جمال اكاديري: صفقة ترامب الإحتيالية

جمال اكاديري

اتضح الان بشكل واضح،   ان صفقة  الرئيس الامريكي ترامب ،  تتلبس مسحة تجارية محضة لاتشوبها شائبة ، وأنها ابعد من أن تنتمي إلى سجل تاريخ  السياسة العريق  في فن تصريف التوافقات دون إحلال الضرر  باي طرف من  أصحاب الحق المتنازع عليه   .

– الصفقة  تبين قبل حتى إعلانها ،   أنها  خروج أرعن عن الإجماع الدولي  الدبلوماسي .

فلقد قوضت ، كل العقود والمواثيق العادلة ، المستندة  على حلول التسوية ،   وتحولت إلى تكشيرة سياسية عجيبة في اللامبالاة ،  بإنكار معظم الحقوق السيادية المعترف بها للفلسطينيين ،  بموجب الشرعية الدولية  و باعتراف حتى عقلاء من تكتل اليسار الإسرائيلي الأكثر تقدما وتوازنا في رؤيتهم لخطة السلام الثنائي العادل .

– بل  ذهبت هذه الصفقة الشاردة في طيات مضامينها الى  النداء بمحاولة اجهاض  مشروع الدولة الفلسطينية و  القدس الشرقية كعاصمة  لها  -إلى جنب الدولة  الإسرائيلية  المحتلة –    الشيء الذي  فيه من الرعونة  أكثر من الحماقة

هذه الصفقة التجارية البلهاء ، التي أعدها فريق ترامب والتي عمدها مستشاروه بصفقة القرن ،  ستبقى أكبر  عرض يتسم بالاحتيال ، ويشبه في مناحيه نفس خدعة صفقات الائتمان الادخاري  التي شهدت اطوارها بورصة وول ستريت  وتوالت عواقبها حتى سببت في أزمة  مالية على المستوى العالمي سنة 2008 .

فان كان الهدف  من حيث المبدأ هو حل النزاع  الفلسطيني – الإسرائيلي  ، كما يطلقون عليه ،  و الذي دام أكثر من  سبعين عاما  ؛ ودوما ليس لصالح الجهة المتضررة منه ؛  فالمؤكد ان تنزيل هذا الهدف- البرنامج  سيصير حتى ولو  من باب الافتراض و حتى بتوافق مع الدول العربية المساندة له  ، إلى تصفية نهائية لملف فلسطين ، و افراغه من كل محتواه الحقوقي والسياسي والتاريخي ، واخراجه بالقوة  من  تداولات القانون الدولي واعرافه ورميه في سلة المساوامات التجارية  .

 و لهذا من المحتمل ، مستقبلا  ، ان يدرج تاريخيا  في عمليات الحرث الاحتيالي البائر ، التي تخلف من وراءها كثير من الزوبعة ، دون أن تعطي شيئا  قابلا  للنمو ، و قابل  للإحتكام المنصف العادل .

–    لأن أسباب العقم بينة  ،مند بداية ولاية ترامب ، وخطته الكارثية في إحلال السلام ،  بحيث تتلخص في تعارض ، وبالمطلق ،  مع الإجماع  الدولي و حتى ذلك  الاجماع الديبلوماسي  الأمريكي التقليدي حول  الوفاق الحقيقي  على ثلاثية  :

  عودة  القدس الشرقية كعاصمة للفلسطنيين و افراغ المستوطنات من الضفة وطبعا الملف الشائك حول  عودة اللاجئين المنفيين  قسرا .

– وللتذكير فهذه الصفقة المتعثرة ، وليدة إجراءات سابقة  :

– وذلك  ، من خلال الاعتراف من جانب ادارة ترامب  بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها ؛   والاعتراف ، وكذالك ،  بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية وعلى مخيمات المستوطنات المحتلة فوق اراضي الضفة الغربية وجزء من قطاع غزة والقدس الشرقية .

فاذن الصفقة مشبوهة  وآفتها الاساسية تأتي من الصفة المهنية التي كان يتقلدها هؤلاء  المحامون التجار  :  غرينبلات ، وفريدمان ،  وصهر ترامب المدعو كوشنر  .

خبرتهم في مجال الديبلوماسية الخارجية شبه منعدمة ،  تتوقف على خدمة مصالحهم  ، في إدارة قضايا  عقار الاستيطان ،  و تأمين تدفق أموال الطوائف الإنجيلية إليه ، املا  في تحقيق الوعد على  جبل  صهيون كما هو مدون في المخيلة التوراتية .

– فهم  لا يتمتعون بأي مؤهلات دبلوماسية في التفاوض المنصف العادل ، وأي معرفة موسعة بمشاكل الشرق الأوسط  الجيو-سياسية ، للحسم  بشكل سليم ( ومقبول من طرف الجميع ) في قضايا سياسية دولية بمثل هذا  التشابك والثقل التاريخي  .

اساليب وطرق تداول سندات العقارات  على مستوى البورصات ،   هي المستلهمة  في تنفيذ هذه الخطة ، مع تزيينها بكل الإغراءات  التجارية .

فالمطلوب من فرسان بعثة ترامب ، هو   تعبئة صندوق مساعدات بقيمة عشرات  الملايير من  الدولارات المنهوبة  من جيوب  الحكومات العربية الحليفة ، لتحقيق مشاريع  تتمثل في  تحديث البنيات التحتية  وتوفير التكوين المهني والاداري  وتحفيز الاقتصاد على  الأراضي الفلسطينية  كل هذا  مع دعوة  الفلسطينيين ،   للتخلي  عن أغلبية  الأراضي الأخرى المطالب باسترجاعها والتي هي تحت سطوة  الاستيطان  ،  علاوة على أن يتنازلوا  مستقبلا عن حقوقهم السيادية التاريخية  المنصوص عليها في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة .

  فكما يبدو فهي مطالب مجنونة لتذليل وإهانة  كرامة شعب تاريخي عريق

كل هذا  لأن  الشعب الفلسطيني ، وليس قادته المتعنتين حسب فهم فريق ترامب ،  هو المستهدف  اغراءه  ، أو لنقل اصطياده ،  بإلقاء  طعم صنارة  الاقتصاد المزدهر المحلوم به ،  ووعد مخادع بتحسين الظروف المعيشية للساكنة الفليسطينية المتضررة من البطالة الناتجة عن الحصار  ،  إلى ما هو أفضل واحسن  دخلا من معيشة كل  مواطني  الدول المجاورة .

– فالفلسطينيون كما يعدهم مخطط تلك الصفقة المحجوبة التي لم يعلن عن تفاصيلها،  سينعمون بنفس مستوى  الرفاهية الإسرائيلية  و يقتسمون معهم ثمار الصناعة التكنولوجية الحديثة ،  إذا فقط  أصحاب الأرض ،   خنعوا    للسلام وتنازلوا  عن المطالبة بحقوقهم !!

 استراتيجية السلام هذه من خلال صفقة الاقتصاد  ، والتي تستجيب   للحلم المشروع بالإزدهار ، ولكنها تتجاهل عمدا ، حقوق الفلسطينيين التاريخية كشعب ،   ليست طارئة .

–  فلقد سبق أن لمح لها  رئيس دولة إسرائيل السابق شيمون بيريز في عدد من حواراته مع صحافيي  الإعلام الفرنسي في تسعينات القرن الماضي  .

–  ربما هذه هي المرة الأولى ، التي تشكل فيها عرضا أمريكيا  مغريا ، حابلا بوعود  لكسب أموال ،  مقابل  خطة سلام مقترحة على الفلسطينيين بشرط أن يكونوا منظبطين إلى مايملى عليهم مستقبلا .

– ولكن الحقيقة هي أن ” صفقة القرن” ليست مجرد خطة سرية أعدها المبعوث الأميركي  كوشنر  في الكواليس   مع بعض كبار المسؤولين الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل

إنه زواج المصالح المالية بين حكومات الشرق الاوسط الحليفة لأمريكا ترامب و الجهات المستفيدة من كل هذه الرقصات التفاوضية التي تقوي حضور أفكار اليمين الإسرائيلي الأكثر استئصالا وغطرسة.

 – لأنه بالطبع لم تجد الحقوق الفلسطينية ولا الطموحات التحررية التي ناضلت من أجلها قوى التحرر العالمي ،  أدنى صدى في هذه الخطة – الصفقة  التي تريد أن تكون إشهارا اقتصاديا  أمريكيا  محضا  لاغير .

لذلك  ليست صفقة  ترامب  في تفاصيلها التقنية –  التي لم يعلن عنها بعد – هو  مايهم ، بل ظرفيتها وتداعياتها غير المسبوقة بينما يستمر العالم  في الانشغال  بأزماته وكوارثه  .

– مبادرة ترامب هي المماثل السياسي للهجمة التكتيكية الخاطفة عن طريق إلغاء كل اتفاقيات سابقيه من الرؤساء في مايتعلق بالمفاوضات التي لاتخدم مصالح امريكا ولا رعاياها من الدول الحليفة .

ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول العربية بشكل يائس النجاة من التوترات الداخلية (ليبيا الجزائر  السودان )     تُتاح للولايات المتحدة وإسرائيل  فسحة لتغيير بوصلة السياسة في المنطقة ، بوضع الحقوق الفلسطينية  على كف عفريت وجرها للتنازل

و في نفس الوقت جعل إيران  (وليس حملات  إسرائيل العسكرية الهوجاء ) هي  الهدف المشترك المطلوب إسقاطه.

كاتب -باحث  2019 /6

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here