمليات التجديد والترميم قائمة منذ سنوات بعدما نشرت صحيفة النيورك تايمز في عام 2017 تقريراً يشير إلى “الوضع المأساوي” الذي وصلت  إليه حالة نوتردام من تعب التاريخ والبيئة؛ أي أنها كانت ضمن تصورات “العقل السياسي والفني” لعاصمة الجمال والنور لكي تكون في أوج رونقها وجاذبيتها.

تاريخياً، لقد تعرضت هذه الكاتدرائية – التي يزورها يوميا30 الف زائر مؤمن، ومحب للفن، ومحب للإستطلاع-  للكثير من الفترات العصيبة والصدمات التاريخية والسياسية القاتلة كان أهمها عندما قام الثوار الفرنسيون عام 1789 بتدمير 28 تمثالاً أثرياً لملوك داخل الكاتدرائية بسبب كراهيتهم للملكية والأرستقراطية، واعتبار الكاتدرائية رمزاً للأرستقراطية التي قام الشعب بالثورة عليها، ولم ينجُ من التدمير سوى تمثال واحد للسيدة مريم العذراء عليها السلام.

وعلى كل حال، على الرغم من حالة الحريق المدمرة للكثير من أجزاء الكنيسية إلا أن ركائزها وقواعدها – كما يؤكد فنيوا العمارة الفرنسية- ما زالت سليمة إلى حد كبير، ويزداد الأمل لدى محبي نوتردام دو باريس بأن تعلن انتصارها على الدمار والحريق والموت بعودة روحها الباريسية لها بفضل 700-1000 مليون يورو خصصت- إلى الآن- من جانب الدولة والشركات الكبرى التي على رأسها “شركة لوريال العالمية” التي خصصت لوحدها 200 مليون يور لترميمها وبنائها وإعادة ألقها وحضورها البهي خلال الـ 10-15عاماً القادمة، إذ أن هناك الكثير من أصحاب الذوق الرفيع، والرؤية الإنسانية العميقة في هذا العالم ينتظر بشوق، وشغف، وفرح هذه العودة!.

بالنسبة لي، كعربي بعيد عن الحدث – وان كنت أشعر بأنه يمس قلبي وروحي، وأنا الذي كنت أسكن في مكان لا يبعد عنه أكثر من كيلو واحد{ لوكاردينال لوموان}، وأمر شبه يومياً ذاهباً لجامعتي { باريس2- السوروبون} في الحي اللاتيني، أو لأخذ قهوة من مقاهيها المنتشرة على جانبي نهر السين المشهور- تابعت ردود الفعل على القنوات الفرنسية من مؤمنين مسيحيين، وغير مؤمنين، وعلمانيين، نساء ورجال، وشباب وكبار السن، فلاحظت كم هذا الشعب كبير وعريق في مواجهة الأزمات والتهديدات، إذ أن الكل يؤكد بثقة بأن ما حدث ما ماهو إلا “سكين” في خاصرة الأمة ولكنها لن تقتلها، وأنها أزمة كبقية الأزمات السابقة واللاحقة، وأنه في المستقبل القريب ستعود الكاتدرائية إلى سابق عهدها قبل 15 نيسان/ أبريل 2019 المشؤوم، لا سيما في ظل التكاتف الرسمي والشعبي، والديني والعلماني للمحافظة على أحد أركان “روح الأمة” الفرنسية: نوتردام دو باريس.

باختصار، كاتدرائية نوتردام دو باريس ستطفئ كل النيران والدمار والانهيار هنا وهناك، عبر الدعوات والقلوب العاشقة للفن، والجمال، والإنسان بتجلياته المختلفة، وباختلاف فضائاته الجغرافية الممتدة.

أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. كلام راءع وكل من زار هدا المكان العظيم يشعر نفس الشيء والشعب الفرنسي مر باوقات اسوء واستطاع اخروج بحال افضل مما كان بسبب تضامنهم مع بعض فقط انظر ا بيومين تم جمع ما يقرب مليار دولار

  2. استغرب كيف لم يصيب هذه الكاتدرائية قنابل وصواريخ النازي في الحرب العالمية الثانية … قبل استسلام فرنسا وأزعم ولهذا السبب خوفا من دمارها استسلمت فرنسا للنازي … ووقف هتلر في ميدان شهير يضرب الارض فرحاً وزهواً بالنصر الساحق!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here