جمال اكاديري: جدار انعتاق برلين وجدار الصهيونية العنصري

جمال اكاديري

الاحتفال بالذكرى الثلاثون ، لسقوط حائط برلين يذكرنا بتلك الحظة التاريخية ، التي شهد فيها العالم ، انهيار الجدار الفاصل بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية ،  تزامنا مع بوادر  مؤشرات ،  تؤكد  وقتها ، أن ماكان يسمى  بالحرب الباردة ، بين أكبر  المعسكرين ، المعسكر الاشتراكي والمعسكر الليبرالي الرأسمالي ،  قد أوشكت على الانتهاء ، و ستفتح عهدا مختلفا ، على جميع الأصعدة ، ستتمخض عنه  تحالفات سياسية ، و توازنات اقتصادية ،  لترسيم خريطة نظام  عالمي جديد .

   لكن هذا الاحتفال ، لن ينسينا أن ظاهرة  إقامة الحدود التعسفية ، وبناء الجدران الخرسانية  العازلة ، المحاطة بالأسلاك الشائكة ، ستظل ممارسة مبرمجة و راسخة ، حتى يومنا هذا، في اجندات كيانات عسكرية دولية استعمارية ، وان اثارها ، مازالت لعقود موشومة ، على  لحم شعوب مضطهدة ، ومهجرة من أراضيها  بالقوة ، كما هو راهنا حال الشعب الفلسطيني  المشتت ، والمحاصر في الداخل و المشرد في المنافي القسرية .

 لن نبحث ، عن أوجه الشبه بين الجدارين لاعتبارين :  اولهما ، ان جدار برلين ، الذي سمي  بجدار العار ،  كان يرسم حدودا اصطناعية ووهمية ، بين أفراد الشعب الألماني الواحد ، تحت اكراهات أيديولوجية ، قسمت أبناءه غصبا ، فتم التخلص منه لتوحيدهم من جديد ،

اما جدار الفصل العنصري الإسرائيلي ، الذي قضم جزءا كبيرا  من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ، بدون وجه حق ، فهو جدار الخزي والظلم والغصب ،  فقد آثار  غضبا دوليا ، و تحفظات سياسية ، و  تنديدا حقوقيا ، من منظمات غير حكومية رفيعة المستوى ،  منذ موافقة الحكومة الإسرائيلية،  على بنائه عام 2002  ، مع الاستمرار في ذلك لسنوات عدة ، تحت غطاء السرية ، حتى لا تعرف تفاصيل  المنشاءات المحادية له ،؛ المزود أغلبها  بأجهزة استشعار  الكترونية للمراقبة والتوثيق عند نقط العبور .

فلقد اعتبر هذا الجدار العنصري العازل ،   مخالفاً للقانون الدولي في عام 2004 ، من قبل أعلى محكمة في الأمم المتحدة ، وفي عام 2014 ، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ” إن هذا الجدار “يقيد بشكل خطير تحركات الفلسطينيين و يعرقل  وصولهم إلى مناطق الضفة الغربية بأكملها ، ويقضم الأراضي ويمنع وصول  الموارد من أجل تنمية حياة الفلسطينيين “

الجانب الصهيوني ، يحاول أن يدافع عن موقفه ،  بخصوص  بناء هذا  العازل العنصري ،  متذرعا بأن الدافع ، هو  الوقاية الأمنية ،  بعد سلسلة ناجحة من عمليات المقاومة الفلسطينية التي  زعزعت ثكنات إسرائيل وحدودها ،  والتي كانت ردا دفاعيا على همجية عدوان الجيش الصهيوني ، خاصة عند استهدافه ،  بالتفجير  الوحشي  منازل  الساكنة على أراضيها،   وقتل المدنيين العزل ، ظلما و عدوانا و دون أي مبرر قانوني دولي  او شرعي ،  وأمام  شلل العالم وشاشاته المضيئة بدماء وأشلاء الأبرياء

فعلاوة على نهجهم لتكتيك آخر يخفي اطماعهم في السيطرة على مابقي من اراضي الضفة الغربية ببناء مزيدا من المستوطنات  يعتمد الصهاينة المسيسين وكذلك على شعور جماعي افتعلوه حتى صار واسع الانتشار  في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي يقول

بأنه لا مفاوضات السلام ولا العمليات العدوانية المخطط لها  من طرف أركان الجيش   كانت قادرة على وضع حد لردود المقاومة المشروعة

و ان الجدار العنصري  هو الحل الوحيد لمنع الضربات  من الوصول إلى المراكز الحضرية الإسرائيلية وهكذا ومند ذلك الحين  اتخذ هذا التبرير الذي يخفي شيئا آخر  شعبية كبيرة لدرجة ان بعض السياسيين الصهاينة احتكروا أهدافه العنصرية الإقصائية البينة لتوجيه الضغط الشعبي الإسرائيلي  انتخابيا ضد كل ماهو فلسطيني

هناك عتبار ثاني   يجعلنا نتفادى البحث عن  أوجه الشبه بين حدث تحطيم جدار برلين الذي سمح للألمان بالانعتاق من كابوس الاستبداد الشمولي  و معانقة من جديد  حرية الشعوب ذات السيادة   و جدار التمييز  العنصري الذي سيجعل من المستحيل مستقبلا  أن تكون هناك  ثقة بين الساكنة اليهودية المحتلة و اصحاب الارض من الفلسطينيين  المضطهدين والذين يمرون بدون كرامة من حفر  نقط التفتيش يوميا كالمساجين  إما للعمل في حقول اجدادهم المنهوبة باجور زهيدة أو  لمعايدة اهاليهم المحاصرين  في الجانب الآخر

 هذا الحاجز  الخرساني الرازح على قلوبهم كل ساعات  اليوم   لا  يمكن أن يحدد يومًا ما ملامح لدولة فلسطينية مستقبلية  او يديم سلاما مع اليهود كما يأمل بعض الصهاينة الطامحين لتقليص لائحة الخلافات على موائد   التفاوضات المتعثرة

ولهذا فهي فرصة تاريخية  لإصدار قرار دولي بالإجماع يقر  بعدم شرعيته و الأمر بهدمه فورا  .

    كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here