جذور دولة الارهاب أمام محكمة التاريخ:تدمير السكك الحديدية الفلسطينية وتفجير فندق الملك داود في القدس في 22 تموز عام 1946

د. نهى خلف

اليوم و بينما تستمر الخطة الصهيونية في  تجريف و تد مير مناطق في القدس الشرقية فيما  سمته وكالات الانباء إحدى  اكبر عمليات  تهديم في القدس منذ سنوات،  من الواجب التذكير بتاريخ العمليات الارهابية  التي قامت بها العصابات الصهيونية الارهابية في فلسطين و القدس منذ  عقود ، وفي نفس هذا اليوم بالذات أي في 22 تموز1946، منذ ثلاثة و سبعون عاما،  حيث قامت الجماعات الارهابية الصهيونية، ‘الليهي’ و‘ الايرغون ’ بالاتفاق و التنسيق مع ‘الهاغانا’ و ‘البلماخ’ بتفجير فندق ‘الملك داهود|’  في القدس عبر عملية إجرامية وصفت أينذاك بأكبر عملية إرهابية في القرن العشرين. وقد حدث ذلك  عامين فقط قبل إعلان تأسيس الدولة الصهيونية رسميا   في 15 أيار عام 1948|، وقبل ارتكاب الصهاينة  المجازر الجماعية في دير ياسين في 9 نيسان  عام 1948، بهدف تحقيق  مشروعهم بالاستيلاء على فلسطين عبر  القيام بعمليات تطهير عرقي بأساليب شتى منها القتل  و الاغتيال و التهجيرالقسري.

و كانت استراتيجية الجماعات الارهابية الصهيونية تهدف في عام 1946 بالذات، الاسراع في التخلص من سلطة الانتداب البريطاني  لاستكمال مشروعها و لذلك استهدفت العملية  مقر حكومة الانتداب البريطاني  داخل فندق الملك داهود (والتي ادت إلى مقتل واحد و تسعين شخصا منهم واحد و اربعون عربيا و حوالى تسعة عشر بريطانيا و عدد من الجنسيات الاخرى بالاضافة إلى اصابة اكثر من اربعين شخصا ).

و قد حاءت هذه العملية كرد فعل من قبل الجماعات الارهابية  الصهيونية  ضد حكومة الانتداب بسبب  بداية التضييق من قبل الحكومة البريطانية  على افعالهم،  حيث فضلت التعامل مع الفريق الصهيوني الاكثر اعتدالا و المتمثل بقيادة وايزمان،|

و كانت حكومة الانتداب قد قامت في 29 حزيران من عام  1946بحملة اعتقالات شاسعة  و  تفتيش واسعة في أوساط اليهود الصهاينة في محاولة لوضع حد و استباق عمليات إرهابية من طرفهم وقد سميت هذه العملية بعملية ‘أغاثا’ وقد قام البريطانيين بحملة  واسعة من الاعتقالات للحد من عمليات الارهاب و خاصة بعد ان قامت نفس هذه الجماعات الارهابية بتفجير مجموعة من االطرق و الكباري و خطوط للسكك الحديدية  التى كانت تربط بين عدة مدن فلسطينية والدول المحيطة  في 16 و 17 حزيران في ليلة سميت  ‘ليلة الكباري’ |، و كانت القوات العسكرية البريطانية  تريد منذ أشهر محاربة القوات الصهيونية السرية  ولكن المندوب السامي اينذاك ‘الان كانينغهام’ كان ضد مهاجمة  بريطانيا المجموعات الصهيونية  في أول الأمر و لكنه اقتنع بضرورة محاربتها بعدما  قامت هذه المحموعات بمهاجمة مقر سكة الحديد في حيفا ثم بعد ذلك بقليل باختطاف ستة ضباط بريطانيين، كما كانت قد قامت بعمليات تخريب في 153 نقطة على خطوط سكك الحديد الفلسطينية .

و استمرت هذه الحملة الارهابية ضد شركة  القطار الفلسطينية حتى عام  1948

حيث قامت ايضا بتفجير قطارا في 31 اذار  1948في جنوب حيفا مما تسبب في مقتل 40 نفرا و جرح 60

و قد طالب المدير العام لشركة ‘بالستاين ريلوايز’ ارثر كيربي، حماية من قبل الحكومة البريطانية لسكة الحديد و القطارات و موظفي سكك الحديد الذين قد بلغ عددهم 6000 موظفا في بداية عام 1948، و قد  وصف كيربي العمليات التخريبية  و الاغتيلات ضد موظفي سكك الحديد بانها اصبحت مستمرة  منذ شهر نيسان عام 1948 كما  تعرض  المقر الاساسي للشركة في ‘دار خوري|’ في حيفا للعمليات الارهابية  مما  قد تسبب في تخريب شبكة الاتصالات بالاضافة إلى الهجوم على مدير الشركة و سرقة سيارته.

و قد ارسل كيربي رسالة إلى هنري جورني الذي كان السكرتير العام لحكومة الانتداب قائلا ‘كان المنتظر مني ان استمر في العمل في سكك الحديد و المواني في ظروف مستحيلة  و قد اتخذت هذه المسؤولية  على عاتقي مع كل المجازفات اللاحقة بها، بشكل لميواجهه اي مدير شركة سكك حديدية آخر و قد حققت اكثر مما كان يمكن تحقيقه’.

و هكذا كانت عملية ‘أغاثا’ردا على الاعمال الارهابية الصهيونية في ‘ليلة الكباري’ كما جاءت عملية تفجير فندق الملك داهود ردا على عملية أغاثا، مما يمكننا القول ان عام 1946 شهد حربا شعواء في فلسطين بين الانتداب البريطاني و العصابات الصهيونية اليهودية|،مما لايبريء طبعا الاستعمار البريطاني على تعاونه مع الحركة الصهيونية منذ  بدايات القرن العشرين و لكن من الواضح انه كان هناك خلافا بين تيارات مختلفة من الانتداب مثل ما كان هناك اختلافا ما بين الاحزاب الصهيونية حول الاسلوب الافضل للشروع في اتمام المشروع الصهيوني |، هذا بعد ان كان الطرفين اليهودي و خاصة البريطاني قد تمكنا من محاربة الحركة الوطنية الفلسطينية في الثلاثينيات من القرن العشرين، و من الواضح ان  عمليات العصابات الصهيونية الارهابية عام 1946 قد اسرعت بقرار الانتداب البريطاني باخلاء فلسطين و تسليمها للصهاينة تخوفا من مزيد من العمليات الارهاب تجاههم.

و لم تغير هذه الاحداث من الموقف البريطاني تجاه الاتفاقية ‘الانغلو امريكية’الخاصة بفلسطين و قد كتب اللورد أتليررئيس وزراء بريطانيا رسالة إلى الرئيس الامريكي ترومان بتاريخ 25 تموز 1946 قائلا ‘انني متأكد انك ستوافقني على ان الجريمة اللا انسانية التي حدثت في القدس في 22 تموز تتطلب رد فعل قوي ضد الارهاب و لكن احتراما لمعاناة الضحايا الابرياء من اليهود على يد النازية ، لا يجب ان تبعدنا هذه الحادثة من اتباع سياسة تهدف إلى اتمام السلام في فلسطين باقرب وقت ممكن’.

و بناء على اسلوب الوقاحة الاسرائيلية المعتاد لقد قامت مؤسسة بيغن و الذي كان من مخططي عملية تفجير الفندق| بالاحتفال في عام 2006 بالذكرى الستون لهذه العملية الاجرامية  مع تحميل المسؤولية في المجزرة  اللاحقة في عام 1946 للجانب البريطاني لانه لم يستجيب في رأي الصهاينة  الى التحذيرات  التي وجهها الارهابيون إلى الطرف البريطاني قبل حدوث العملية و مطالبتهم باخلاء المكان و قد حدثت بعض المشاداة بين الطرف الاسرائيلي المتمثل بحكومةىنتنياهو و الطرف البريطاني حول عملية الاحتفال بهذه الذكرى في عام 2006.

و من الواضح ان حدث تفجير الفندق بقي في ذاكرة قسم هام من الفئة السياسة البريطانية حيث انتقدت بعض الصحف البريطانية زيارة الامير ويليام إلى اسرائيل في عام 2018 و خاصة لانه لم يقوم بزيارة اضرحة  البريطانين الذين سقطوا في فلسطين بينما زار فندق الملك داهود دون اية اشارة  حول هذه الحادثة.

اليوم لا يزال بعض اعضاء العائلات التابعة لضحايا التفجير على قيد الحياة و البعض منهم قد كتب او تحدث عن هذه المرحلة المرعبة في تاريخ فلسطين و السؤال الهام الموجه اليهم يتعلق بضرورة  الاستمراربنشر معلومات حول هذه العملية  و اسماء ضحايا المجزرة و البحث عن ارشيف التحقيق الذي تم بعد العملية و الذي لا يزال مخفيا عند السلطات الصهيونية.

اكاديمية وكاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here