جمال اكاديري: ثنائية الصين وأمريكا وآفة التقاطب

جمال اكاديري

عندما نقتصر على المنظور التجاري في  النزاعات الاقتصادية   ، فإن شد الحبل ،مؤخرا ،  بين الولايات المتحدة والصين ، والذي كان  يمكن أن يؤدي إما إلى تصعيد التوتر الاقتصادي بين البلدين أو الخروج بهدنة ، قد طغى نسبيا على جميع الموضوعات الأخرى للقاءات الدولية مند بداية هذه السنة حتى منتصفها .

 فمرة اخرى ، رئيس امريكا ترامب يظهر  تعجرفه متفوها أن مصالح امريكا  لها كل الأولوية،  لما   ،مثلا ، يهدد  بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية ،  مشهرا سحنة متفاوض متعنت ،   ونافيا أمام العالم ،  بشكل صلف ،  الحاجة الملحة ،  لمناقشة خطورة ظاهرة الاحتباس الحراري على توازن دورة الحياة فوق الكوكب  .

فلقد حاول ، في اخر قمة عالمية ،  المناورة  لفرض خارطة طريقه من خلال اللعب على حبل  التحالفات ،  مع محاولة استغلال ظروف التراخي  ، حول قضايا أساسية مثل المناخ والتجارة ، لفرض وجهات نظر تخدم  مصالح أمريكا  بالأساس .

فكما ان الصين  تبدو لبعض  المهتمين الغربيين ،   موضع إتهام ومؤاخذة ؛  لأنها  خفضت من قيمة عملتها  لتحفيز  دينامية صادراتها  إلى الخارج ،  كذلك بالموازاة ،  كان دوما  مطلب امريكا  من الصين   ،   هو  الوصول العادل إلى أسواقها الاسيوية ، مع مطالبتها باحترام تام للملكية الفكرية ،  و عدم تدخلها كدولة سيادية  بشكل سافر ومزاحم للتنافسية الأجنبية على أراضيها الاقتصادية .

و للاشارة ، هذه هي نفسها المطالب  ،التي كان تدعو لها المجموعة الأوروبية .  لذا نجد أن  الاتحاد الأوروبي  ،كان من جانبه،  يحاول لعب دور الميسر  ، للوصول إلى  اتفاق  يسري في هذا الاتجاه ،  ولقد  قدم  في الدورة السابقة لقمة العشرين  سنة 2018 ،  مقترحات لإصلاح منظمة التجارة العالمية ، بدءاً من هيئة الاستئناف التابعة لهيئة تسوية المنازعات العالمية  ،  التي عرقل سابقا ،   العنيد دونالد ترامب عملها  ،  برفضه تعيين القضاة.

 فمن طبع ترامب أن يدير ،  عنوة  ، ظهره لأي شيء يشبه المناقشات متعددة الأطراف . فهو  يذهب رئسا إلى هذه  اللقاءات ، كما  لو يصعد إلى الحلبة ، يشغله وسواس واحد  :

 أن يجتمع بخصمه وجها لوجه. هذا في حالة اذا  لم يقم  بتغيير ،  مزاجيا  وبرعونة ،  وجهة نظره

 فهو الذي رغب ، كم مرة ، في مقابلة نظيره الرئيس الصيني، و خطط للاجتماع معه لمحاولة وقف تصاعد الأعمال الانتقامية الجمركية بين البلدين .

الا ان الخطر ،  أحيانا،  يكمن في  مثل هذه التقاطبية  في النقاش  بين الصين و امريكا ،  حيث  تتجلى  بوادر  التطاحن  و بالتالي  شبح حرب تجارية مدمرة للنظام المالي العالمي ؛   و لأنها تجري ،  بمعزل  عن مشاركة أطراف من المنتظم الدولي ،   التي ستشكل نقطة توازن  في مجريات أي صراع  .

 و يغفل الكثيرون  أن  مثل هذه الثنائيات والتقاطبات ، في حوار  الفرقاء الكبار ،  ينطمس دور  وجدوى  عقد  المنتديات متعددة الأطراف ( مثل مجموعة العشرين  )  التي أنشئت لهذا الغرض بالضبط .

فلقد صارت الانفرادية والمبادرات الأحادية  هي التي تهيمن ، كما يتضح في التدخل الأمريكي في حرب  العراق  عام 2003.

 هذه العودة  إلى نهج أسلوب  الثنائية  في  عقد الاتفاقات أضحت قوية ،   هاك مثالان: الولايات المتحدة تمارس اتفاقات مع دول معينة لحماية نفسها من المحكمة الجنائية الدولية و تجلس في نفس الوقت   لابرام عديد من الاتفاقات الثنائية  للتحايل على منظمة التجارة العالمية.

فكأن  السياق الدولي  غير مواتٍ لاحتضان المداولات بقبول تعددية الأطراف للمشاركة  ،   فاضحى الوضع يتميز  بعودة قوية إلى الأحادية أو الثنائية في بلورة قرار الاتفاق او الشراكة  ؛ فمع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو مع قرارات ترامب الأحادية أو مع شراهة الصين لفرض حضورها تجاريا على اقتصاديات عديدة  ، المناخ الاقتصادي الدولي  .  لم يعد يسمح  بمسألة تعددية الأطراف في بناء عالم يأخذ في الاعتبار مصالح الكل  .

 انها عودة  للخطاب الايديولوجي الحمائي ، واستخدام القوة الاقتصادية  الناعمة  غير  المستعدة للتعاون  مع الأطراف الأخرى .

.

إذا عدنا إلى الماضي القريب ، و سلطنا الضوء تاريخيا  على علاقات امريكا التجارية  ، سنجدها تنحنو جهة العلاقات الثنائية  و تتفادى أكثر فأكثر   الحوارات المتعددة الأطراف في بلورة نظام تجاري عالمي موحد  .

   تهدف الحوارات التجارية  الثنائية التي تقيمها و ترعاها أمريكا لصالح اقتصادها  الداخلي ، إلى إنشاء إطار دائم للتعاون ،   بينها  و بين الشركاء التجاريين ، التي تعتبرهم  رئيسيين ، و الذين لهم أهمية بالنسبة لنظامها الاقتصادي .

وللنهوض بهذا  وانجاحه،   كانت تضع موسوعة من  جداول الأعمال التجارية والمالية والأمنية والثقافية  تحت تغطية ديبلوماسية مكوكية  ؛ فتعقد  لقاءات واجتماعات رفيعة المستوى وورشات عمل حول المبادرات الرئيسية و والخطط الدولية البعيدة المدى .

 فلعقود  متوالية ،  الحوارات الرئيسية كانت مع أوروبا واليابان ،  وخاصة ان أوروبا هي المنطقة التي تعزز فيها الولايات المتحدة علاقات التجارة الأكثر كثافة ، و أواصر التعاون و القرب السياسي الأكثر تطورا ،  قبل أن تنقلب الأمور ، وتتولد خلافات جانبية مع بعض الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي .

لفترة طويلة ، كانت العلاقات الاقتصادية مع اليابان أكثر صعوبة وتوترا ، الآن أصبحت  أكثر ودا  بكثير . فالتعاون الاقتصادي بين البلدين ، يعتمد بشكل أساسي ، على الشراكة الاقتصادية  من أجل تقوية النمو  ، المبرمة في لقاء  بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء اليباني سنة 2007 ، تماما كما هو الحال

مع أوروبا ،  فتم إطلاق العديد من المبادرات لإيجاد حلول  للقضايا الرئيسية التي كانت تشكل عثرة للتعاون :  الإصلاح التنظيمي لسياسة المنافسة ،

اقامة المنتدى التجاري للحوار الاستراتيجي  ، واطلاق مبادرة الاستثمار  المالي بشكل سلس ومنفتح .

فاليابان  كانت دوما حليف الولايات المتحدة في آسيا على عدة اصعدة ، بما فيها الأمنية ، ومع ذلك علاقاتهما الثنائية عرفت كسوفا  في العقد الأخير ، لصالح الصين.

الصين ، التي هي الآن ، ثاني أكبر شريك تجاري لامريكا ، فلقد أصبحت الصين في وقت قصير قوة دولية تستعرض طموحاتها بدون خجل  مع الحفاظ

على علاقات تجارية ومالية وثيقة للغاية.

لكن من الجانب الأمريكي  ،  لا يبدو أن المسؤولين في واشنطن  كانوا دوما  مطمئنين لهكذا علاقة ،   حتى حلول ولاية ترامب  ، الذي لن يتوانى  بخرم العلاقة ، معلنا الحرب التجارية ، و  فارضا الضرائب الجزائية  ومفاوضا بحذر شديد وعدم ثقة.

كاتب باحث

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here