جلال سلمي: هل تكتفي روسيا بمصر أفريقياً؟

 

jalal-salmi.jpg77

جلال سلمي

في زيارة مكوكية شملت سوريا ومصر وتركيا، حل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الإثنين 11 كانون الأول/ديسمبر 2017، ضيفاً على المنطقة. وفيما علق في ذهن المتابع، خلال زيارة بوتين لسوريا، “إهانة” رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في قاعدة حميميم على يد أحد الضباط الروس، اكتنف زيارته لأنقرة الغموض، أما زيارته لمصر، فقد شهدت تطوراتٍ جديدةً فتحت الآفاق على طبيعة الدور الروسي في أفريقيا، وبالأخص بعد توقيع الطرفين عقد إنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في مصر، بكلفة 29 مليار دولار، يمول الجانب الروسي 25 مليار دولار منها بقرض طويل الأمد وبفائدة مُخفضة، بالإضافة إلى الحديث عن مشروع اتفاق لبناء منطقة صناعية روسية باستثمارات تصل إلى 7 مليار دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وشهدت الزيارة حديث عن ضرورة توسيع التعاون العسكري والفني لتعزيز قدرات الجيش المصري، فضلاً عن الإشارة إلى احتمال توقيع بروتوكول حكومي في شأن استئناف السياحة الروسية إلى مصر. وفي هذه الاتفاقات والمذكرات والبروتوكولات دلالات هامة حول مواظبة روسيا على سياستها في الانفتاح على أفريقيا، بدايةً من مصر.

إن اتفاقيات التعاون الاقتصادي والعسكري تُعد أبرز وأكثر الأساليب نجاعةً في تشييد تعاون استراتيجي بين الدول. فهذه الاتفاقات تُولد تعاون متبادل الفائدة يدفع الدول إلى الحفاظ عليه وتعزيز وتنويعه، وصولاً إلى الارتباط الاقتصادي والعسكري الوثيق الذي ينعكس بظلاله على توطيد مسارات التحرك المشترك بين الأطراف المتعاونة على عدة أصعد سياسية وعسكرية وإعلامية وثقافية. واللافت في أن بداية التعاون التركي ـ الروسي جاء في سياق اقتصادي تطور إلى تعاون أمني وسياسي وعسكري وجيو ـ اقتصادي نشهد ثماره في اضطرارهما للتحرك المشترك في عملية التسوية الخاصة بالقضية السورية. ولعل استمرار الطرفين، الروسي والمصري، في التعاون يؤدي إلى ذات النتيجة التي وصلت إليها روسيا مع تركيا عبر هذه الأساليب في بناء التعاون. ولكن قد لا يشبه هذا التعاون ذلك التعاون التركي الروسي القائم على قاعدة التكامل النسبي، بل يتجه ليكون تعاون قائم على التبعية، إذ فائض العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية يميل لصالح روسيا على حساب مصر بشكلٍ مطلق، فأساس الاعتمادية المتبادلة قائم على تكلف الدولتين بعنصر التكلفة، لكن في المثال المصري ـ الروسي نرى أن روسيا هي التي تتحمل النسبة الأكبر من تكاليف بناء التعاون.

 ويبقى التساؤل الأهم في ضوء ذلك هو هل تكتفي روسيا بالتعاون مع مصر أم أن مصر تشكل لها قاعدة للانفتاح على أفريقيا؟

الإجابة على هذا السؤال تربض في نوعية اتجاهات التيارات الفكرية التي تحدد نطاق المخيلة الروسية الجيوسياسية والاستراتيجية، والتي تُصنف في 5 تيارات:

1ـ المدرسة الوطنية ـ الديمقراطية الليبرالية: تدعو هذه المدرسة إلى التكيف مع الهيمنة الغربية عبر التكامل اقتصادياً وسياسياً وأمنياً مع الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى تأسيس “بيت أوروبي مشترك”، كما تدعو إلى التحالف البراغماتي مع الولايات المتحدة، وتقديم روسيا للعالم الغربي على أنها حليف وازن لمجابهة التمدد الصيني الاقتصادي والجيوبوليتيكي. ولكن بتتبع مسيرة السياسة الخارجية الروسية، نجدها مجافية لهذا التوجه.

2ـ المدرسة الجيوـ اقتصادية: تقوم هذه المدرسة على إعادة تعريف الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي لروسيا في إطار أنها دولة يمكن لها أن تتحول إلى “جسر تواصل” يربط أسيا بأوروبا، وصولاً لتحقيق الرفاه الاقتصادي والتطور الاجتماعي اللذان يرفعان من الوزن السياسي لروسيا في الساحة العالمية. وبدلاً من المواجهة مع الكتل الجيو ـ اقتصادية الأساسية “الصين، الغرب ومنطقة أسيا الوسطى والمحيط الهادئ”، لا بد من إنشاء دوائر جيو ـ اقتصادية مركزية ومتداخلة تتمثل في الاتحاد الأوروبي والصين واليابان والولايات المتحدة، ومن أجل ذلك لا بد من أن تتبع روسيا استراتيجية متماسكة من الاندماج مع الاقتصاد السياسي العالمي. ولعل لمس تطبيق روسيا لبعض ملامح هذه المدرسة يمكن من خلال النظر إلى مشاريع أنابيب نقل الطاقة التي أنشائتها عبرها وعبر الدول الأخرى، للوصول إلى الاتحاد الأوروبي والصين، بالإضافة إلى انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2012.

3ـ مدرسة حفظ التوازن الأوراسي: ترى هذه المدرسة أن روسيا تمتلك مقومات حفظ الدور التنظيمي والسيطرة غير الرسمية على منطقة أوراسيا، كموازن إقليمي، عبر اتباعها سياسات موازنة عسكرية سياسية، ومشاريع جيو ـ اقتصادية. وتدعو هذه المدرسة إلى القبول بأن نهاية الحرب الباردة تعني نهاية التناقضات الأساسية، أو غير القابلة للحل بين روسيا والغرب، والانتباه للتهديدات المشتركة مثل الانتشار النووي وتنامي المنظمات الإرهابية. وتؤكد على ضرورة النظر إلى الصين على أنها شريك وليس عدواً، عبر بناء مشاريع اقتصاديات تكاملية وليس تنافسية. وأخيراً تجد في اليابان والكوريتين دول مهمة في بناء نظام مناسب للأمن الجماعي داخل وخارج أوراسيا، كما يرى ضرورة من الاستفادة من تركيا وإيران ذوتي الدور الأساسي في التوازن الإقليمي في آسيا الوسطى والقوقاز. لكن مع تأكيدها على ضرورة أن تكون جميع أنشطة التحرك في هذه المنطقة بالتعاون مع روسيا وتحت إدارتها، حتى تستعيد دورها التاريخي الجيوبولتيكي في الساحة الدولية. وبالنظر إلى التحرك الروسي في آسيا الوسطى والبلقان، وبتحركها مع روسيا، نجدها أن هذا التيار يحظى بقبول نسبي في أبجديات السياسية الخارجية الروسية المُتبعة.

4ـ المدرسة الحضارية: تعتبر هذه المدرسة القيم الروسية مختلفة تماماً عن تلك الغربية. تجادل هذه المدرسة بأن روسيا إمبراطورية روسية ضمن حدود الاتحاد السوفيتي السابق، لأنها الضامن للاستقرار الجيوسياسي والتوازن العالمي ضد طموحات الغرب الاستعمارية “المفترسة”، مشيرةً إلى أن الحدود السياسية الحالية لروسيا هي “مصطنعة”. بينما تدعو هذه المدرسة إلى انعزال روسيا عن الغرب، تجادل بأن هنا صراع جيوبوليتيكي بين الأطلنطية والأوراسية، وصراع اقتصادي واجتماعي بين الشمال الغني والجنوب الفقير، لذا سيمر العالم من ثلاث سيناريوهات: النظام العالمي الجديد الذي هو مشروع عولمي برعاية الولايات المتحدة، وعصر المشاكل الذي يعني انهيار الغرب وبداية الفوضى، وأخيراً سيناريو توازن المصالح الذي ستضطلع روسيا فيه بدور الضامن لعالم متوزن، وهنا لا بد لروسيا من الإبقاء على علاقات جيدة مع الهند والصين. ولهذا التيار مرقده أيضاَ في السياسة الخارجية الروسية.

5ـ المدرسة الأوراسيانية التوسعية: تكاد تكون هذه المدرسة الجيوبولتيكية الوحيدة التي تدعو إلى تخطي جهود روسيا الجيوبولتيكية الحدود الجغرافية لأوراسيا، بالرغم من حملها اسم الأوراسيانية. تُسمي هذه المدرسة روسيا قلب قلب العالم، أي أنها قلب القارة الأوراسية. وانطلاقاً من ذلك، تدعو إلى ضرورة اتباع روسيا “رأس القوة البرية” تحالفاً مع القوى البرية الأخرى ضد “القوة البحرية” متمثلة بالولايات المتحدة وحلف الأطلسي. ولتحقيق ذلك تدعو إلى التكامل مع دول أوراسيا، والتعاون بالأحزمة الجيو ـ اقتصادية، وهي الأورو ـ أفريقية، وآسيا والمحيط الهادئ، أمريكيا وأوراسيا. أحزمة جيو ـ اقتصادية جيوبولتيكية متوازنة ومرتكزة على مبادئ المساواة والاعتراف المتبادل، للوصول إلى قاعدة تأسيس تعددية المراكز، للقضاء على الهيمنة الأمريكية. ربما ترى هذه المدرسة التي باتت تشكل التوجه الأساسي لروسيا على صعيد الساحة السياسية، كما هو واضح في تحركها في القرم وجورجيا وسوريا، وتعاونها مع الصين والهند، وأخيراً تمددها إلى القارة الأفريقية، أن المحاور الأساسية لكسر الهمينة الأمريكية هي محور برلين ـ موسكو ـ باريس، ومحور طهران ـ موسكو، ومحور طوكيو ـ موسكو، إلا أن تحركها نحو أفريقيا يحمل ذات الأهمية بالنسبة لروسيا التي ترمي، في الأساسي، إلى الوصول إلى البحار والمحيطات في الشمال والجنوب والشرق، بما يكفل لها تأسيس إمبراطورية جيوبوليتيكية مكتفية ذاتياً.

إذن، انطلاقاً من المدرسة الأخيرة التي تتميز بدعوة روسيا إلى الانتشار حول العالم، نرى أن مصر لا تشكل الهدف الأساسي لروسيا في مصر، بل تشكل قاعدة انطلاق نحو أفريقيا، ولعل استخدامها لقاعدة “سيدي براني” القريبة من ليبيا، ودعمها لحفتر، والحديث عن عقد صفقات عسكرية مع الجزائر وأنغولا ونامبيا والسودان، يعبر عن رغبة روسيا في جعل هذه الدول، وبالأخص مصر، عبارة عن أحزمة للانطلاق نحو أفريقيا.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. نتمنى أن تعود مصر بقوة سياسيا واقتصاديا بل عسكريا حتى
    وترك صيغة التنافس والاستعلاء في تعاملها مع الأفارقة فمصر محتاجه لي أفريقيا أكثر من الأفارقة لها فما تفعله اسرائيل في افريقا من شراكة اقتصاديه وعسكرية فاق كل ما يفعله العالم العربي . وجود مصر الطبيعي في أفريقيا أما أن حاولت مصر فرض نفسها في الخليج الفارسي فتلك مسألة لا تستطيع مصر القيام بها بوجود لاعبين كبار لن يسمحوا لمصر بذلك وقد يدخلوها في أزمات كتيره .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here