ثورة “النفس الطويل”.. البشير “كش مات” والعسكر يتصدّر

علاء وليد/ الأناضول: مصر 18 يوما.. تونس 28 يوما.. الجزائر 6 أسابيع.. السودان نحو 4 أشهر تشير المعطيات إلى أنها قد تستمر رغم الإعلان عن الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

“النفس الطويل” والمنتظم هو ما ميز ثورة السودان مقارنة ببعض مثيلاتها من الثورات التي اندلعت بعد عام 2010 في بعض الدول العربية وانتهت بالإطاحة بحكامها.

ففي 19 ديسمبر/ كانون أول الماضي، اندلعت في السودان احتجاجات محدودة تطالب بتوفير الخبز، ثم توسعت لتعم أنحاء البلد، ولتتحول سريعا لمطالبات برحيل النظام ورأسه عمر البشير، وهو ما تم الخميس.

عوامل عديدة ساهمت في نجاح الثورة في السودان ووصلت بها إلى المرحلة الأخيرة وهي الإطاحة بالبشير وهذه بعضها.

– إصرار رغم الإحباط

خلال الثورة السودانية شهد مسارها صعودا وهبوطا مرات عديدة ففي مراحل ما احتشد الالاف في شوارع وميادين الاحتجاجات إلا أنه في أسابيع أخرى تقلص العدد إلى عشرات ما أدى إلى ظهور تحليلات وتيارات وقتها تشير إلى أن شمس الثورة في طريقها إلى الأفول.

إلا أن الاحتشاد والتحشيد في اعتصام قيادة الجيش الأخير خلال الأسبوع الأخير للثورة هو ما حفّز المتظاهرين وبث فيهم روح الثورة مرة أخرى وزاد إيمانهم بأن حراكهم من الممكن أن يفضي إلى تحقيق مطالبهم.

– حركة “كش مات”

مما لاشك فيه أن الخطوة الأخيرة في الحراك التي تمثلت في التظاهر المستمر أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم كانت بمثابة حركة “كش مات” في لعبة الشطرنج بالنسبة لحكم البشير.

فمنذ ساعات الصباح الأولى من فجر السبت عمت مظاهرات عدة أحياء الخرطوم وعملت الشرطة السودانية على تفريقها بالغاز المسيل بالدموع.

وتزامنت حركة “كش مات” مع ذكرى انتفاضة السادس من أبريل/ نيسان الشهيرة التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985 بعد حكم للبلاد 16 عاما.

– “نشوة” ثورة الجزائر

استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في 3 أبريل/ نيسان الجاري وقراره إنهاء ولايته الرئاسية الرابعة قبل موعدها المحدد في 28 من الشهر نفسه، بعد مسيرات مليونية طالبت برحيله كان لها أثر كبير في السودان ودافع قوي للمتظاهرين للنزول إلى الشوارع والإصرار على رحيل البشير.

وما زاد من حماس المتظاهرين السودانيين وإصرارهم هو سرعة نجاح الجزائريين في إجبار بوتفليقة على الاستقالة بعد 6 أسابيع فقط من خروج أول مسيرة رمزية ضد ترشحه لعهدة خامسة، من ملعب الشهيد رويبح حسين، بولاية جيجل شرقي البلاد.

– استمالة الجيش

مع عدم امتثال البشير لمطالب الشارع ووصف المتظاهرين بـ”الخونة والعملاء” تارة والاعتراف بحقهم في التظاهر وبعض مطالبهم تارة أخرى، تيقن المتظاهرون أنه لم يمتثل لمطالبهم عن طريق المظاهرات المتفرقة وإنما لا بد من استمالة الجيش ليكون هو من يحقق مطالبهم بفرضها على البشير وهو ما حصل بالفعل.

ولستة أيام على التوالي واصل الالاف من المتظاهرين الاعتصام والتظاهر أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم للاصرار على قيادة الجيش بالتدخل واستلام زمام المبادرة.

وما حفز المتظاهرين على الاستمرار هو بوادر انصياع الجيش لمطالبهم من خلال حمايته لهم وصده لبعض اعتداءات قوات الأمن التي حاولت في مرات عديدة تفريقهم وفض اعتصام قيادة الجيش.

– “الكنداكة” وأيقونات الثورة

نجحت بعض الشخصيات المشاركة في الثورة ضد البشير في التحول سريعا إلى أيقونات حفّزت فئات المتظاهرين على الاستمرار في حراكهم.

ولعل السيدات والأطفال المشاركين في الثورة ومقاطع الفيديو التي انتشرت لبعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يرددون عبارات مثل “يسقط بس″.. و”قوة البشير قوة فاسدة” حولتهم إلى أيقونات للثورة وساهمت في نقل صورة الحراك في السودان في أبدع صورة.

وانتشر خلال الأسبوع الأخيرة مقطع فيديو لشابة سودانية ترتدي الزي التقليدي السوداني وتعتلي سيارة وتحمل بيدها ميكرفون وتلقي قصيدة ثورية ما ألهب مشاعر المتظاهرين وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم تحت اسم “الكندانة”، وهي تسمية تطلق على الملكات النوبيات قديما.

– التنظيم الجيد

كان لتنظيم المتظاهرين واستجابتهم للدعوات دور كبير في نجاح الثورة في السودان.

وإضافة إلى ائتلافات وأحزاب المعارضة كانت لدعوات “تجمع المهنيين السودانيين” الدور الأبرز في قيادة الاحتجاجات وتنظيم المسيرات والتظاهرات وتحديد أماكنها وشعاراتها.

– الثورة “مستمرة”

وأعلن وزير الدفاع السوداني عوض بن عوف اليوم الخميس عزل الرئيس عمر البشير واعتقاله، وبدء فترة انتقالية لعامين تتحمل المسؤولية فيها اللجنة الأمنية العليا والجيش.

جاء ذلك في بيان بثه التلفزيون الرسمي السوداني، وأعلن فيه بن عوف أيضاً إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وحظر التجوال لمدة شهر اعتبارا من مساء الخميس.

بدوره أعلن رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض عن قوى الحرية والتغيير عمر الدقير، استمرار الاعتصام (أمام مقر الجيش) حتى تحقيق مطالب الثورة.

جاء ذلك في خطابه للمعتصمين، الخميس، أمام مقر قيادة الجيش السوداني في الخرطوم بعد بيان بن عوف.

وقال الدقير إن “الثورة مستمرة ومنتصرة”.

بدوره رفض تجمع المهنيين السودانيين بيان الجيش “جملة وتفصيلا”.

وقال مصدر مقرب لتجمع المهنيين بأن الأخير رفض على الفور بيان الجيش جملة وتفصيلا لأنه “يعيد الأزمة باستبداله البشير الانقلابي بعوض بن عوف الانقلابي”.

وكانت المعارضة السودانية عبرت، الخميس، عن رفضها لأي “انقلاب عسكري” جديد يعيد إنتاج أزمات السودان.

وقال بيان مشترك صادر عن تجمع المهنيين وتحالفات أحزاب “نداء السودان” و”الإجماع الوطني” و”التجمع الاتحادي الديمقراطي”، قبيل بيان الجيش، إنه “لا يمكن مخاطبة الأزمة من خلال انقلاب عسكري”، على أساس رفضهم فكرة تولي الجيش المرحلة الانتقالية.

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here