جامعة عربية لا تجمع

amimourok1.jpg66177

 

دكتور محيي الدين عميمور

منذ أيام اطلعت على صورة جمعت السيد نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية وواحدا من الشباب الذين شجعتهم مصالح خاصة في مصر لتكوين منظمة احتجاجية ضد الرئيس محمد مرسي ونظامه، وهو ما ذكرني بموقف الأمين العام المؤيد للتغيرات التي عرفتها مصر بعد حشود 30 يونيو، التي ما زال كثيرون يصرون على أنها تجاوزت ثلاثين مليونا، وهو ما يمكن أن يكون صحيحا لو كان كل متظاهر يحمل خمسة أشخاص فوق كتفه، بطريقة الألعاب البهلوانية الصينية.

ولن أتوقف عند ما يحدث اليوم في أرض الكنانة، التي يرى كثيرون أن فاء “المفخرة” قد استبدلت نتيجة لمواقف وتصرفات وتصريحات أثارت سخرية كل من يدركون معنى منطق الدولة راسخة الجذور، وهو أمر معروف عند الكافة بل وعند العامة قبل الخاصة والنخبة.

ما يهمني اليوم هو أن أسجل بكل أسى أن الديبلوماسي المصري الكبير، الذي كنت تحمست لتعيينه أمينا عاما لأنني تذكرت موقفه أيام كامب دافيد، كان كارثة حقيقية جعلت الجامعة تلحق بالجامع الأزهر، الذي قلت في حديث سابق أنه أصبح فعلا، وبكل أسف، مجرد مؤسسة محلية لا تملك حق الحديث باسم سنة العالم، وربما باسم مجموع السنة في مصر نفسها.

ولعلي أتوقف لحظات لأسجل بأن عددا من المعممين أكدوا مؤخرا ما سبق أن قلته، حيث شبه أحدهم وزير الدفاع المصري ووزير خارجيتها بموسى وهارون، وهو ما ذكرني بمعمم أزهري آخر أفتى بأنه لا يجوز الصلاة على موتى الإخوان المسلمين.

وهكذا تحذو الجامعة العربية حذو الأزهر لتؤكد أنها لا تعبر عن مجموع الوطن العربي بأي شكل من الأشكال، وهو ما يذكر بتوجه جزائري ارتفع النداء به منذ عدة سنوات ثم خَفُتَ لأن من رفعه لم يحسن تناوله، مضمونا وأسلوبا وتوقيتا، وهو ما قد أعود للحديث عنه.

وكثيرون من الساخطين على الجامعة العربية يعودون، عند الحديث عن ميلادها، إلى 29  مايو 1941 ، عندما ألقى أنتونى إيدن وزير خارجية بريطانيا خطاباً ذكر فيه أن “العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية، وأشار إلى أن كثيرا من مفكري العرب يريدون للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكبر مما تتمتع به الآن (…) وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأيّ خطة تلقى موافقة عامة”، ليصرح بعد ذلك في 24  فبراير 1943 في مجلس العموم البريطاني بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين “العطف” إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية.

وبغض النظر ان هذا الموقف كان محاولة لمسح الآثار السلبية التي خلفها تراجع بريطانيا عن وعودها التي أطلقها لورنس، مبعوث المخابرات البريطانية، في بعض الأوساط القيادية العربية لتجنيد الدعم العربي ضد الدولة العثمانية، وهي العملية التي تسمى زورا: الثورة العربية الكبرى، وما كانت ثورة ولا عربية حتى وإن كانت “كوبرا” !!!

وأنا ممن يظنون، وبعض الظن فقط هو الإثم، أن فكرة خلق تجمع عربي لقي دعما أمريكيا مؤكدا انطلق مع لقاء الرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر مدمرة أمريكية مع العاهل المصري الملك فاروق (فبراير 1945) ثم في اليوم التالي مع العاهل السعودي الملك عبد العزيز.

قبل ذلك كانت قد اجتمعت لجنة تحضيرية من ممثلين عن كل من سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر واليمن (25  سبتمبر إلى 7  أكتوبر 1944 ) رجحت الاتجاه الداعي إلى وحدة الدول العربية المستقلة بما لا يمس استقلالها وسيادتها، وهكذا تم إنشاء “جامعة الدول العربية” لتكون أقدم منظمة دولية قامت بعد الحرب العالمية الثانية، وقبل منظمة الأمم المتحدة بشهور، وضمت الدول العربية التي كانت تتمتع بالاستقلال السياسى، أو هكذا كانت تعتبر، وهى مصر- سوريا –الأردن – لبنان – العراق – اليمن – المملكة العربية السعودية (ولم تكن المملكة عضوا في اللجنة التحضيرية، ووقعت على الميثاق بعد 22 مارس 1945 مع اليمن)

ويقال أن اختيار النجمة السباعية في العلم الأردني يرمز للدول السبع التي بدأت بها الجامعة، تسجيلا بأن الأردن (شرق الأردن آنذاك) هي دولة مؤسسة.

لكن الجامعة كانت أكثر المنظمات الإقليمية فشلا على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والثقافية.

ولعل أروع تعبير استعمل يوما للإشارة إلى عجز الدول العربية عن تحقيق أي وحدة حقيقية هو تعبير الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة، وبغض النظر عن أن خلفية تعبيره ومواقفه، والتي كانت تناقضه مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

وهكذا قال الزعيم التونسي أن الدول العربية مجموعة من العرايا، والعريان والعريان لا يلتقيان إلا في الحمام.

والمهم أن الدول العربية انضمت تباعا للجامعة التي كان مقرها العاصمة المصرية، وهكذا  انضمت ليبيا  في مارس 1945، والسودان في  يناير 1956 (بعد الاستفتاء على الاستقلال) وتونس والمغرب في سبتمبر 1958، والكويت في  يوليو 1961، والجزائر في  أغسطس 1962 ( في الشهر التالي لاستقلالها مباشرة) واليمن الجنوبي في 19676، والبحرين في  سبتمبر 1971،  وسلطنة عمان في سبتمبر 1971 ، وقطر في سبتمبر 1971 ، والإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 1971، وموريتانيا في 2 نوفمبر 1973 والصومال في فبراير 1974، وجيبوتى في يونيو 1977، أما أخر الدول انضماماً فهى جزر القمر، وذلك فى نوفمبر1993، بدون أن أنسى أن فلسطين كانت وجودا دائما، بغض النظر عن معالمه وحدود حركته.

وانضمت إيرتريا بصفة مراقب في 2003.

وتظهر النظرة الأولى للقائمة صورة واضحة لأهم أسباب فشل الجامعة العربية، وهو انعدام المقاييس السياسية المنطقية في مواقف الجامعة.

وعلى وجه المثال نجد أن بلدا مثل إيرتريا، ذي الأغلبية الناطقة بالعربية، هي مجرد عضو مراقب، في حين أن الصومال عضو كامل العضوية، رغم أنه بلد لا يعتبر العربية لغته الرسمية، وأغلبية سكانه لا تستعملها، وهو ما يؤكد أن العقيد القذافي رحمه الله كان على حق وهو يطالب بأن يكون مقياس الانضمام للجامعة العربية أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية واللغة الوطنية الأولى.

وم يكن سرّاً أن قبول الصومال كان تشجيعا له على الوقوف ضد نظام الحكم الشيوعي في أديس أبابا، الذي قام بعد إسقاط الإمبراطور هايلاسلاسي، مما يعني أن الاختيار كانت له أهدافه الإقليمية، وهكذا وضع الرئيس المصري أنور السادات ثقله وراء الرئيس زياد بري، الذي اشترى ما أراد السادات التخلص منه من الأسلحة السوفيتية، تماما كما فعل بعد ذلك مع العراق خلال حربه مع إيران.

وكان العداء مع إثيوبيا بداية العودة النشطة لإسرائيل إلى دول حوض النيل، وإلى إفريقيا بصفة عامة، بعد أن كانت طردت منها تضامنا مع مصر في  حرب أكتوبر 1973، ونتيجة لجهد هائل بذله عدد من الرؤساء الأفارقة، وفي طليعتهم الرئيس الجزائري هواري بو مدين، بحيث لم يعد لها وجود إلا في ليزوتو وروديسيا، قبل أن تكون زمبابوي، وجنوب إفريقيا العنصرية آنذاك.

وعرفت الجامعة فضيحة تجاهل جمهورية موريطانيا الإسلامية، التي استقلت في عام 1961، لكن الدول العربية، باستثناء تونس والجزائر، رفضت الاعتراف بها تضامنا مع المملكة المغربية، التي كانت تدعي آنذاك أن موريطانيا جزء من ترابها التاريخي، وهي لا تعترف بالتالي باستقلالها رغم اعتراف الأمم المتحدة به.

ودخلت موريطانيا في معركة التناقض المغربي الجزائري في عام 1967، بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي الأول في الرباط، حيث رفض الرئيس الجزائري المشاركة في المؤتمر ما لم تقبل عضوية موريطانيا المستقلة.

وكان غياب الرئيس بو مدين مساسا بمصداقية المؤتمر إن لم يكن إنذارا بفشله، وهنا فقط تم قبول الوجود الموريطاني.

ونتيجة للضغوط الجزائرية والتونسية دخلت موريطانيا إلى حظيرة الجامعة العربية بعد 12 سنة من قيامها كدولة مستقلة.

غير أن الجامعة عرفت فضيحة كبرى إثر اتفاقية كامب دافيد بين مصر والكيان الصهيوني، وهي اتفاقية ربما كانت لها مبرراتها على مستوى القيادة المصرية، لكنها كانت كارثة على الوطن العربي، لكن الجامعة العربية وأمينها العام آنذاك السيد محمود رياض، الذي كان عضوا في مباحثات اتفاقيات الهدنة بين مصر وإسرائيل في رودس عام 1949 منحتها البركة، تاما مثل الأزهر، الذي استدل علماؤه، كالعادة، بالآية القرآنية: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها.

لكن الفضيحة الكبرى، والتي يستعرض الأستاذ محمد حسنين هيكل بعض جوانبها في كتابه “أوهام النصر”، جاءت مع الغزو الغبي الذي قام به الرئيس العراقي صدام حسين لدولة الكويت في أغسطس 1990، والذي يحمل الرئيس المصري محمد حسني مبارك بعض مسؤولياته إن لم يكن أهمها.

وتدل دراسات كثيرة على أن صدام حسين كان قد وعد بسحب قواته في نفس الأسبوع، لكنه اشترط أن يُعطي له اجتماع وزراء الجامعة العربية المجتمعين في القاهرة الفرصة لإنقاذ ماء وجهه بانسحاب مٌشرّف، لكن الجامعة العربية، وبضغوط متعددة أهمها ضغوط دولة المقر، اتخذت موقفا منددا دفع صدام إلى العناد والتشدد.

يومها كانت الجامعة العربية قد انتقلت إلى تونس إثر التناقض المصري العربي، واستقال محمود رياض ليخلفه التونسي الشاذلي القليبي، وكان مؤتمر العاشر من أغسطس مهزلة كبيرة أشرف على حياكتها الرئيس حسني مبارك، وقيل أن النص الرئيسي لبيان القمة كان مترجما عن نص كتب بالإنغليزية، وكان يشير إلى حدوث الغزو العراقي يوم 1 أغسطس ، وليس 2 أغسطس، مما كان يعني أن النص الأصلي كتب في واشنطون، نظرا للفارق الزمني بين المنطقتين.

وانتهت القمة باستقالة الشاذلي القليبي، ودخول القوات الأمريكية إلى المنطقة للمساهمة في تحرير الكويت، والذي كان هدفه الرئيسي، كما تأكد فيما بعد، تدمير القوة العراقية، التي كانت القوة الوحيدة القادرة على أن تكون عمودا فقريا للمنازلة المحتملة مع إسرائيل، وكانت المحصلة النهائية شرخا عربيا زاد من خطورة الشرخ الذي أحدثه اتفاق كامب دافيد.

ولن أدخل في كل التفاصيل التي حدثت بعد ذلك لأنها ما زالت حية في الأذهان، ويكفي أن أقول أن تلك التطورات دفعت كثيرين إلى التفكير في محاولة لإنقاذ الجامعة العربية، التي أصبحت في عهد الرئيس مبارك مجرد زائدة دودية تابعة لمؤسسة الخارجية المصرية، التي كانت هي نفسها زائدة دودية تابعة للسيد عمر سليمان، رجل المخابرات المصرية الأسطوري.

وكان من الخطوات الهامة إعادة النظر في قضية الأغلبية، حيث أن الميثاق لم يكن يلزم الرافضين لقرار ما بالانسجام مع رأي الأغلبية كما هو الحال في كل المنظمات الدولية وبالتالي يفرض عليهم تنفيذ القرار.

وربما كان أهم ما أنجز في تلك المرحلة، ومع عودة الجزائر إلى النشاط على الساحة الإقليمية، هو قرار احترام دورية القمم العربية، أسوة بما تنفذه منظمة الوحدة الإفريقية، التي أصبحت الاتحاد الإفريقي.

ثم تعالت فكرة رفض المنطق الذي يفرض اختيار الأمين العام للجامعة من دولة المقر، وهو ما يتناقض مع التقاليد الدولية والجهوية، لكن طرح القضية، وخصوصا من الجانب الجزائري، كان طرحا جمع بين الغموض والميوعة، مما أثار عند الأشقاء في مصر، وكالعادة، حجما كبيرا من ردود الفعل العاطفية التي تقترب من الشوفينية.

وراح البعض يزايد رافضا ما رأوه اتجاها نحو تدوير المنصب، وهو ما لم يُطالب به أحد للأمانة، حيث أن المطالبة انصبت أساسا على ضرورة أن يكون ترشيح الأمين العام ترشيحا عربيا وليس ترشيحا محليا.

وببساطة شديدة، لم يكن هناك مانع أن يتولى المنصب لدورات متتالية ديبلوماسيون مصريون ترشحهم الدول العربية مجتمعة، ولا تفرضهم وزارة الخارجية المصرية بمنطق تبعية المنصب لدولة المقر.

ولم يكن هناك أحمق يطالب، بمنطق تدوير المنصب، بدور لدولة ما في انتزاع منصب الأمين العام، وهي لا تملك عددا كافيا من الإطارات السامية لشغل مناصب داخل بلدانها نفسها، لكنه لم يكن من المنطق أيضا أن تحرم كفاءات عربية من شغل منصب يمثل كل العرب، خصوصا عندما يتأكد أنه لا يرى إلا النظرة المصرية للأحداث.

ولعل هذا هو ما أظهره استقبال السيد نبيل العربي لممثل حركة تمرد، في حين أن الأمين العام لم يستقبل مرة واحدة، على الأقل…للإطلاع وللعلم، مناضلا مثل محمد عبد العزيز، أو عالم دين مثل الشيخ القرضاوي، أو قيمة متميزة مثل الشيخ حسن نصر الله.

وتبدو عمليات إصلاح الجامعة كنوع من الترقيع، للحفاظ على مناصب عمل لمن أرادت بعض الدول التخلص منهم لسبب أو لآخر، ويتأكد أن تكريم الجامعة العربية قد يكون كتكريم اتحاد المغرب العربي، وهو تكريم يتم على أساس أن تكريم هو الميت الإسراع بدفنه.

أي أن المطلوب اليوم هو جامعة عربية جديدة تبتعد بنا عن السياسة التي لن نحقق فيها شيئا على المدى القريب، لأن الشوفينية تأصلت في النفوس، وتبتعد عن الاقتصاد الذي يسيطر عليه غالبا منطق تجار الشنطة، وهكذا تجعل من الوحدة اللغوية العربية أساس تحركها، بدءا بالعمل على صياغة منهج تعليمي عربي موحد يجعل للغة العربية نفس القيمة الدولية للغة الفرنسية، عبر منظمة الفرانكوفونية.

وفي البدء كانت الكلمة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. حفظكم الله أستاذنا القدير :
    هذه وقائع وحقائق تاريخية اعتقد انه من حق هذا الجيل الاطلاع عليها ومعرفتها لان المناهج التعليمية في الوطن العربي تصب جل إهتمامها على منجزات الزعيم والقائد الفذ وو…. وصاحب العظمة والسمو والخ..وكذالك أعداد علماء السلطة لتسخيرهم للإفتاء بوجوب طاعة ولي الامر حتى ولوكان فاسقا او معتوها.
    نتمنى ان تجدوا طريقا لإيصال الحقائق والوقائع التاريخية الى الشباب العربي .

  2. هذه حقائق و معلومات تاريخية مهمة أقرأها لأول مرة حول نشأة و ترعرع الجامعة العربية ، نشكر الأستاذ محي الدين عميمور على كرم إحاطتنا بها ، الفقرة الأخيرة من المقال تركز على رد الإعتبار للغة العربية لجعلها كأداة بناء و وحدة ، لأن الحوار يسهل عندما تكون اللغة مشتركة مع منهج تعليمي تربوي مشترك ، التجمع الحالي هو عائق كبير يحتاج إلى إعادة نظر إذا أراد العرب أن يكون لهم منبر و منظر محترمين . تقديري لاستاذنا عميمور .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here