جمال أكاديري: ديون الدولة المغربية أمام دائنيها من المواطنين

جمال أكاديري

في لائحة التعديلات التي قدمتها فرق المعارضة مند سنوات،  برز من بينها ملتمس خاص يطالب بحذف مقتضى جديد من مشاريع القوانين المالية المعروض عليها في كل دورة موسمية  والذي يبدوانه كان يثير جدلا واستنكارا من طرف المختصين، كل مرة  يظهر  فيها.

  وهوينص بالبند العريض ولأول مرة في مساطير النزاعات القضائية، على عدم إمكانية الحجز على ممتلكات الدولة ضمن إجراءات المطالبة بتنفيذ حكم قضائي ضدها.

هاكم ما ورد فيه بالنص مند ظهوره قبل  سنوات قليلة وفي أوج تنصيب حكومة  الأغلبية الإسلامية :

..” في حالة ما إذا صدر حكم قضائي اكتسب قوة الشيء المقضي به،يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعيّن الآمر بصرفه، داخل أجل شهرين، من تاريخ تبليغ المقرر القضائي المذكور آنفا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية .”

أولا: وللتوضيح ففقهاء القانون المختصون في المسطرة المدنية، يتبيّنون جيدا أن مقتضى من هذا الصنيع وبهذه الصيغة، يُناقض بالتمام، مادة صريحة من قوانينها والتي تسمح وتمنح فرصة أخيرة للدائنين في حالة عدم أداء الدولة ما بذمتها إلى اللجوء إلى وسيلة الحجز على أموالها وممتلكاتها وعند الضرورة، وحتى حين لا تنفذ تلك الأحكام القضائية الصادرة لغير صالحها.

 وأكثر من هذا فهيئة رقابية دستورية مغربية كالمجلس الأعلى للحسابات أقرّ مرارا، على أن لا يتم إقحام تدابير أخرى في مشاريع قانون المالية إلا تلك المرتبطة بالموارد والنفقات وخاصة بالمالية.

ثم أن هذه المادة  من مشروع أي  قانون مالي  عند  يتم  التفكير في استعادتها  للضرورة المؤقتة كما يبررون ذلك مرارا ، تذهب عكس الجهود المبذولة والإجتهادات التشريعية في الحقل القضائي، الراغبة في تحسين العدالة وتحصينها من أي ثغرات، فكيف الحال لوصارت السلطة التنفيذية المُجسّدة في حكومة منتخبة ومعدلة مرارا، هي التي كانت  المُبادِرة الأولى إلى تجميد الأحكام القضائية والتحرّر من إلزاميتها بالركون إلى زاوية المماطلة والتعطيل أوبتحصين اعتماداتها المتوفرة من الحجز والأداء !.

 فعند ظهور  منشورات وتقارير أجنبية رصينة، لا يأتيها الباطل من أي جهة، تؤشّر وتؤكد بقوة،على ارتفاع خط بيانات تحسّن مناخ الأعمال في منطقتنا وأن هذا سيبشر بالخير العميم على اقتصادنا الهش وغير المتوازن

ثم حتى لوصدقنا وسلمنا بهذا،  فمن سيضمن في المستقبل القريب حقوق هؤلاء المستثمرين الدوليين الذين سيراهنون برؤوس أموالهم ويختارون الإقامة الإقتصادية عندنا، وخاصة في حالة تصاعد التنافس المشروع وما سيلحقه من المنازعات التجارية عند بلوغ الذروة ؛ وأيضا إذ أخبروا أن جهاز الحكومة بمرسوم مادة قانون مفتعل، حاول جاهدا أن يُحصّن مؤسسات الدولة من دفع المستحقات القضائية المحكوم بها لصالح الأشخاص المعنويين والمقاولات،( لغرض واضح يعلمه الكل الآن وحللناه سابقا، يتعلق مباشرة بتقليص تضخم النفقات، لتدارك عجز الأداءات وعجز الميزانية المتفاقم ) وجعلها غير مُجْبرة على الأداء إلا في مُدد مناسبة تعينها، وأنه لا يمكن أن تخضع ودائعها في الخزينة العامة وممتلكتها للحجز !

من المسلم به أن لا الخازن العام ولا عضوأي حكومة كيفما كان توجهها مكلف بالمالية ولا أي  منتدب في الميزانية العامة، لا أحد منهم مكلف أصلا بالتشريع، وأن هذا التكليف له مقتضياته الدستورية خُصّ بها أساسا البرلمان المغربي كمؤسسة تشريعية بامتياز، تهيئ وتصادق على القوانين المعروضة الخاصة بكل المرافق

 .

فعوض القيام كل مرة  بمناورة سياسية ( وعجباه ! من طرف من تم انتخابهم  لخدمة الصالح العام ) لتمرير مادة قانونية مثل هذه تضرّ بقضايا الأفراد، ومصالح معيشتهم وتحرمهم من استيفاء حقوقهم المشروعة – المنسجمة مع مضامين الدستور التي تقر دون إبهام بالإحتكام النهائي للأحكام الصادرة عن القضاء – كان عليهم بالأحرى، لوكانت نيتهم في الإصلاح قائمة كما كانوا يعلنون في برامجهم الانتخابية المنسباتية، أن يبدعوا مقترحات وتصورات اجرائية ناجعة وفعالة، في تسيير ووضع رقابة داخلية، على هيئة إدارية معتمدة في العون والسند القضائي ؛ ألا وهي وللعلم، تابعة للوزارة المكلفة بالمالية، تتمثل مهمتها الرئيسية في الدفاع عن الدولة في دعاوي التصريح بمديونيتها، التي لا علاقة لها بالضرائب أوريع الأملاك، أي فقط في المنازعات على المال العمومي وتدابيره وفي القضايا المرفوعة ضدها . ويسمى هذا الجهاز الإداري الملحق بالمالية : الوكالة القضائية .

كان الأولى بهم، إذن، إنجاز دراسة شاملة ودقيقة لإصلاح هذه الوكالة القضائية ونهج طريق الحكامة الجيدة في تسيير دواليبها، وتحسين الجهد القانوني والرفع من مردوديته لتحصين المرافق العمومية الأخرى المرتبطة بها، وكذلك في مختلف القرارات التي تتخذها والإتفاقيات التجارية التي تبرمها ووقايتها في حدود الممكن من السقوط في ارتكاب أخطاء جديدة، ستتحمل الأموال العمومية نتائجها، مما سيكون له انعكاسات سلبية على خزينة الدولة، على اعتبار أن المنازعات تتولد عنها نفقات تثقل كاهل الميزانية, خاصة حينما يتعلق الشأن بتنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارات العمومية في شقها المالي . فهل سيتداركون هذا مستقبلا ؟

كاتب- باحث مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here