جاسم مراد … رفع الراية الليبرالية الوطنية دون تردد

 

ريم خليفة

مازال شتاء فبراير/ شباط 2019 البارد  يهيمن على أجواء مشهد سياسي بحريني صامت وحزين ومضطرب. ذكرتني بأجواء شتاء فبراير في العام2011 البارد الذي صاحبته ذكريات حراك او انتفاضة او احداث أجهضت وبقى ما بقى ورحل من رحل، دون حل ودون توافق وطني حول مواضيع جوهرية تتعلق بالحقوق والحرية والعدالة والامن والاستقرار والتنمية.

 

ماحدث في البحرين جاء انعكاسا لما يحدث في الوطن العربي، وهو امر ليس جديدا، اذ انعكست احداث الوطن العربي على سنوات الخمسينات من القرن العشرين والعقود اللاحقة، وبرزت في كل فترة شخصيات تشكلت بسبب تلك الاحداث، واثرت فيها. ومن تلك الشخصيات البارزة، كان رجل الاعمال والناشط السياسي جاسم مراد الذي ارتحل عن الدنيا الشهر الماضي بعد ان قضى عشرات السنين من حياته حاملا لراية الوطنية والليبرالية، هذه الراية التي لم يكن لها جمهور عريض كما لغيرها من الاتجاهات، ولكن ذلك لم يؤثر على مراد ذاته. 

 

توفي جاسم مراد عن قرابة التسعين عاما، وكان سياسيا ومن عائلة تجارية معروفة، وهي كانت ميزة كثير من المتصدرين للعمل السياسي في خمسينات القرن الماضي. فقد كان العديد من افراد النخبة في تلك الفترة من المتمكنين اقتصاديا، وكانوا مثقفين ومرتبطين باخر التوجهات المتواجدة في عصرهم. وما ميز مراد انه كان يمثل خطا فكريا يمكن تعريفه  بالليبرالية الوطنية، وعلى الرغم من اقلية اتباع هذا الاتجاه الا ان مراد ظل مخلصا لافكار هذا الاتجاه اثناء فترات حياته المختلفة، حتى وفاته. 

 

مراد انتخب للبرلمان (المجلس الوطني) في سبعينات القرن الماضي، وتميز في مواقفه التي تتوسط المعارضة والحكومة، وسعى طوال سنوات نشاطه السياسي الى اطلاق دعواته لفصل الخلفيات الدينية والطائفية عن الحياة العامة.

 

ظل يطالب بنبذ خطابات الكراهية وعن تجيير المساجد لصالح هذا الاتجاه السياسي او ذاك، وكان جريئا في طرح مواقفه علانية، واستفاد من المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها للتواصل مع الجميع باريحية. 

ولذا كنا نسمعه ينتقد اداء الحكومة واداء مجلس النواب وكذلك اداء المعارضة التي تنطلق على اساس ديني. وكان يفخر بانجازات جيله من السياسيين الذي ساهموا في انجاح استفتاء الامم المتحدة على عروبة واستقلال البحرين في العام 1970.

 

ليس غريبا أن نسترجع كلام مراد اليوم ولكنه بلا شك يعكس واقعا عربيا، وذلك عندما يقول ” نحن عبيد في البلاد العربية لأننا لا نمتلك الحرية… التيارات التي تحتضن الجهل باسم الإسلام هي من تساعد الموساد… الحكومات العربية تشتري أسلحة لا تعرف كيف تستعملها… لماذا لا تنفق هذه الثروات على العلم الحديث؟… في البلاد العربية يعمل بعض رجال الدين في المخابرات…”. 

 

لقد عبر عن صوته الليبرالي الداعي بالأخذ بالعلم والتسلح به فبحسب مراد ” لا يعقل أن تكون المساجد مكانا للسياسة لأنها مكان عبادة  …كما لا يعقل أن  نرفض الفن على اعتبار انه حرام لان الفنون علامة من علامات الارتقاء للأمم ونحن لا نتقدم لأننا لا نشجع الفنون(…) وننفق ثروات طائلة على شراء أسلحة لا نعرف كيف نستخدمها، ولو ركزنا على الأخذ بالعلم الحديث لاستطعنا استعمار حتى مستعمرينا، ماذا فعلنا نحن ضد الاستعمار الغربي؟ “.

 

ومراد كان رأيه  ان المشكلة العربية الكبرى تكمن في استغلال اليهود للخيبة العربية، والنفسية العربية المحطمة التي تريد أن ترجع حقوقها بأي شكل، وجعلوا الانغماس  يقود العرب نحو التأخر، وشجع الأساليب التي يطرحها بعض شيوخ الدين، والتي تشوه صورة الإسلام الحقيقية وتدعو إلى التطرف والانغلاق على الذات.

 

من هذه المحطات انطلق مراد يعلن آراءه التي تميزت دائما بالجرأة، يؤمن بأن حرية الرأي لابد أن تكفل للجميع، وانه بالعلم يمكن أن تتطور الشعوب.

 

مراد الذي حمل الراية الوطنية دون تردد حمد الله يوما على النعمة التي عاشها ، ولكن الحقيقة التي كما قالها في إحدى لقاءات صحافية سابقة: ” هي أنني لو لم أكن وضعت في صفوف المعارضين لكنت امتلكت مالا كثيرا، العمل في السياسة خلق القلق لدى أسرتي، وخلق لدي الحاسة السادسة، أصبحت أتوقع الأشياء قبل حدوثها”.

[email protected]

كاتبة صحافية بحرينية 

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ان جازلنا التعليق توضيحا دعيني أخالفك الراي والرؤيا الى ما خلصتي اليه تعريفا ونتائج للبراليه الوطنيه ومخرجاتها والتي محصلتهّا تغييب الدين عن السياسة وغيرها وهو الرافع الثابت من روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه اضافة للقيم والثقافه والآعراف كروافع متحركه التي هي مصدر التشريع الناظم لأي من المجتمعات ولكل مجتمع خصوصيته (ولايعقل مايكون في حواري الشانزليزيه يجب ان يكون في حواري المنامه ) ؟؟؟ ودون تناغمها يودي الى صراع المعايير مابين المكون المجتمعي المؤدي الى التقوقع تحت ظلال الطائفيه واوالقبليه وغيرها من باب الحماية والدفاع عن النفس ؟؟؟ امّا موضوع الدين كنهج يقف حائل بين العلم وغيره فهذا مجافي للحقيقه والمنطق ونحن أمة أقرا ؟؟ “إقراء بإسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علّم الإنسان مالم يعلم ” وحتى لانطيل استاذه ريم لابد هنا من التفريق مابين النهج والممارس حيث خلصتي بحكما اضطرادي على النهج من خلال الممارس (وهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون) ؟؟ ان جل اسباب ما آلت اليه الحاله العربيه هو تغول الغير على المنظومه المعرفيه المجتمعيه وروافعها تحت ستار الحداثه والعولمه والتنوير ومخرجاتها من منظمات وقوانين ومصطلحاتها المزركشه باطنها السم والدسم ؟؟(الجمل بما حمل ) مما اودى الى صراع المعايير مابين مكوناتها وبتنا على قاعدة رمليه سائبه لاندري كيف نستقر والى أي اتجاه نسير (لاقديم ثوبي بات يقيني حر الصيف وبرد الشتاء وبكل أسف والم لم أجد في الجديد لي مقاس) وهذا يتطلب إعادة ترميم روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه من ذات النسيج عندما توحدنا متلحفين بتشريع ديننا السمح (النسيج المغاير يلفظه الجلد ) “حيث كنا خير امة اخرجت للناس ” وغزونا مشارق الأرض ومغاربها بعلومنا وتجارتنا وعلاقتنا دون إكراه لأحد واومن أحد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ “وان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here