جدلية صلاح الحاكم أم المحكوم كمخرج لأزمة العلاقة بينهما

 

السفير د. عبدالله الأشعل

صلاح الحاكم أم صلاح المحكوم أم كليهما فى نفس الوقت جدل ثار منذ قرون والصلاح هنا صلاح سياسى بعد أن كان الصلاح الدينى يؤدى بالضرورة إلى الصلاح السياسى. فقد مر هذا الجدل بمراحل ثلاثة: فى المرحلة الأولى، معظم فترات التاريخ، كان صلاح الحاكم هو السبب الأساسى فى صلاح الرعية ولذلك ركز الفكر الإسلامى على هذه المقولة، ولكنه خلط بين الحاكم زمن الخلفاء الراشدين والحاكم الذى تحكمه نوازع بشرية لا تستطيع الكوابح الدينية أن تهذبها فأصبحت السلطة للأقوى والأكثر دراية بفنون التآمر، وليست السلطة للأكثر ايمانا وتقوى. فى هذه المرحلة التى صبغت التاريخ الإسلامى بعد الخلفاء كان الحاكم يملك كل شئ انطلاقا من تركيز الشريعة على الحاكم المسؤول أمام الله عن رعيته، وكأن رعيته أبقار لا حول لها ولاقوة. فى هذا العصر ازدهرت فتاوى تقديس الحاكم وبأن الله هو الذى أعطاه الملك كما ازدهر تفسير الآيات الدالة على ذلك وخاصة “قل الله مالك الملك”تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قديرً.

ولم يتنبه هؤلاء إلى تغير تفاعلات العلاقة بين الشرق والغرب حيث ساد القانون ولم يعتمد على أخلاق الحاكم فصار عندهم أحترام القانون هو أساس التقدم.

فى المرحلة الثانية التى بدأت منذ عقود لاحظت أنه يستحيل إصلاح الحاكم لأن ترتيب السلطة محاط بعدة عقد وتحالفات فصار إصلاح الرعية مهربا من بطش الحاكم وخشية تسويغ الحكم المستبد ولكن إصلاح الرعيه صعب بسبب أن الحاكم يعتبر وصوله للسلطة مكسبا ونصرا للوطن ويستخدم الإعلام لغسل أدمغه الناس وهو فى نفس الوقت يدير البلاد بطريقة الطوائف فتوزع العطايا على المحاسيب، وهو فى نفس الوقت لايزال فى أذهان الفكر الجامد المتعفن له الحق فى أخذ مالك وجلدك وانتهاك الحرمات وشرب الخمر وارتكاب الموبقات علنا وللأسف لايزال بعض المضلين يجاهرون بذلك طمعا فى رضى الحاكم ولو أغضب خالقه وخالق الحاكم، فصار العامة ضحية هذا الوضع واستدعينا فترة فى زمن العباسيين قال شاعرهم للحاكم

 ما شئت لا ماشاءت الأقدار

فأحكم فأنت الواحد القهار

ويظن العامة أن الله غيب وأن الحاكم هو الذى يجازى وأنهم لايؤمنون بالغيب ولا بالأخرة وبالبعث والحساب فى مرحلة تردى فيها الفكر الدينى والسياسى.

ومنطق صلاح العامة أولا يقوم على أن الشعب وعاء فإذا صلح الوعاء حكمه أفضل من فيه وإذا فسد قفز عليه أسوأ من فيه. وبناءا على ذلك وضعت خطة لتثقيف المحكوم حتى ينصلح الحاكم فى النهاية رغم طول المدة. ولكنى أعترف بأن هذا المنهج وحده لا يصل إلى نتيجة وتظل الدعوات إصلاحية للأجيال التى تتغير باستمرار كما تتغير أولوياتها. والعقبة الأساسية أنه لما كان الثمار بعيدا فإن الحاكم يمعن فى تكريس قيم العبودية والانطباح طلبا للسلامة وبأسا من التغيير فإذا بالسلوك الحكيم الواعى ينقلب إلى نمط دائم ثم يصبح جينات تتوارثها الأجيال من يعده، فلايجد الحاكم من يلومه ويجد الشعب كله كما قال نزار قبانى أبقارا تحتاج إلى من يركبها وتصبح الحرية عدوا ورديفا للتمرد على قضاء الله وتصبح البلادة صبرا على البلاء ومدعاةللدعاء بأن هذا البلاء أفضل من الفوضى ومن تعرفه أفضل ممن لا تعرفه واللص يشبع فلسنا بحاجة إلى لص جديد يبدأ دورة الشبع من الصفر وكأننا قدر لنا أن يحكمنا لصوص بالضرورة.

كذلك قامت فرضية نظرية إصلاح الرعية أولا علي مقولة بأنكم كما تكونوا يول عليكم، وصارت المقولة شائعة.

معضلة هذه النظرية تبدو فى أن الحاكم العربى المتمسك بالسلطة يخطط لا ستخدام الإعلام لرسم صورة مغايرة له ولنظامه وسياساته ولكن الواقع يناقض ما يتداوله الإعلام، كما أن هذا الإعلام يربط بين بقاء الحاكم وبقاء الوطن فيقدر المواطن أن احتماله للحاكم هو فى سبيل أن يبقى الوطن. وأما من يدرك اللعبة ويبرأ  من سطوة الإعلام الذى يلاحقه باستمرار فيتولاه الأمن الذى يتهمه بالعمل مع الخارج ضد الحاكم ولايدرك الحاكم أن حساباته للحفاظ على حكمه شئ، وحسابات ومصالح الوطن شئ آخر ويجب أن يجتهد لكى يكون بقاؤه فى مصلحة الوطن والمواطن حتى لو لم يكن منتخبا.

أما النظرية الثالثة فهى الجمع بين النظريتين السابقتين أى إصلاح المحكوم وإصلاح الحاكم فى نفس الوقت وهذا يحتاج إلى جهود النخب الجديدة وتعاون الحاكم بعد افتناعه بأن الانفراد بمصالحه  يضر بمصالح الوطن وأجياله وأن الزمن قد تغير فلا يتحجرويمار غافلا عن ان الحصر يتناقض مع الماضى بينما الحاضر يكتسح و يرسم ملامح فترة جديدة تفتج الباب لعقد جديد بين الحاكم والمحكوم.

نائب وزير الخارجية المصري الاسبق

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. مشكلة جميع المعاصرين الذين يخلطون الدين بالسياسة انهم يعتمدون على مراجع المستشرقين الغربيين في القرن التاسع عشر، الذين اعتبروا فتاوى علماء زمن الانحطاط على انها مرآة لزمن السلف الصالح، قبل خلط خلط السياسة بالدين ليتهم يراجعون كتابات من كانوا اهل للتطرق الى هذه المواضيع، ويحضرني في هذه العجالة الكتابات القيمة للفقيه والقاضي اولا، والفيلسوف العالم ثانيا أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد.

  2. تحية وبعد …
    نعم يا سيدي، عند الكرب الشديد الذي نعيشه في وطننا العربي خاصة، يصبح الحل الوحيد بيد النخب الخيرة، ولكن معظمهم مع الأسف الشديد، خائفون، وقد يكون معهم بعض العذر، فمن يربط الجرس؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here