ثلاثون عاما من الصحافة.. التقييم لكم

عرار الشرع

ثلاثون عاما مرت وكأنها ثلاثين ثانية، لم أشعر في خضم حياة ملأى بالأخبار، إلا وقد جاوزت الخمسين عاما، لتأتي اللحظة التي استطعت فينها أتوقف فيها لبرهة لأنظر ورائي.

تكنولوجيا تركب القطار السريع نحاول جميعنا، أبناء الإعلام، اللحاق به وغبار معارك ما زال يتصاعد في الأفق بدأ من الكويت عام 90 فعواصف الخليج المتتالية، التي لم تنتهِ بعد وإن تحول الميدان أكثر من مرة إلى أكثر من مكان.

ثلاثون عاما، عشت فيها تجارب متباينة حاولت خلالها أن أحافظ على نقائي وثوريتي وصدق الصحفي داخلي.

انطلقت في بدايتها ثورة الفضائيات التي بدأت بواحدة أو اثنتين ولم تلبث أن فرخت الآلاف، وكل يغني على ليلاه.

وفي أوسطها كانت ثورة الاتصالات، الانترنت والمحمول والبريد الإلكتروني.

وما لبثت أن انطلقت وسائل التواصل الاجتماعي التي اعتبرها ثورة خلطت بين المرسل والمتلقي، فبات الصحفي المحترف على جانب والصحفي الهاوي (المتلقي) على الجانب الآخر، ثورة ضاعفت سرعة نقل الخبر بشكل رهيب، لكنها حتى اللحظة لم تستطع ضبط الشائعات أو الأقاويل.

بمعنى أخر، إن الصحافة بثوبها القديم أن تفرض إيقاعها أو أخلاقياتها أواحترافيتها على الوسائل الثائرة.

فكان لا بد أن يلتقيا في منتصف الطريق فتغدو وسائل الإعلام التقليدية منبرا لوسائل التواصل وتستفيد تلك الأخيرة من وسائل الإعلام في نقل الأخبار.

فثورة التواصل هذه أنتجت ثورات سمها ما شئت، ربيعا عربيا، أو ثورة جياع أو انتفاضة مظلومين، لكنها تبقى ثورات هزت الأرض تحت رموز، لم يكن أكبر الحالمين يتوقع أن يتهاووا عن عروشهم، وهذا لا يعني أن الثورات لم تلامس أبناء الدول العربية الأخرى ولو على استحياء.

هي رحلة قطعتها متشبثا بكل جديد ومحافظا على كل قديم، حاولت خلالها تجنب المشاعر الشخصية في وصف الأحداث وكل ما كان النزاع يتعاظم في نفسي، كنت أرمي تلك المشاعر في حضن الحقيقة والموضوعية والمصداقية شادا على جرحي ومفضلا الحقيقة على الحسرة والشكوى.

فكلما كان يطلق جندي إسرائيلي رصاصة على صدر فلسطيني سواء كان طفلا أو كهلا أو شابا أو امرأة، كان الشعور الذي يعتريني هو الغضب لكني كنت في كل مرة أكظم الغيظ ولا أعفو.

لم يؤرقني خلال العقود الثلاثة شيء أكثر من منظر طفل ذبيح بسبب صراعات الكبار، ولم أشعر بالغضب أيضا إلا عندما يعرب الغرب الجامح عن قلقه من وضع الطفولة في الوطن العربي ومن احترام حقوق الإنسان ومن القمع والاعتقالات الوحشية، قلق رافقني ثلاثين عاما، لكن لم ترافقه في يوم من الأيام خطوة واحدة من القلقين ليتبدد قلقهم.

ثلاثون عاما وأنا ممسك بقلمي أكتب ولم أفكر يوما أن أعد الكلمات التي كتبت أو حتى السطور أو حتى الفقرات، لكنني واثق من شيء واحد هو أنني حاولت أن أصنع فرقا قد أكون نجحت وقد أكون فشلت والحكم الأول والأخير لأساتذتي وزملائي وأبنائي.

اعلامي وكاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email

9 تعليقات

  1. تستحق كل الاحترام والتقدير على مسيره و تاريخ وعطاء ارجو ان لا تتوقف عن الإبداع

  2. موسوعة الاعلام العربي والنابغه والعبقري لن اقول استراحة محارب لان قلمك سيبقى يكتب ويكتب… نفتخر بك ونعتز واربد الحنونه دوما تتغنى بالفخار انك احد لولادها البارين

  3. أشهد أنك صحفي وإعلامي مبدع ومحايد ولك بصمة قوية في ابتكار أشكال النشرات وتجميلها على الشاشة، وفعلا كان الجري وراء التكنولوجيا أحد همومك في العمل الإعلامي ، ولا يمكن نسيان العناوين التي كنت تختارها، فأنت بلا منازع ملك العناوين الإخبارية في التلفزيون !

  4. وهكذا مهنة الصحافة استاذ عرار وان جاز لنا التعليق وبعد الترحيب بك على صدر راي اليوم منبر الإعلام المعرفي وبلج الحقيقه بحلوها ومرّها الصراع طويل كما قوام الحق اللسان ومخرجاته قبل السنان ووجهته؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ “فأما الزبد فيذهب جفاء وامّا ماينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم

  5. الأستاذ عرار، لقد كنتَ إعلامياً متفوقاً حتى وأنت تدرس الاعلام في (دائرة الصحافة والاعلام، كما كانت تسمى في البداية)، وكنتُ أنا وعددٌ من زملائي الأحباء نتنبأ لك بمستقبل واعد زاهر، والحمد لله أننا كنا على صواب. أرجو لك مزيداً من التقدم والنجاح والإنجاز المتواصل والصحة الجيدة والسعادة الدائمة في حياتك الشخصية وفي مجال عملك. وأنا متأكد أن عراراً لن يرضى بغير التفوق في حياته ومسيرته العملية. ولك مني أجمل تحية.

  6. عساك أن تقرأ التعليق: تحياتي لك إعلامياً مهنياً صادقاً. التقينا في بداية المشوار أي أكثر من ٢٥ سنة الآن. معرفتك طيبة يا رجل وإن فقدنا الاتصال منذ فترة طويلة.
    يوسف أحمد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here