جمال أكاديري: المغرب: رسالة إلى أخي الإسلامي المتحزب حول المرأة والحريات العامة

جمال أكاديري

بعد ذهاب الحماية االفرنسية ، التي عمرت نصف قرن ، و ماقدمته من من منجزات عمرانية ، و تركته من بنيات تحتية قوية ، ستتبوأ مكانة الدعامة للدولة المغربية الحديثة ، ستكون كما هو معلوم ، السبب في خلق مدونة قانونية وضعية ، مصاغة مساطيرها بروح حضارية و مدنية ، ستعوض بكفاءة عالية ، جل قوانين العمران الاسلامي العتيق ، و سترافق الى يومنا هذا ، تبرعم الملامح و البنيات الأولى لمجتمع مغربي حقيقي، متعدد في فسيفساء مكوناته و مدمج لكل عرقياته و هوياته الجديدة( بمعنى حتى هوياته الجنسية و العقدية ) التي ستبرز و تترسخ شيئا فشيئا ، بعيدة كل البعد ، (بالتعبير المجازي بعد مكة المكرمة من ثقب مجرة التبانة ) ، عن كل أعراف العصبية القبلية و المذهبيات الدينية المتشنجة العصابية …  ستضفي عليه ( أعني مدونة القانون وليس تعاليم الفقه البدوي الخشن ) مواصفات و معايير معاصرة خرجت من رحم مستجدات الأزمنة الحديثة ، مرفقة بالتدبير الإداري و التخطيط الحداثي العقلاني المتوازن ، لساكنة مدنه الكبرى المهاجرة و النازحة من القرى و المداشر ، و ستبحث عن حلول ملموسة وضعها البشر ، و ليست غيبية سماوية، للتعقيدات الديموغرافية و السكنية و الصحية و القيمية الهوياتية المطروحة آنذاك بإلحاح و التي ستتكاثف مستقبلا …الخ

 فإذن في مناخ تلك الظرفية التاريخية التي عرف فيها المغرب ولادة مجتمع حديث بحلة جديدة و بجيل جديد يقطع نسبيا وليس بالمرة مع شبح حيوات الماضي و دهاليزه المهترئة …. سنشهد نحن على المحك بدورنا تجربة و امتحان عسير في مناقشة موضوع القيم الدينية و الجنسية و السياسية بكل تشابكاتها و صراعاتها

 ستكون فعلا تجربة سياسية داخلية محلية صعبة المراس.. تجربة لمراجعة القيم و ثوابت الهويات المفروضة علينا قسرا  التي لن تعد تعني مبدئا توحيديا لنا كلنا بل سنجبرها ان تصير محط تسوية يعاد التفاوض حولها باستمرار  فالقيم الدينية الهوياتية لم تعد تعين لكل واحد مكانه في فضاء المجتمع و تحدد له هويته الجنسية المفروضة .

 فمند مدة ليست بالقصيرة من عمر المكتسبات التي ناضل من أجلها نساء ورجال أحرار لا يخافون لومة لائم فيما ينادون به ، بالطرق السلمية ، بدأ كثير من المغاربة فعلا يحترمون الحريات الفردية المقدسة و رهانتها و يطالبون هم وكذلك ، بخصوصيتهم على شكل حقوق كونية فردانية حتى لو كانت غير موجبة للتعميم و متعلقة فقط بالأقليات ، و من بينها حقوق المرأة حقوق المثلية الجنسية الحقوق الثقافية و على رأسها الأمازيغية إلخ

بإختصار و بكلمة واحدة :

حق الإختلاف الثري بقيمه المضافة ….

أكيد أن الهندسة الإجتماعية للفضاءات العامة ، بإتاحتها لرافد الاختلاط المدني أن يَسري طبيعيا ،ستعين كثيرا و تُهيأ الحواضر لتعايش تلقائي ، تحت شعار ائتلافي : هو حق المساواة و الإنصاف في الاستعمال العمومي للأمكنة مع محو لكل تمييز أيا كان نوعه

رغم أن هناك تلك القِوى الخفية المُتَربّصَة ، المدفوعة بنزوات قديمة في الكبت و القمع ، تنْشُط عكس التيار الحداثي المرغوب فيه ؛ وُقودُها تلك الرغبة المستميتة في ضبط العلاقات و رصد السلوكات دينيا ، و حصرها بما يتوافق مع أحكام وأعراف قيمية تاريخية ، فرضت نفسها غصبا في فترة حرجة ، على نظام الحياة العامة.

فلهذا حين ننعت أحيانا قطيعا من المارقين و الخارجين عن ثقافة التسامح و عادات الإختلاف الصحي التي طبعت تاريخ هذه البقعة الجغرافية العريقة التي تسمى المغرب الأقصى بالتطرف فهذا يبقى في إطار المعيار الوصفي لظاهرة شائكة أبتلينا بها في مرحلة معينة من تاريخنا ( بعد ذهاب فترة الحماية الفرنسية وصدمتها الحداثية وماغرسته فينا كقيم كونية تتحدر من ينابيع ثورة الأنوار )

 و اضطرارا حين هبت على ربوعنا رياح التأسلم السياسي الكاسح حاملة بذور مشروع قومة الخلافة الموهومة ….

اما بخصوص العقد الإجتماعي الوضعي المدني المفترض فلقد تم إ جهاضه من طرف من ركبوا موجة مظاهرات 20 فبراير و تنصلوا منها بعد قضاء حاجتهم في استعراض جيوش الأتباع و إجهاضهم أهم بنود المسودة الأولى التي تراجع عنها النظام و على رأسها بند حرية المعتقد المطلقة من كل قيد … الان سأحدثك عن صور متقاطبة للمرأة المغربية وما آلت إليه فعند محاولة تشخيص التحولات البارزة التي عرفتها الصورة النمطية للمرأة المغربية في هذا العقد الأخير ، نقف على هذا التقاطب الحاد بين نموذجين من النساء بالإضافة إلى تصنيفات أخرى من وجهة مقارباتية سوسبولوجية صرف:

1- لدينا المجاهدة المنقبة ( أرملة أخطر و أشهر إرهابي مغربي قتل من طرف السلطات السعودية و الذي كان يتقلد منصب الذراع العسكري لابن لادن ) السيدة السلفية المتشددة فتيحة المجاطي التي كانت تعيش بين ظهرانينا لفترة غير هينة قبل أن تلتحق بدولة ما يصطلح عليه اعلاميا بداعش كملحقة بمكتب تجنيد نساء الهجرة لتطبيق شعيرة جهاد النكاح

2- ثم تزامنا ظهر لدينا نموذج نسائي مختلف يمكن تسطيره في خانة التمثيل و الفن السينمائي و أداء الأدوار الجريئة

 فمن باب المقارنة ، الأولى ،همها أن تجاهد بتحصين جسدها المقمط المحجوب عن خائنة الأعين، درءا للوقوع في غمرة الشبهات ، فتهرب ، كما تعتقد ، من براثين المجتمع الفاسد ، المتهالك ، المصاب بسموم المحرمات والمطوق بالفسق ، للذهاب و معانقة ، ماتعتقده هي ، قضية مجاهديها الأشاوس ، قضية من تبوئهن عقائديا مكانة فرسان الصحوة الإسلامية الجديدة، واهبة بالجملة حياتها كفداء طمعا في الشهادة، ربما بحثا عن مثال رباني متجسد في إنبعاث الخلافة الميمونة، أو في صورة أصيلة مطابقة لقدسية فتوحات مكة في بداية الدعوة ، طبعا بعيدا عن فحش الأجساد العارية و فجور الصور التي ، كانت كما تندد تملأ الهواء و الأمكنة في محيطها الحداثي المتمدن .

والنموذج الثاني هو الفنانة الممثلة التي تمثل في نظر المعتدلين الدينيين ( أتباع التيارات الإسلامية المتحزبة ) سمات الوسط غير النظيف ، المقترن بالفن المُنحلّ ، و تهتّك موضة الرقص و تعاطي مشاهد الجنس الإباحية ، ونتاج لسلوكيات الاختلاط واحتكاك الحشود في الساحات و ملاهي العري و المجون ، و بالتالي في نظرهم أمثالها هن تباشير لعودة مقيتة لجاهلية العصور القديمة فعلا هذان النموذجان الخارجان من رحم قاع المجتمع المغربي ، يستحقان قراءة سيمائية دالة ، توضح أكثر هذا الشرخ والتقاطب الذي انتهى إليه المسار النسائي الحديث عندنا في توليد وبلورة بروفايلات لشخصيات نسائية متضادة و تغامر و تكابد في تجريب أقدارها الإستثنائية إلى حد ما كل واحدة منهن على حدة .

فضلا عن النماذج النسائية أعلاه التي سقناها هنا من باب الثمتيل نعرج على صور نسائية أخرى فليكن في علمك أخي الإسلامي المتحزب أن هناك برلمانية مغربية مسلمة تحمل الجتسية الهولندية التي تدافع عن السحاقيات les lesbiennes ولم يشر لهذا أحد أعني دفاعها عن مثل هذه القضايا !!

فعند انتخاب البرلمانية خديجة عريب ذات الأصول المغربية رئيسة للبرلمان الهولندي، لتصبح أول شخص من أصول مهاجرة يتولى هذا المنصب مما ثار إنتباهنا هو أن الجاليات الإسلامية والجالية المغربية بشكل خاص استقبلت خبر فوز البرلمانية برئاسة البرلمان الهولندى بارتياح : معتبرين أولا ان ذلك انتصاراً للإسلام والمسلمين والمغاربة على عنصرية خيرت فيلدرز وحزب اليمينى المتطرف الذى ينشر الكره والحقد ضد المسلمين والمغاربة….. بالإضافة الى هذا إستطاعت المراة المسلمة ان تثبت للجميع أنها يمكنها أن تحقق نجاحات كبيرة فى عالم السياسة، وأن الإرهاب لم يؤثر كثيرا على العقلية الهولندية .بدليل انتخابها كرئيسة للبرلمان. .. نفس التصريحات تقريبا سترددها بعض المنابر المغربية حين تمت إذاعة خبر فوزها داخليا مركزة خاصة على أصولها المغاربية و هويتها الإسلامية……. حسنا جدا

 لكن حينها لم نقرأ حرفا واحدا عن جانب آخر شكل جزءا مهما من مسار حياتها الطويل و نشاطها الإجتماعي الفاعل للدفاع عن حقوق النساء وحريتهن الفردية مند اهتمامها بقضية المثلية الجنسية عند النساء السحاقيات بالتعبير العربي الدارج les lesbiennes خاصة وأنها اكتشفت أن أكبر بناتها لها ميولات جنسية قوية تجاه النساء، فألفت كتابا على شكل بحث مطول حول موضوع حياة النساء السحاقيات في ثلاث دول مصر العراق والمغرب بعنوان ” الله خلقنا هكذا”  خلصت فيه الا أن المثلية الجنسية عند النساء غير محرمة في الاسلام ومعطية تأويلا اجتهاديا خاص لقصة لوط في القرآن !

 فهل فعلا إمرأة سياسية تصنف في خانة نخبة الجالية المغربية بالخارج لها مثل هذه الآراء الجريئة عن حقوق الحريات الفردية ستشرف فعلا ثابت من ثوابت تلك الهوية المحافظة المتشبث بها و المنصوص عليها في تلك الشعارات المتهاتفة من طرفكم أخي الإسلامي المتحزب؟

ولنختمها بهذا اللغز الأنثربولوجي الثقافي فبعد وصول الاسلام لأقصى الغرب الافريقي في القرن الثامن لماذا لم تنمح إلى الأبد مثل تلك الوجوه التاريخية أعني وجوه النساء الموشومة؟

لم تنجح الأعراف الدينية وذهنية التحريم التي تدوزن نصوصه المقدسة و لا حتى سياج الإنغلاق الفقهي الدغمائي المتحجر الذي يسورها بطابوهات من الخارج أن تفرغ قوة مثل هذه الوجوه الفيزيقية من جمالية أبجدية الوشم ، و لا من رموزه الإثنية الثقافية التاريخية المتشابكة المكثفة ، المكوية حرفا حرف على لحم الوجوه …

فنحن لا نشبع لا من النظر و لا من التأمل و لا من القراءة في حفريات كتاب هذا الوجوه والسفر بعيدا في تاريخ جغرافيات الجسد الأنثوي المغربي و إنغراسه في جبال وهضاب و سهول هذه الأرض المباركة …

ولا نخفيك أنه ذكرنا بوجوه نساء قريبات غادرن هذا العالم يتحدرنا من نفس النبع والشرط الثقافي الأنثربولوجي الذي كن يسبحن فيه على مدى الزمن مثلا ( السيدة” إيزا السيدة “فاظمة ” السيدة ” جمعة” ثم السيدة “تملولت ” وهو لقب لإمرأة في حي قديم …إلخ

كاتب- باحث

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here