جزائر ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.. الحكومة.. والحكامة

نعيمة عبدلاوي

11 يناير1992  و11 مارس2019 نفس اللحظة في تاريخ الجزائرالحديث من حيث حمولتها السياسية والقانونية وآمال الشعب الجزائري في الحرية والديموقراطية والازدهار.

استقالة (إقالة في الواقع) الرئيس الشاذلي بنجديد وقتها أحدثت فراغا دستوريا والبرلمان منحل ( كان يترأسه  وقتها السيد عبدالعزيز بلخادم من جبهة التحرير الوطني ولقربه من مشروع “الإسلاميين” في نظر ديناصورات الجيش الجزائري وقتها خاصة وزير الدفاع الجنرال  خالد نزار ورئيس الأركان الجنرال محمد العماري ورئيس المخابرات العسكرية الجنرال محمد مدين المعروف بالجنرال التوفيق، فقد تم التفكير في حل البرلمان قبل إقالة الرئيس كي لا يتولى رئيسه دستوريا وظيفة الرئاسة بالنيابة لمدة 45 يوما) مما أدى إلى ارتجال سياسي ومؤسساتي،  فالمجلس الأعلى للأمن وهو هيأة  دستورية ذات صبغة استشارية  سوف يقرر إنشاء هيأتين  بديلتين:

الأولى ذات طبيعة رئاسية : اللجنة الوطنية العليا تتكون من خمسة أعضاء يترأسهم السيد محمد بوضياف الذي سيتم استدعاؤه من منفاه المغربي. والهيأة الثانية هي المجلس الوطني الاستشاري الذي يصدرأراء/ أحكاما ذات الطابع التشريعي.

خلفية اللحظتين انتخابية محضة، ففي سنة 1992 كان إلغاء نتائج الدور الثاني من الانتخابات التشريعية الذي فازت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ واليوم المتغير هو الانتخابات الرئاسية والعهدة الخامسة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

التواصل السياسي في اللحظتين بدوره يحيلنا إلى التغير الذي عرفته بنية النظام السياسي الجزائري خلال فترة حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة:  فالجنارالات في بداية سنة 1992  قد فرضت على الرئيس المستقيل/ المقال أن يقرأ بيانه على أعضاء المجلس الدستوري مخاطبا الشعب الجزائري.

والبارحة يخرج الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ببيان رئاسي يخاطب به الشعب مباشرة، ينفي فيه أي نية مسبقة للترشح للعهدة الخامسة ويمدد فيه عهدته الرابعة بالاتصال بإرجاء موعد الانتخابات الرئاسية ثم يقيل الحكومة ويعين لها رئيسا جديدا ويستحدث له نائبا يتم استدعاؤه من جديد كما تم استدعاء السيد محمد بوضياف من قبل من سجل ثوري/معارض نوعا ما ويدعو إلى حوار وطني أيضا.

في الواقع الملموس نجدنا في نفس حالة الالتباس الدستوري وإبعاد رئيس البرلمان ثم إعادة إستراتيجية “الحوار الوطني” الذي فتح ورشه السيد سيد أحمد غزالي رئيس الحكومة سنة 1992 مع الأحزاب السياسية والذي كان يشهد البرلمان الجزائري جلساته الماراطونية وينقلها التلفزيون الجزائري بكل شفافية، آخر آثار فترة الانتقال الديموقراطي وتحرير الإعلام والذي انطلق مع أحداث أكتوبر 1988 أو “أحداث القفة” كما يسميه الجزائريون.

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والذي تم استدعاؤه  بدوره سنة 1999 من منفاه أيضا كوجه ثوري ومعارض ورمز من رموز نظام الرئيس هواري بومدين، رأسماله عند الشعب الجزائري والمؤسسة العسكرية هو حملة المصالحة والوئام المدنيين والتي استطاعت أن تؤمن للجزائريين بعض الأمن خلال فترات حكمه المتتالية وإن حرمتهم من حق التظاهر مثلا ولم تكن في مستوى تطلعاتهم الاجتماعية والاقتصادية وخصوصا الديموقراطية. سوف يستعمل هذا الرصيد في محاولة تحييد نفوذ المؤسسة العسكرية بكل أجنحتها على مؤسسة الرئاسة التي سيستفرد بها هو شخصيا ومحيطه بعدها في فترة مرضه وسوف تعوض نخبة من رجال الأعمال الجدد، العسكرين في تأثيرهم في مؤسسة الرئاسة.

سوف ينجح  الرئيس في إضعاف أقوى أجنحة المؤسسة العسكرية الذي هو المخابرات العسكرية ويحيل الجنرال محمد مدين “الجنرال التوفيق” على التقاعد.

طبعا كل هذا على مهل وبعد أن يغيب الجنرال خالد نزار نفسه عن السياسة بعد نجاته من محاولة اغتيال، ليتم تغييب الجنرال محمد العماري سنة 2004 رئيس الأركان ولكن الموت وحده سوف يغيب عراب النظام الجزائري منذ وفاة الرئيس هواري بومدين، الجنرال العربي بلخير وزير الداخلية خلال منعطف الإضراب العام ماي-يونيو 1991 وبعده، بدعوة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ ضد صيغة قانون الانتخاب الجديد “متلازمة الانتخابات دائما حاضرة في الحياة السياسية الجزائرية وحلم الديموقراطية”. التحول الديموقراطي الذي كانت تعرفه تركيا وقتها والذي فضل فطام المؤسسة العسكرية عن السياسية كان من العوامل المساعدة على هذا النوع من التغيير في الجزائروفي المنطقة كلها بعد احتلال العراق .

لكن المتغير الأكبر فيما نعيشه اليوم هو حراك الشعب الجزائري القوي والسلمي والذي يقوده الشباب الأقل من 30 سنة النابه والمتقظ والذي تجاوز ذكريات العشرية السوداء ويركز على واقعه ومستحقاته وعملته فيها “الأخطر ربما” لاشئ عندي أخسره… !

أما المؤسسة العسكرية الجزائرية فلا تملك ترف ما يملكه الجيش المصري مثلا منذ انقلاب يونيو 2013 والذي يتخلف بثورة عن انتفاضة وحراكات الجزائريين، لأن رصيده مثقل بالدماء والشهداء والمختفين والمعتقلين.

حراك الشعب الجزائري الحالي والذي يمثل الانطلاقة الحقيقية للموجة الثانية والأقوى من الربيع العربي” قوية من حيث إمكانية تحقيق أهدافها” والتي كنت أشرت إليها في مقال سابق تحت عنوان: “الحراك الشعبي في الريف لحظة ربيع ديمقراطي ممتدة” بتاريخ 23 ماي 2017، حيث لا أزال أرى أن حراكي الريف وجرادة في المغرب والأحكام الجائرة في حق نشطائهما، بداياتها وشراراتها التي خلقت نوعا جديدا من المقاومة الشعبية السلمية والأكثر تأثيرا “فعل المقاطعة الاقتصادية” والتي كانت أكثر من ناجعة رغم التعتيم الكبير على تأثيرها ونتائجها، كل هذا دليل على حيوية المجتمعات المدنية وهيكلتها في دول المغرب الكبير كما في السودان وعلى قدرتها على التأقلم والتطور مع المتغيرات المحلية والإقليمية.

فحرية الشعوب العربية وديموقراطية مجتمعاتها مطلب صار ملحا وآنيا، أكثر من أي وقت مضى ولن يتنازل عنه الشباب العربي المعولم والذي يستهلك نفس التكنولوجيا والمنتجات والقيم، تماما كأصدقائه الافتراضيين في باقي قارات العالم والذين يشكلون جزءا أصيلا من واقعه وتفاصيل حياته اليومية المتجاوزة لما يعيشه في محليته.

هي لعبة توازن للقوى داخليا أولا والشعوب فتحت ديناميات أخرى من ديناميات الربيع أما الأنظمة فتزلزل نفسها بنفسها من خلال عبثية ما يعرف بالكيانات الموازية أو “الدولة العميقة”، شعوبنا اليوم تتلقف الموجات بنباهة وذكاء كبيرين.

فخروج الجزائريين للتظاهر في هذا اليوم،  دليل قوي على ذلك وكل ما يثيره البيان الرئاسي الجزائري من ردود فعل هنا وهناك، وحدها الأيام القادمة سوف تسطر لنا بداية مسار الانتقال الديموقراطي الحقيقي الذي سعى إليه الجزائريون مبكرا في محيطهم انسجاما مع موجات ديموقراطية عالمية. 

كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here