ثنائيات الهوية والمواطنة  hang out

 

 

خالد عياصرة

لم اكن يوماً جزءاً من الثنائيات القاتلة، وما يتولد منها من هويات فرعية تعبر عن كينونة عرقية تستلذ في ادوار الضحية، باعتبار ” الاخر ” مهدد للسيطرة بعد التصفية، فهي صاحبة دم أزرق تستمد شرعيتها من بقايا فكر ” الآري ” يرى نفسه فوق الجميع، مع أن كلا الطرفين ليسوا إلا عبيداً في ساحات السادة، وأدوات لهدف وغاية يتم التحكم بها. هذه تجدها في قصص اردني فلسطيني، شمالي جنوبي، مدني فلاح، غني فقير، مسلم مسيحي، ففي قلب كل فرد فينا هناك زاوية لهذه القصص، تماماً كما الملحد الذي ينكر وجود الله، لكنه عندما يتعرض لموقف صلب، لا يتوانى عن رفع يده لطلب النجاة !

ثنائية قاتلة، ترتكز على الخلافات وتعظم من شأنها، لكنها تحزن وتشعر وتساند بعضها بعضاً في الأزمات والشدائد، هذه يمكن تسميته انفصام حقيقي، تعززه قصص، تبدأ بالفيصلي والوحدات ولا تنتهي بالتصريحات والبيانات، صار الفرد منا يخاف ان يبدي رأيه، فالتهم جاهزة.

كل أزمة، تطبق عليها هذه الافكار، حتى وإن كانت بذاتها مجرد فعل لا قيمة له ولا يستقيم مع الواقع، دون أن نسأل عن النتائج التي تترتب على الفعل إن تم نقله من أطر فردية ليصير رأي عام جمعي، يشغل الناس ويأخذ من أوقاتهم، ويجرهم صوب الثانويات مقابل انفراد المستفيد في تحصيل غنائم الأساسيات.

إن قلت وكتبت انا أردني اعشق وطني، سأتهم في وطنيتي، ليقال عني عنصري إقليمي، وإن قال غيري انا فلسطيني سأتهم في وطنيتي ليقال عني عنصري إقليمي.

لا يوجد خيار ثالث بين هذه وتلك، فإما أبيض وإما أسود، ثنائية قاتلة تقودك إلى فرعية ضعيفة جداً، تفرق ولا توحد، وتضر لكنها لا تنفع.

فهل ثمة فرق وتعارض بين أردنيتي وهويتي، وبين حبي و عشقي لفلسطين، القصة منفصلة ومتصلة في آن واحد، لا أساس سياسي لها، بل ديني بحت، انا كاردني اعشق فلسطين ببساطة تامة، وأن وعد الله حق، وأن معاهدات السلام وكل ما يقال ويشاع ليست إلا محض سذاجة.

 نعم وعد الله حق، فمن يتقدم جيش التحرير سيكون اردنياً، ومن يستقبل فرحاً سيكون فلسطينياً، فعل تكاملي لابد منه. من هذه الأرض تمر جيوش النصر ، ومن تلك الأرض يستقبل الاهل الاهل.

 وعد الله حق، هذا ايماني، فهل اتُهم في إيماني، وما اعتقده صواباً،  أسقط على صخرته كل ما يصيبه بمقتل، وابتعد عما يشعل نار العداوة والبغضاء.

نعم، يوجد فئوية ونظرة عنصرية بين هنا وهناك، يستغلها البعض باعتبارها وسيلة للدفاع عن الهويات الفرعية تم خلقها للسيطرة عليها، نشأت بفعل استعمار أو استحمار للشعوب، بفعل ” تياسة ” الساسة وقلة حيلتهم، نعم يوجد فئوية، من الوظائف إلى الأحلام و الاعتقال.

 لكن المستفيد ليس الشعب بل من يتلذذون بطعم جيف الأفكار القائمة على الإقصاء والاخصاء، هنا وهناك.

 دوما أسأل: لماذا لا تصير القضايا  الوطنية الايجابية، لتشكل رأياً عاماً، ثمة جمال يمكن البناء عليه، وحتما هناك من الإيجابيات ما يمكن تفعيلها لحماية المجتمع ” الضحية ” مما يحاك له، لإنتاج فعل سلبي يستفيد من أصحاب الرؤى الضيقة التي لا تعترف بحقوقها إلا أن قامت بشطب الآخر.

في سياق أخر، العديد من الأسر العربية و ابنائها في أميركا، ابنائهم،  لا يعرفون من تاريخ بلادهم عدا اسمها ولفظها، العديد منهم يفتقرون لأدنى المعلومات عن أوطانهم، هم منفصلون عن الشرق الأوسط وقضاياه، وبلاد ذويهم ليس إلا مكاناً ” للتسكع ” لكن هذا يمنح الحق لشيطنة وإنكار مواطنتهم ! لو افترضنا أن أحدهم أساء للأردن وفلسطين مثلاً بجهل أو بقصد، أليس من باب أولى توضيح الحقيقة وتقديم النصيحة له، لا ” سلخة ” عبر فضاء أزرق، بدلاً من احتويه لاستعادته، لا ابعاده ونبذه باعتبار فعله أو قوله إنكار يُوجب الطرد من رحمة الله.

نعم، هناك حساسية عندما يتعلق الأمر بسؤال الهوية والاصول والمنابت، الأمر أراه عادياً جداً، يمكن تأجيله لاحقاً ومناقشته ربما لأن القادم مرعب، لا ينظر الى الهوية بعين منفصلة، بل يراها من منظور جمعي، فكل من يعيش ويقيم ويلجأ، ليس إلا هدف مستباح يتوجب ارضاخه،لذا لابد أن يبقى متفرقاً منهكاً، جراحه عميقة وأفكاره مشتتة، لضمان السيطرة عليه وحيلولة دون استفاقته.

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. انه زمن الثنائيات القاتلة وفرق تسد وعلى مد عينك والنظر كما يقال

  2. أعتقد بأن شباب العياصرة شباب مثقف ومتعلم ولديهم وعي ورونق خاص .فكل الاحترام للكاتب وعائلته
    في الحقيقة من حق اي انسان أن يتغنى بوطنه ويعيش في ظلاله حرا كريما والاردني انسان ليس ببعيد عن كل ذلك أن المستعمر اللعين الذي قسم الوطن العربي واوجد الحدود المصطنعة وانشأ الدوله الوطنية والتي هي في حقيقتها مناقضة للدولة المركزيه والتي غير مسموح لها بالظهور مجددا والتي فيها أساس وحدة الامه والتي أصبحت في التاريخ البعيد. وباتت الأجيال لا تعرف سوى الدوله الوطنيه والمشاريع المستوردة التي هدفها التفتيت والتمزيق وبذر الفرقه بين الناس والتغني والرقص على أوتارها . اما الاردن اردن الحشد والرباط فلا يستطيع أحد أن يقول غير هذا الكلام وهذة الارض الطيبة والمباركه هي الانطلاقه والأوضاع باتت تتهييأ للمستقبل القادم لا محاله ولعله قريبا . حمى الله الاردن سليما معافاه ليؤدي دوره المقدس .

  3. احترم رايك استاذ خالد… واعلم أن المقابلة مثار الجدل كانت قبل تولي د. الرزاز رئاسة الوزراء وأعذر جهل الجيل الجديد في الكثير من قضايا الامة والاوطان.. وانا هنا لا اعتب على أية او غيرها ولكني اعتقد ان الحقيقة الواضحة انها لا ترى في الاردن لا وطنا ولا جذورا ولم تتربى على اي علاقة بهذا الوطن وكلامها لا يحتمل التأويل ابدا.. وهذا شأنها .. فلم تتعبون انفسكم بالتبرير واعطاء الامور اكبر من حجمها…

  4. من اجمل ما قرأت وبصراحة عندما ارى كاتبا مثل الاستاذ خالد وللاسف لم اكن من متابعيه سابقا ولكن الان اخذت عهد على نفسي ان لا افوت سطرا مما يكتب هذا الشجاع صاحب الفكر المستنير نعم اخي خالد واضيف تاكيدا لما تفضلت به وهي انني اجتمعت يوما مع اقطاب بما يسمى الاصلاح ومنهم من كان في مناصب رسمية رفيعة وكان النقاش حول الاحزاب فقلت لهم وهم من يتبنى نفس ما طرحته انت في مقالك بمعنى ان الهوية الوطنية الاردنية جامعة ولا يجوز اقصاء او تخوين اي طرف ولا ان يشعر اي طرف انه من الدم الازرق والمعصوم عن الخطأ فقلت لهم يا اخوان واسمع بتأني لو سمحت ماذا كان السؤال وماذا كانت الاجابة فهي بمثابة المفاح السحري وكلمة السر لكل ما نحن فيه اليوم ولو لم تكن لكنا افضل من سويسرا بلا ادنى مبالغة استند الى ذلك الى كلام علمي ودراسات…. اما سؤالي فكان اذا كانت القيادة تطالب باحزاب حقيقية فلماذا لا ننشئ نحن حزب اردني جامع دون ادنى اشارة الى منبت او اصل بل حزب سياسي اصلاحي يبدأ بكم ممن تؤمنون بتلك الايدولوجية وانا متأكد انه سيتقطب بلا مبالغة ملايين ممن يشعرون بانتمائهم للبلد دون شروط ….؟؟؟؟؟ اما الاجابة فهي المنعطف الذي اقسم انه غير حياتي فقد اجمع هؤلاء على ان ذلك النوع من الحزب يتعدى كونه خط احمر بل يكاد يصل للكفر و وتقويض اركانها…… انتهت الاجابة فهل وصلت الفكرة …..الذي يغفله الكثيرون ممن تربو على ما اراده هؤلاء لنا ان نؤمن به فصنفونا الى صنفين صنف ينتقد اذا تكلم في الشأن العام او يحارب اذا استلم منصب ولو صغير وهنا لا الوم العاديين بل اقول ان ذلك كان موجه لابقاء الشعور عند المكون الثاني ان لا علاقة لكم بالشأن السياسي والمكون الثاني للاسف وجهوه ايضا وربوه على انه لا يفهم بالادارة ولا بالاقتصاد واقصى ما يصل اليه الوظيفة فقط المدنية او العسكرية وليترك شأن الحكم ايضا لانه غير مؤهل وقد عززو ذلك عند الطرفين ومثال اخر انظر للحراك الذي يشهده الاردن كيف يتصرف الامن مع المكونين بطريقة مشابهة من حيث الاعتقال والسجن مع انه يزيد العيار على احد المكونين ليكون عبرة ويمنع انتشار هذا الامر بينهم لان خروجهم يعني بلنسبة لهم كارثة وفي الوقت نفسه يستأجرون صفحات وهمية باسماء وهمية تتناسب وكل حراك حيث يدخلون على صفحات الاحرا باسماء توحي انها غرب اردنية ليسبوهم وتدخل على صفحات الغرب اردنيين باسماء عشائر ليسبوهم ويهددوهم كل ذلك هو السر وراء نجاح هؤلاء في جعل الشعوب كقطيع لا يسمح له ان يتعدى ما رسم له ومثال اخير لو ان خالد العياصرة لم يكتب اسمه على المقال وطرحه كالتالي- كاتب شرق اردني -فقط سيتفاجأ في كمية الطعن التي سيتعرض لها على انه مستحيل ان يكون ابن عشيرة ويتكلم بهكذا طرح فهي التربية المتعوب عليها يا صديقي ….. اقدم التحية لسفيان التل و ليث شبيلات وغيرهم ممن ادركو حجم المؤامرة منذ القديم ولكن جرى قمعهم والتقليل من شأنهم وتسفيههم من اجل ان يبقو خارج الصورة…… شكر للعياصرة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here