ثورات “الربيع العربي” ترفع فاتورة الإنفاق المجتمعي بدول الخليج

gulf-leaders.jpg44

 

بيروت ـ عدنان كريمة ـ الأناضول ـ
مع الاخذ بالاعتبار النتائج السلبية والايجابية لثورات “الربيع العربي” وتداعياتها، فهي صرخة انطلقت من فئات شابة احتجاجاً على وضعها المعيشي والاجتماعي، ومطالبة بالحرية والديمقراطية و”المشاركة السياسية”، وتضم شرائح شعبية مختلفة وخصوصاً من “الطبقة الوسطى”.
وقد تأثرت دول مجلس التعاون الخليجي من تداعيات ثورات “الربيع العربي” منذ بداية الحراك في العام 2011، وبرزت مطالبات تحديثية في بعض هذه الدول، وطالبت بعض الفئات بتحسين أوضاعها، ورافق ذلك احتجاجات شعبية طالبت بتغيير سياسي مثل ما حصل في البحرين.
وبعد مرور نحو ثلاث سنوات، لوحظ ان المجتمعات الخليجية شهدت بعض التحولات، وإن كانت لم تطف على السطح الا في عدد محدود منها، وتتنازعها عوامل محفزة وداعمة، واخرى محبطة ومثبطة، تشمل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى أن بعض هذه المجتمعات اكدت حاجتها الى القنوات السياسية السلمية لتحقيق “المشاركة السياسية” المطلوبة، بدلاً من أن تترك لتغيرات غير محسوبة قد تلحق الضرر الجسيم بها، كما حدث في تلك البلدان العربية التي شهدت سلسلة احتجاجات شعبية وانتفاضات ثورية.
الطبقة الوسطى
إذا كانت الفئات الشابة من “الطبقة الوسطى العربية” هي التي كانت اساس انطلاقة ثورات “الربيع العربي”، فان السؤال المطروح: ما هو وضع “الطبقة الوسطى” الخليجية وما هو مدى تفاعلها مع التطورات التي يشهدها الوطن العربي؟…
الطبقة الوسطى، كما تم التعريف بها، انها مجموعة من الناس بين الطبقتين العليا والدنيا في المجتمع، وقد بدأ استخدام هذا المصطلح في اوروبا في اوائل القرن التاسع عشر، وكان يشير الى البرجوازية أو طبقة المهنيين التي نشأت بين الارستقراطيين والفلاحين.
ويستخدم علماء الاجتماع مصطلح التدرج الطبقي لوصف عملية تقسيم المجتمع الى طبقات، وتقوم هذه العملية على عوامل عدة هي: مهنة الشخص، الدخل، القوة، السمعة، والثروة.
وتكسب غالبية الطبقة الوسطى رزقها من العمل، ولا ترث ثروات طائلة، كما ان معظم مهن الطبقة الوسطى لا تشمل اعمالاً يدوية، وتضم هذه المهن اصحاب الاعمال والمديرين والكتبة والمحامين والاطباء والمعلمين.
ووفق بعض الدراسات، هناك عدة مقاييس احصائية واجتماعية لقياس حجم الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي، منها نسبة العاملين الذين تفوق اجورهم الشهرية 70 % من متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، أو الذين تفوق اجورهم الشهرية 70 % من متوسط الرواتب، أو على أساس القطاعات الفنية والمهنية، أو حجم الحاصلين على شهادات جامعية، واخيراً على أساس حصة الانفاق على الترفيه والادخار من مجموع الانفاق الشهري.
وفي رأي دراسة اقتصادية، انه كلما كان قياس الطبقة الوسطى مبنيًا على أرقام الدخل الحقيقية اقترب من المصداقية بصورة أكبر. ولذلك، تم وفقًا لهذا المقياس الاستعاضة عن نصيب الفرد من الدخل القومي بمتوسط الرواتب والأجور، وباستثناء الكويت التي يتضح أن متوسط الرواتب والأجور أعلى من نصيب الفرد من الدخل القومي؛ فقد أدى اعتماد هذا المقياس إلى ارتفاع الطبقة الوسطى في البحرين وسلطنة عمان من 20 % ليتراوح ما بين 26 و 27 %، بينما ارتفع في الإمارات من 35 % إلى 40  %، وارتفع في السعودية من 12 % إلى 34 %. بينما ظل في الكويت على حاله اي 33 %.
وتشير هذه التفاوتات، وخاصة في حالة السعودية، إلى عدم عدالة تمثيل مؤشر نصيب الفرد من الدخل القومي لحقيقة دخل الفرد في دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي الخصائص السياسية، تبين أن البيئة السياسية تحد من آمال وتطلعات الطبقة الوسطى في ظل تنامي وعيها السياسي وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية؛ وكذلك في ظل غياب الدساتير العقدية والتشريعات الضامنة للمشاركة السياسية، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، لا تجد هذه الطبقة أمامها مجالا واسعا للعمل السياسي، مما يجعلها محل تجاذب التيارات الإسلامية حينًا وتيارات الاغتراب الثقافي والعولمة حينًا آخر.
وقد أدى تغلغل التيارات “المتشددة” في صفوف الطبقة الوسطى إلى المزيد من الانقسام الاجتماعي بحكم التركيبة المذهبية والطائفية مما يضعف دورها. وتزداد خطورة هذه البيئة السياسية المثبطة بالنظر لتنامي الوعي السياسي، وخاصة لدى الشباب الذين يمثلون نسبًا تتراوح ما بين 40–50 % من المجتمعات الخليجية.
أما بالنسبة للخصائص الاقتصادية، فقد أظهرت الدراسة انها تضفي هشاشة على وضع ودور الطبقة الوسطى الخليجية، لاسباب عدة اهمها:
أولاً: الخلل السكاني الكبير، حيث يتراوح السكان الأجانب ما بين 55-90 % من مجموع السكان، وهذا يُضعف بالضرورة التماسك السياسي والاقتصادي والاجتماعي للطبقة الوسطى، ويغيّب صوتها ويخلخل تحركها، ناهيك عن استخدام الوافدين في بعض الدول الخليجية كالبحرين ودبي في عملية توطين فعلي بهدف تشكيل توازنات اجتماعية واقتصادية جديدة.

ثانيًا: أن ثروات الطبقة الوسطى قائمة على أسس هشة تتمثل في أنشطة مضاربة  كالعقارات والأسهم؛ فبند الرواتب والأجور من المضاربات يمثل حصة 56–57 % من إجمالي دخل العوائل في الإمارات وقطر؛ حيث تشير هذه النسبة إلى اعتماد فئات كبيرة من الطبقة الوسطى الخليجية على الدخل من استثماراتهم في الأسهم والعقارات.

ويتضح  ذلك من عدة مؤشرات، على سبيل المثال يبلغ عدد المتعاملين في البورصة السعودية 4.3 مليون متعامل. وقد أدت الانهيارات المتتالية لأسواق الأسهم الخليجية لعواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة بما في ذلك على الطبقة الوسطى، ابتداء من أزمة سوق المناخ الكويتي عام 1982 وصولاً للأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، حيث تؤدي هذه الانهيارات باستمرار لدخول وخروج فئات كبيرة إلى -ومن- ما يمكن تسميته: “الطبقة الوسطى”.
اضافة الى ذلك هناك عدة عوامل مثبطة، منها تفشي معدلات البطالة وضعف الرواتب في أوساط الشباب الخليجي حيث تتراوح نسب البطالة بين 10-20 % في بعض البلدان الخليجية، وكذلك ضعف القطاع الخاص مقابل القطاع العام.
ويؤكد الكثير من الأدبيات أن هناك علاقة إيجابية متعددة الأشكال بين متانة القطاع الخاص وتنامي حجم الطبقة الوسطى،ففي الكويت والإمارات اللتان يستوعب فيهما القطاع العام 80–90 % من العمالة، جاء حجم الطبقة الوسطى فيهما أكبر من البحرين وسلطنة عمان اللتين يستوعب فيهما القطاع العام 11–44 % من العمالة.
ومعروف أن اقتصاديات القطاع الخاص الخليجي قائمة على العمالة الأجنبية الرخيصة مما يدفع منحنى الرواتب بشكل عام نحو الأسفل.
الشراكة الاقتصادية

وهكذا يبرز في الخصائص الاجتماعية دور النفط الذي هيمن على المجتمعات الخليجية على مدى أربعين عامًا، وقد ولَّد أنماطًا من الثقافات أضعفت إجمالاً الوعي والعمل السياسي بما في ذلك في صفوف الطبقة الوسطى، فأضعف وشوّه قيم المواطنة والانتماء والحقوق والواجبات والمساواة وعدم التمييز.
ولقد استطاعت أموال النفط أن تظل ردحًا كبيرًا من الزمن، ولغاية الآن في بعض الأقطار الخليجية، تضمن قبول فئات الطبقة الوسطى بالأنظمة الحاكمة مقابل حصولها على خدمات اقتصادية واجتماعية مثل الإسكان والصحة، والتعليم والكهرباء والماء والنقل، علاوة على الدعم المباشر للأسر.
وبذلك استُبدلت الشراكة السياسية بنوع من أنواع الشراكة الاقتصادية. لكن مع تفاقم مكامن الخلل في نمط النمو القائم على اقتصاد الريع، تراجعت معه متانة الشراكة الاقتصادية بين الأنظمة الحاكمة والطبقة الوسطى عبر تراجع مستويات الرواتب والعطايا وأشكال الدعم وتزايدت معدلات البطالة ومشكلة الإسكان والغلاء وتقلص فرص التوظيف، بالتزامن مع تزايد أعداد خريجي الجامعات والانفتاح العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك كله، انتشار التيارات الإسلامية في صفوف الشباب بدلاً من الحركات الوطنية الليبرالية التي سادت في الستينيات والسبعينيات.
ولتعزيز عوامل “الشراكة الاقتصادية” تزيد حكومات دول الخليج انفاقها على الخدمات للمواطنين وخصوصاً في مجالات التعليم والصحة ودعم اسعار الوقود والسكن وغيرها.
ومن المتوقع أن يواصل قطاع الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي نموه القوي، مدفوعاً بالعوامل الديموغرافية والاقتصادية في المنطقة، مع زيادة حجم الإنفاق على الرعاية الصحية في دول المجلس بمعدل سنوي مركب يبلغ 11.4? ما بين عامي 2010 و2015.
في أحدث كلمة له في 14 كانون الثاني (يناير) 2014 تحدث الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الامارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عن اجندة وطنية للامارات خلال السنوات السبع المقبلة وصولاً لرؤية الامارات 2021 في عيدها الذهبي بمناسبة اكمالها خمسين سنة من اتحادها” أثبت شعبنا للعالم انه من اكثر الشعوب سعادة، بل وتزيد سعادته كل عام، بحسب تقارير الامم المتحدة”.
وأكد أولوية دائمة لقطاعات التعليم والصحة والسكن ومضاعفة التوطين في القطاع الخاص، مضيفاً “ان الحكومة وضعت هدفاً خلال السبع سنوات المقبلة لرفع نصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي بنسبة 65 %، لان الهدف النهائي لمشاريع التنمية هو توفير الحياة الكريمة للناس، وليس فقط تحقيق مراكز متقدمة في التقارير الدولية”.
وإذا كان حالياً نصيب الفرد الاماراتي نحو 42 الف دولار، فانه سيصل الى نحو 70 الف دولار في العام 2021.
إضافة الى ذلك، لوحظ ان بعض المشكلات الاقتصادية والمعيشية اسهمت في ظهور تحديات سياسية في البحرين وعمان في مطلع العام 2011، مع بدء الحراك العربي، وقد قررت السلطنة ضخ مبلغ قدره 2.6 مليار دولار لتحقيق اهدافها الاجتماعية ومنها انقاذ نحو 40 الف فرصة عمل في الدوائر الرسمية فضلاً عن تقديم مبالغ نقدية للمواطنين العاطلين عن العمل.
وفي المقابل رأت البحرين في مشروع “مارشال الخليجي” ملجأ لمواجهة بعض الاسباب التي اسهمت بنزول عدد كبير من الناس الى الشارع، وشملت المطالبات تحقيق اصلاحات سياسية مثل تعزيز صلاحيات السلطة التشريعية، فضلاً عن التوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص.
وتبين من خلال التكيف مع تداعيات الاحداث، استعداد الدول الأربع الاكثر ثراء وهي: السعودية والامارات والكويت وقطر، في تقديم معونة بقيمة عشرة مليارات دولار للبحرين وعمان، بهدف النهوض باقتصاديهما، وذلك بمعالجة امور حيوية وخدمات للمواطنين من تشييد المنازل وتطوير البنية التحتية، وبما يساهم في تحسين وتطوير الاوضاع المعيشية.
ووفقاً لدراسة نشرتها مؤسسة (آي – اتش – إس) الاستشارية فانه من المتوقع تزايد احتياجات دول (الخليجي) من الطاقة بأكثر من %50 في السنوات 17 المقبلة ووفقاً لتقديرات المؤسسة فإن هناك حاجة الى استثمارات بقيمة أكثر من تريليون دولار بحلول 2031 لكي تفي بتزايد احتياجات الغاز والكهرباء في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ووفقاً لصندوق النقد الدولي فإن تكاليف دعم الطاقة في بعض دول (الخليجي) %28 من الايرادات الحكومية في 2011.
وكشف تقرير اقتصادي  حديث أن دول الخليج دعمت أسعار الطاقة والكهرباء لديها بأكثر من 100 مليار دولار وفق آخر إحصائية بنهاية عام 2011.
وقال التقرير الصادر عن المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية، إن السعودية دعمت أسعار الطاقة لديها بنحو 61 مليار دولار خلال عام 2011، والإمارات بـ22 مليار دولار، والكويت بنحو 13 مليار دولار، وقطر بـ6 مليارات دولار

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here