جمال أكاديري: قصة كارلوس غصن مع الصناعة المغربية

جمال أكاديري

بعد وضع برامج  لتأهيل قطاع الصناعة التقليدية و لإنعاش الصناعة النسيجية مع   ترقية الاستثمارات  في  مجال صناعة قطع الغيار  الخاصة بالطائرات  عن طريق استقبال مساهمين دوليين جدد

قامت الدولة المغربية   في مخططها للإقلاع الصناعي بإدراج  خطة لتوطين صناعة السيارات في المنطقة الحرة  فبادرت بالتعاقد  مع شركات مستثمرة  في الميدان  افتتحتها  بالاستجابة فورا  للعرض الدولي  الذي قدمه آنذاك  المدير التنفيذي ل Renault nissan  كارلوس غصن .

 فوقعت معه في البداية  اتفاقية شراكة وتفاهم  لبناء مصنع تم توفير له خصيصا مساحة مكونة من مئات الهكتارات   و توصيله مباشرة بالميناء المتوسطي عن  طريق مخصص فضلا عن خط مفتوح للسكك الحديدية.

فجاء إذن  رئيس اكبر تحالف  صناعي قوي في قطاع السيارات  (رينو-نيسان-ميتسوبيشي) ، و أكبر منتج لمركباتها  في العالم (الملايين  من العربات ) إلى  بقعة شمال إفريقية مازالت صناعتها الجنينية تبحث عن منفذ لها بين الدول الصاعدة حاملا   تباشير  معجزات تلك العولمة  المحلوم بها و وعودها في تحقيق  طموح  اي دولة  فتية سائرة على طريق النمو تتنافس  بقوة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى أراضيها

 فمند بداية صعود نجم كارلوس غصن  كمدير تنفيذي طموح ومثابر  يخطط ويبحث عن   مواقع ومنصات لزيادة الإنتاج بتكلفة منخفضة   مركزا خاصة على دول أوروبا الشرقية   صارت عروضه وتحركاته  على الصعيد الدولي مراقبة عن كثب من طرف المستثمرين الكبار و   الحاضنين الدوليين و  تثير ايضا انتباه  الكثير من مسؤولي الاقتصاديات الفقيرة صناعيا و الهادفة لعقد اتفاقيات شراكة مع خبراء مصنعين  من هذا الصنف طمعا في تسريع سيرورة إقلاعها الاقتصادي وبغية استجلاب  مهارات تقنية فنية تحسب على  دائرة المهن الدولية الأكثر كفاءة و تطلبا      مسؤولوا الدولة المغربية و من  أعلى مستوى  تلقفوا الخبر السار و اطلعوا على البيانات المقترحة و سارعوا بأخذ المبادرة  وفتح الأبواب على مصراعيها للوافد الصناعي الجديد

فتم كما هو معلوم إطلاق مشروع مصنع طنجة  ليبدأ الموقع تدريجيا وبوتيرة متصاعدة في إنتاج  وتركيب نماذج من السيارات مثل  داسيا  أو لوجان  والانطلاق لتصدريها  عالميا تحت سلطة علامة renault  الذي كان دوما راسخا في نظر رجل أعمال مخضرم ككارلوس غصن الذي عرف بالصرامة والسرية في  التدبير  وارتبط همه الاساسي بتحصيل  الفوائد  و الرفع من وتيرة الإنتاج  وجعل المساهمين في البورصة العالمية مطمئنين وكسب ثقتهم في كل خطوة يتخذها هو أن مصنع الشركة المتموقع في منطقة تسمح بمزايا الاستثمار السهل ينبغي أن يتحول أولا و أخيرا  إلى منصة مفتوحة تستوعب كل المشاريع المدرة للربح بأقل تكلفة  وهذه اهم الأولويات  الاستراتيجية للمجموعة كلها كما أشار إلى ذلك مرارا  فإذن صناعة السيارات  بتكلفة جد منخفضة كان هاجس كارلوس غصن الدائم  مند اعتلائه عرشها  في إدارة  الBusiness بحرفية مشهود لها بالنجاعة في إيجاد منافذ الربح السريع فهو لم  يرحل كل قواعد شركة renault  إلى الحاضنة الجديدة  (المغرب) بل إتكأ  بالموازاة مع ذلك على  توقعات  الدولة المغربية في  ان تنجح خطتها الصناعية المعلنة و  المنفتحة على الخارج و تجذب  شركات عالمية مهتمة بالاستثمار في المناطق الصناعية الجديدة، والاستفادة من القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية والعربية والإفريقية، وحتى تلك الراغبة فقط في  الحصول على اتفاقات الشراكة والتسهيلات للتموقع في المناطق الحرة يعني، للتدقيق، ومن الوجهة الاختصاصية،  تلك الاذرع الصناعية من  المشتغلين في قطاع تزويد المركبات بالأجزاء و بالقطع التكميلية  وذلك عن طريق تقديم خدمات و تسهيلات مغرية للإستثمار بدون وضع تقييدات على رساميلها المتنقلة بحيث  ستستفيد كما هو الامر بالنسبة لشركة رونو من انخفاض أجور العمالة الرخيصة لأن الأجر الشهري لن يتجاوز سقف 250 أورو  بالمقارنة مع دول أوروبا الشرقية  التي ارتفع فيها إلى الضعف والتي انسحبت منها كثير  المجموعات الرأسمالية الباحثة عن الربح السريع لهذا السبب.

 توفير مثل هذه التكلفة جد المنخفضة و مايتبعها من الامتيازات  الضريبية هي وقود  الجرافة التي ستجعل  كارلوس غصن  يكتسح أسواق اوروبا و كثير من بقاع الدول الناشئة

فبتصديره المنتوجات الصناعية من المنصة الشمال -إفريقية سيسمح للعلامة التجارية  داسيا (المشتراة سابقا من طرف شركة renault  بثمن بخس سنة 1999) أن تظل قادرة هذه المرة على المنافسة في السوق الأوروبية وغيرها  بحيث لا أحد سيحقق ارباحا بنفس  الحيلة التجارية التدبيرية التي يحبكها و  يحوز أسرارها وألاعيبها التسويقية

كل هذا   لتلميع بريق الواجهة الاستهلاكية   والسماح   للأشخاص الذين  لديهم مدخول محدود  شهريا و إدخارات متعثرة بنكيا  بشراء سيارة  حاملة العلامة التجارية داسيا في انتظار أن  يلتحقوا  بصفوف  زبناء  رونو الفعليين المعروفين بمتطلباتهم فيما يخص الجودة

–  الدولة المغربية خططت لكي تعمل  ضمن نظامين للصناعة :

اولهما نظام المناولة  أو ما يعرف بالإنتاج الكمي المتسلسل على غرار ما تقوم به بعض التجارب الآسيوية  للزيادة في الانتاج بكل السبل حتى لو كان  على حساب متطلبات الجودة  لاستهداف الرفع من مردودية  التصدير ثم تركت أمر   نظام الجودة و ابتكار الموديلات إلى ما ستتمخض عنه تفاعلات تجربة  الشركات الصناعية  الدولية فيما بينها داخل حدودها وهو نظام من الصعب بمكان في المدى المتوسط  أن نتوقع أن الصناعة المحلية ستنجح فيه حتى لو كان  كارلوس غصن قد وعد المسؤلين الرفيعين عندنا  بأن تركيب سيارات  منتوحات رونو ستصل مستقبلا الى 80 في المئة  اعتمادا على  التزود  من سوق المناولة المحلي الذي هو في الاخير ليس إلا  إنتاج خاص بشركات المزودين الأجانب الذين حلوا بالمغرب وطبعا  ليس لاعانته بصبر وتفهم على  تكوين الموارد البشرية و على اتقان  المهن  الجديدة بل همهم الأساسي الهرولة لمواكبة إطلاق رونو لمشروعها الضخم في منطقة حرة سيادية لاتكلفها شيئا … وغم ذلك سيستمر المسؤلون في  التلويح بالمنجزات القادمة   ويرون أن  للمغرب حق  كدولة طموحة في امتلاك الخبرة والتكنولوجيات الحديثة. وان الخطة حتما ستُساهم  في زيادة التدفقات الاستثمارية الخارجية بما يسمح بمعالجة أزمة السيولة النقدية الداخلية.

من وجهة نظرنا  صناعة السيارات برأس المال المغربي لا تزال محدودة للغاية بسبب اختيار الحكومة تسهيل ، و على وجه التحديد ،  ترك الشركات متعددة الجنسيات  اقتحام  هذا الميدان على أراضيها دون عراقيل تقيد جموحها في الاستحواذ على الأسواق دون فائدة تذكر للشركات الصغرى المحلية الا ربما  ما  روج له اعلاميا في فترة ما أن هناك مشروع أو مشروعان باشتراك مع الأجانب لمساعدتهم على تحسين أداء منتوجاتهم التكنولوجية في أفق العمل على إيجاد  فرص  شراكة حقيقية ومتساوية بين المزودين الدوليين المتعاملين مع شركة رونو والممولين المحليين المؤهلين مستقبلا للقيام بهذا على أكمل وجه وحتى لانخفي شمس الحقيقة بالغربال.

هذا الموقف المحرج المتعلق  بنقص المنافسة بين شركات المناولة المغربية الصغيرة مع مصنعي المعدات العالميين هو نتيجة مباشرة لاختيار  كارلوس غصن وأيضا بموافقة من الحكومة المغربية مند بداية  تنزيل منصة  رونو renault الصناعية  بمنطقة طنجة.

فعند بداية المشروع، و بالنظر إلى  قصور  الموردين المحليين في توفير اللازم، التجأت رونو الى خيار استدعاء موردي المعدات الخاصة بها وبجودة كبيرة تفوق منطق الجاذبية منطق زيادة مهارات المنتجين المحليين.

في مقابل ذلك النقص وبالنسبة لكل من الدولة المغربية والشركة المصنعة، كان ذلك هو الحل الوسط والوحيد القادر على الاستجابة بفعالية لمتطلبات إنجاز التحدي بسرعة وبالجودة النسبية وبالتكلفة المدروسة  لإنتاج سيارة خفيفة مصممة للتسويق بالثمن المنخفض كما هو مسطر في أجندتها.

هذا يستدعي منا طرح اسئلة عديدة

هل الدولة المغربية تملك فعلا نظرة براغماتية تعتمد على تكوين شبكة مناولة قادرة على مرافقة مشاريع التصنيع على المدى البعيد فالتقيد  بإستراتجية صناعية  المراد منها خلق قطب صناعي ناشيء في إنتاج مركبات السيارات يتطلب أولا :

ـ شبكة مناولة هامة من عشرات المقاوالات الصغرى والمتوسطة التي تحوز خبرة مؤهلة في صناعة الإكسسوارات والتجهيزات الاخرى التي تدخل في تركيب السيارات

فنسبة ادماج  الشركات في مواكبة هذه الصناعة الأجنبية فقيرة حتى لانقول شبه منعدمة لأن الإستراتيجية التي اعتمدتها الدولة والحكومة  منذ البداية كانت وفي نظر كثير من  المتتبعين  اندفاعية واستباقية  فالمنطقي قبل إطلاق مشاريع من صنف  صناعة للسيارات بشراكة مع  مستثمرين أجانب  دعم  مجال المناولة الذي يعد العصب الحقيقي لأي صناعة ثقيلة أراء الخبراء المعتمدين المحسوبين على مكاتب دراسة المشاريع من صنف mackenzy  كان همهم الوحيد  الدعاية والتسويق  على أن المنطقة الصناعية الحرة في المملكة المغربية ستتبوأ  مكانة القطب الجذاب لصناعة السيارات في شمال إفريقيا كلها

في خلاصة  الدعاية لصناعة حقيقية للسيارات  وإنتاج للمركبات لايتم  دون اقامة شبكة المناولة مسبقا تقوم بصناعة أجزاء قطع الغيار محليا وتصدريها للخارج وتضمن نسبة اندماج كبيرة لشركاتها في مواكبة أي شركة عملاقة كما هو الحال مع  renault.

فالعيب  يقع  كليا  على مصنعي السيارات الأجانب بأنهم لا ينقلون التكنولوجيا والخبرة التقنية الفنية كما يجب  في ميدان مهن السيارات للاستعانة بالمؤهلات البشرية المحلية عوض استدراج مورديها ومزوديها  من خارج البلاد للتمويل بحكم  السبق والتفوق  في العتاد والخبرة

وهذا ماسنتناوله في الجزء الثاني من المقال مع ذكر  إشكاليات أخرى خاصة بتعقيدات الاستثمار الصناعي في  بلد هش اقتصاديا كالمغرب

كاتب- باحث  2019

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الكاتب يعبر عن رأيه الشخصي في مقال طويل و ممّل دون أرقام أو دلائل مجرّد استنتاجات سطحية و أضغاث أحلام. لعلمكم صناعة السيارات في المغرب أصبحت أول الصادرات المغربية بنسبة 25% من مجموع الصادرات و المصدر الأول لجذب العملات الأجنبية يفوق مداخيل الفوسفاط. مقالك القادم لا داعي لنشره، اختر موضوعا آخر غير الإقتصاد و الصناعة، فلها أهلها.

  2. للكاتب المحترم . ولو أنك أعطيت أرقاما كنا سنبني عليها ملاحظات ونفهم حقيقة، إن وُجِدت، تريد أن تفهمنا إياها… أما وقد استعملت الإنشاء والجمل، فنقول لك بأن لا مكان لهما في مواضيع الأعمال والإقتصاد… أخبرك بأن وزير التصنيع مولاي حفيظ العلمي عندما يتكلم يتكلم بالأرقام…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here