جدلية “نقص” العقل والدين عند المرأة.. إلتباس تاريخي!

 naser-abdaly66

 

 

 

ناصر العبدلي

لايزال دور المرأة والفضاء المسموح لها بالتحرك داخله في المجتمعات العربية مثار جدل لايتوقف إستمر منذ ماقبل الإسلام وحتى هذه اللحظة .. غير أن وتيرة ذلك الجدل  ليست ثابتة إذ أنها ترتفع في بعض الأحيان ، وتنخفض في أحيان أخرى ، إرتباطا مع ماهو مطروح من قضايا على الساحة في كل مجتمع على حدة ، ولعل الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو هو أحد من أطلقوا علة هذا الجدل الدائم  عندما وصف وضع المرأة بالقول  ”  الأنثى تكون أنثى بمقتضى نقص في الصّفات” .. وربما يكون في هذا تبرئة للموروث العربي والإسلامي من تهمة الريادة التي عادة مايوصم  بها  ولكنه في حقيقة الأمر لايقل سوءا عن مضامين ماذهب إليه أرسطو .

ويبدو أن إشكالية ذلك الوضع تندرج تحت أمرين أولهما  التخلف والركود الذي تعيشهما مجتمعاتنا ، وسيطرة التقاليد البالية على مفاصل الحياة بشكل عام ، ثم التخلي عن القيم التي توفرها الشريعة الإسلامية في مواجهة تلك التقاليد ، وثانيهما يكمن في تـــردد ” مفكري ” الأمة في التصدي لظاهرة الجمود ، وطرد التصورات التي تحملها في ذاكرة ذلك الموروث  من ضرورة عزل المرأة عن محيطها العام ، وحبسها داخل المنزل على الدوام تحت مبررات لاتستند إلى أدلة شرعية واضحة .

والغريب أن الصورة البالية عن الموروث لم تقف على وضعها السابق بل إزدادت قتامة بعدما أصبح البعض يخلط  ما بين المظهر والجوهر ،  وينحاز على الدوام إلى الجانب الشكلي فقط  دون أن يحمل نفسه عبء البحث والتحري عن الحقيقة .

لم يظهر أي دليل علمي على وجود اختلاف بين المرأة والرجل فيما يتعلق بقدرة كل منهما على أكتساب المعرفة وهذا يعني أن  قدرات الحواس والذكاء متماثلة عند الطرفين ، وإن كان هناك من فروق فهي تخضع للتباينات الموجودة عند البشر بشكل عام ولايوجد بها خصوصية ، هذا بالإضافة إلى أن تركيب الخلايا العصبية بين الطرفين متماثلة ،   ولعل حادثة إستشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سلمة يوم الحديبية وأشارتها عليه بان يحلق رأسه ويخرج للناس ، وإتباع  الناس له بعدما امتنعوا عن الاستجابة لأمره  تمثل دليلا على إمكانية إستشارة المرأة في الأمور العامة ، وفي نفس السياق  استشارة عمر رضي الله عنه لابنته حفصة واخذه برأيها في مدة غياب الزوج عن زوجته  في الحروب وهو أمر من  امور الدولة .. ولاتقتصر الحوادث التي يمكن الإستدلال من خلالها على وجود مثل هذا الإلتباس التاريخي في علاقة المرأة بالرجل وبالمجتمع بشكل عام على هاتين الحادثتين فقط بل سنجد أن التاريخ الإسلامي ملئ بما يمكن أن يدحض إي تفكير بالتقليل من شأن المرأة ودورها في المجتمع ، وهذا مايؤكد أن عقدة ” النقص ” في العقل والدين أو الصفات كما يقول أرسطو هي جزء من ظاهرة  الإلتباس التاريخي التي صاحبت تداول دور المرأة في تلك المجتــمعات .

وربما يكون حديث الرســــول ( ص ) ” يا مَعْشرَ النساء تَصَدَّقْنَ وأكْثِرْن الاستغفار ، فإني رأيُتكُنَّ أكثر أهل النار .. فقالت امرأة منهن جَزْلة :  وما لنا يا رسول الله أكثرُ أهل النار ؟  قال: تُكْثِرْنَ اللَّعن ، وتَكْفُرْنَ العشير ، وما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودين أغلبَ لذي لبٍّ مِنْكُن . . قالت يا رسول الله وما نقصانُ العقل والدين ؟  قال : أما نُقصانُ العقل فشهادة امرأتين تعْدِلُ شهادةَ رَجُل ، فهذا نقصان العقل ، وتَمكثُ الليالي ما تُصلي ، وتُفطر في رمضان ، فهذا نقصان الدين . . ومعنى الجَزْلة أي ذات العقل والرأي والوقار ، وتَكْفُرْنَ العشير أي تُنكرن حق الزوج . . وإرتباطه مع نصاب الشهادة ، في قوله تعالى ” واستَشْهدوا شهيدين من رِجالِكم فإن لم يكونا رَجُلَيْن فرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرضَوْن من الشُّهداء أنْ تَضِلَّ إحداهما فَتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى  (البقرة: 282) ، مثل آخر على وجود مثل هذا الإلتباس التاريخي خاصة وأن الحديث النبوي لم يتطرق إلى  نقصان العقل في المرأة  كونه أمر يتعلق بتكوينها الفطري  ، بل تحدث عما يمكن أن يكون تأثيرات تندرج تحت معيار النسبية ، كما أن نقصان العقل ليس أمرا مرتبطا فقط  بالمرأة ، بل يمكن أن ينطبق كذلك على الرجل ، كما أن تفسير الآية القرآنية يشير إلى أن شهادة أمرأتين مقابل رجل ليست إنتقاصا بل رغبة في عدم إرباك المرأة في قضايا يمكن أن ينشغل بها الرجل وفي تهذيب الاحكام فأن سعد بن عبد الله نقل عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد وعلى بن حديد عن على بن النعمان عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن إذا كانت المرأة منكرة ، فقال لاباس به إلى قوله وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجيز شهادة امرأتين في النكاح عند الانكار ، ولايجيز في الطلاق الاشاهدين عدلين ، قلت فانى ذكرالله تعالى قوله ( فرجل وامرأتان ) ؟ فقال ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان ، ورجل واحد ويمين المدعى إذا لم يكن امرأتان قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه الســـلام بعده عندكم .

وعلل الشيخ محمد متولي شعراوي في تفسيره لهذه الآية مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي ” أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ” لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث ، والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا  ، وأن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه العمليات ، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين ؛ لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي يحيط بها ، فقد تضل أو تنسى احداهما فتذكر إحداهما الأخرى ، وتتدارس كلتاهما هذا الموقف ، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس وبخاصة ما يتصل بالأعمال .

ومادام أن الدين الإسلامي يضع  المرأة والرجل في ميزان واحد أمام  التكاليف الشرعية من حيث الأداء والعقوبة .. فكيف يمكن أن نقبل بنقصان عقل المرأة بالنسبة للرجل ، وكيف يمكن أن يكون أداؤها وعقوبتها بنفس مايترتب على الرجل ، كما أن الثابت أن ناقص العقل لا يُكلَّف بمثل ما يُكلَّف به من هو اكمل منه عقلاً ، ولا يُحاسب بنفس القدر الذي يُحاسب به ، وربما أن يكون مثل ذلك مدعاة لآن يكون حجة للمرأة وليس عليها عند النظر في التكاليف .

من الواضح أن قصة ”  نقص ” العقل والدّين لدى المرأة باتت حجة لمنعها من المساهمة في بناء المجتمع الموجودة فيه .. وهذا لايعني أن ذلك يأتي إستجابة لمنطلقات عقدية ، بل يأتي لأسباب متنوعة  ، يختص كل مجتمع عربي وإسلامي على حدة بحصتها منها  ،  وليس  حديث بعض الأصوليّين عمّا يتوهّمـون أنّــه ” طبيعة ”  للمرأة و ” فطرة  ”  سوى فكرة واقعة خارج التّاريخ .. ويمكن التدليل على ذلك من خلال التطرق إلى مشهد مشابه يتداوله الفكر الغربي بين الحين والآخر ، ويصل إلى نفس النتيجة  ، فالمرأة رمز غير قابل للتقييد ويمثل خطرا على النظام الاجتماعي إما لكونها فعالة تبعاً للإمام الغزالي أو سلبية في رأي فرويد .

ويمكن تلمس مايظهره الواقع الإجتماعي عند الجانبين أشكالاً مختلفة من ” التوتر ”  بين الجنس كنوع والتنــاول الجـنسي كممارسة .

فلقد هوجم ” الجنس ” مثلا كما طرحه فرويد من جانب بعض الرموز في الغرب ، وإعتبر تضخيما للحيوانية على حساب الجوانب التي يختزنها الإنسان في داخله ، وأعتمد كقيمة مضادّة للحضارة ، من خلال تجزئة  الفرد إلى شطرين ” الروح ” و” الجسد ” ، ويعني انتصار الحضارة من هذا المنظور ضمنيا انتصار الروح على الجسد ،  والفكر على الجنس ، وهو مايبدو على أنه هجوم وإنتقاص مبطن .

ولقد سلكت المجتمعات العربية والإسلامية  طريقا مخالفا بشكل جذري ، عندما إلتزمت بعدم مهاجمة هذا الجانب من الجسد ، غير أنها صورت  المرأة على أنها تجسيد وقدوة  للفوضى ، وإنها رمز للفتنة ، وغير القابلة للتحكم  ،  كما أنها تجسيد حي لخطورة مايمكن أن يواجهه المجتمع .

تختلف نظرية  ” التسامي ” في الموروث الإسلامي لمن لم يستطع ” الباءة ”  اختلافاً جذرياً عما نجده عند الغرب  كما تعكس ذلك نظرية سيجمند فرويد في التحليل النفسي حيث تعطي الحضارة مؤشرا قويا لدى فرويد بأنها حرب ضروس ضدّ الجنس  ، وهي طاقة جنسيـة ” حرفت عن هدفها الجنسي نحو أهداف اجتماعية سامية لم يعد لها طابع جنسي ” ، بينما تبدو الحضارة في المفهوم  الإسلامي نتاجا لإشباع الطاقة الجنسية ، فليس العمل نتيجة للحرمان الجنسي ، ولكنه نتيجة لممارسة جنسية مشبعة ومنظمة “.

ويصف الفيلسوف الإسلامي أبو حامــد الغزالي العقل بأنــــه ” جوهرة ”  حصل عليها البشر من الله ،  ولابد أن تكون وظيفته جزء من هذا المفهوم يقتضي  البحث عن المعرفة التي ينتظم فيها كل شئ .. وبالتالي تلك المعرفة جزء من معرفة الله .

وإستنادا إلى هذا التعريف فأن المؤمن مكلف بالبحث عن المعرفة ، وعليه أن يتحكم في شهواته المادية  حتى يتمكن من متابعة البحث عن المعرفة .. لآن الملذات الدنيوية ستمنعه من الوصول إلى الهدف المطلوب منه .

وبهذا المفهوم فأن المرأة ” رمز ”  للهو ، ولذلك يجب تكريسها لدور محدد يتمثل في تزويد الأمة بالذرية والنسل وإطفاء الرغبات التي توقدها الغريزة الجنسية ، ولا يجب إطلاقاً أن تغدو المرأة مثار عاطفة أو محط اهتمام مفرد لأن العاطفة والاهتمام يسخران لله وحده ، ويتخذان شكل البحث عن المعرفة والتأمل والعبـادة .

ولانحتاج لتفسير هذا المفهوم تفسيرا واقعيا كثير من الجهد حيث وزع الأمام الغزالي المجتمع إلى طائفتين أحدهما طائفة تنتج المعرفة وتطلبها كطريقة لعبادة الله وطاعته ، وفئة أخرى مهمتها السهر على الطائفة  المنتجة ثقافيا وهي المرأة .. وهذا يرتطم بشدة مع جوهر الدين الإسلامي الذي يحث  على المساواة بين المؤمنين من حيث التكليف ولايفرق بينهم إلا بدرجة تقواهم .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. الى الان وقد كتبت التعليق مرتين ولم تضعوه—-هل هذا سيعمل لكم اشكال وهو اي الحديث صحيح
    وهل انتم أسف قوله جهة دينية —-اقول هذا الحديث للمره الثالثة–وان لايذهب للمهملات-وان عملكم يؤذي المعرفة
    فكيف يعرف العرب عن مماهم فيه من تخلف انساني وحضاري وانتم تفعلون هذا وكيف ننهض بشعوبنا والادهى انكم بلندن
    (تنقض صلاة الرجل ل 3—-اذا مر امامه الحمار والكلب الاسود والمرأة-)-

  2. اعتقد ان مقالك اقرب الى ملاطفة المرأه والنفاق للمجتمعات التي تدعي التحضر من قناعاتك الشخصيه
    ليس كل شيء يمكن قيسه بدقه وبادواةٍ مباشره ولكن الكثير من الصفات تقاس بالدلالات
    ان استعراض نسبة النجازات بين الرجل والمرأه على جميع الاصعده وحتى في العالم المتحضر يدل على عكس ما تسوق له بل ان النساء الاتي يحققن الابداع هن الأستثناء
    وهذا لا ينقص من قيمة المرأه في شيء

  3. اعلق للمره الثانية–لا اعرف لماذا تهملون الكثير من التعليقات-انتم في لندن
    هل انتم مع خوف من بعض الدول -لستم بالدول العربية فلماذا تهملون التعليقات- وكيف نرتقي بالعقل العربي وانتم تحذوفون التعليقات-
    اقول للسيد العبدلي—-ماهو رأيك بهذا الحديث الصحيح—
    لاتصلح صلاة الرجل اذا مر امامه–الحمار او الكلب الاسود او المرأة

  4. صدقت يا محمد طه ليس الكاتب فقط ضايع ضايع، ولكن سامحها الله صحيفتنا الغراء ضيعتنا، أنا مجرد ما قرأت العنوان صرخت بأعلى صوتي وقلت يـــــــــا اللـــــــــــــــه أي كوكب يعيش هذا الكاتب؟ صدق من قال “المضمون مبين من عنوانه”

  5. قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم ان المرأة ناقصة العقل و الدين و قد قال الفقهاء بان المرأة نصف الرجل في ستة أشياء في الميراث و الدية و العتق و العقيقة و العطية و الشهادة و لا يجوز لمسلم ان يرد حديث رسول الله صلي الله عليه و سلم الثابت في الصحيحين

  6. االاخ طه بل انت تعيش في كوكب اخر ولم تفقه ولن ماقاله الكاتب
    يقول شيخ المؤرخين الألمان( بيتر شول لاتور ) الإرهاب هو في صميمه مادة من انتاج نظام العولمة اللانساني المتحكم في رقاب ومصير المليارات من البشر انتهى كلام المؤرخ
    نصيحة لك اترك اسلوب وسياسة جلد الذات لأنه لن يجدي اي نفع

  7. موضوع ممتاز وتنويري..هو برايي لم يعالج بل شرح نوع المرض وكيف الاسلام ..اعطانا العلاج ولكننا تمسكنا بالماضي..
    اخ محمد طه… هل تريد كل الكتاب في صفحات الجرائد وغيرها ان يكتبوا فقط عن ماتريده انت ..قطع الرؤوس وحرق المدن.. كل كاتب وباحث وعالم يكتب في ميدانه ..وانت تختار ماشئت لتقرا ..لاتفرض علي الجميع ما يكتبون ..اكتب انت عن قاطعي الرؤوس وانا ساقرأ لك

  8. جدلية “نقص” العقل والدين عند المرأة.. إلتباس تاريخي! ام نقص الدين والعقل والاءنسانيه عند الرجل المسلم العربي, دماء تسفك روءس تقطع ومدن تدمر, وها نحن بحاول ان عالج مشكله المراءة, في اي كوكب يعيش الكاتب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here