ثائر شروف: “خبز وَحشيش .. وَقمر”

ثائر شروف

لم يكن بالإمكان أكثر مما كان في ذاك الضباب الثقيل .. معاركٌ وهزائم وانتصارات وبيانات وبلاغات وشعارات شقَّت عنان الهدوء وأرست فوضى البعثرة في ذلك الشرق الحزين.

خرج حلفاء و محور الحرب العالمية الثانية المنتصرون منهم و المهزومون بحِملٍ ثقيلٍ على كافة المستويات ، وفي الوقت الذي راحت الحكومات تلملم أوراقها وتفترش خطتها من جديد، نزعت شعوبها ثياب الحرب و انطلقت نحو الكتاب.

انطلقت نحو الثقافة، الفكر، الفن والعمل .. فكانت بداية مرحلة الوعي الشعبي العريض و التي لم تسبقها بداية كتلك التي انتشرت في العالم كله العربي و الغربي منه حيث ساعد على ذلك بروز مختلف التيارات الفكرية من أممية و قومية و دينينة و شيوعية و غيرها ؛ فانقشع ذلك الضباب و تمترست الشعوب خلف ثقافتها الوهَّاجة و عملها الدؤوب ، فمنها من تابع و استمر حيث ساعدتها إرادتها و ظروف حكوماتها في ذلك ، و منها من راح حتى هذا اليوم يقارعُ أرباب الكلمات المتقاطعة و الأبراج اليومية فبقيت و في كل الظروف الراهنة آنذاك ــــ و بإرادتها حتى ـــــ خارج المشهد كله .. لتقف الشعوب العربية بين الجمهور تصفِّقُ للممثلين غاديهم و آتيهم دون أن يعلموا أن تلك المسرحيات المجَّانية كانوا هم أكثر داعميها و خاسريها على حد سواء !

أما هناك .. و على الجانب الآخر ، فكانت الناس تلتهم الكتب التهاماً منكبَّةً على الثقافة و الآداب و العلوم قبل الشروع في العمل .. فــــ “من لا يقرأ لا يعمل” . و لأن الوسط الشرقي قلب المعادلة ــــــ ككل المعادلات المنطقية ــــــ فأصبح من لايقرأ يعمل .. و الباب الذي يُفتح يُخلع !! .. ضارباً بحرابه الكِتابَ و الكُتَّابَ و القارئ أيضاً ليصبح همُّ المواطن الوحيد هو فتاتُ خبزِ الحكومة و بضعة أوراق نقدية بالكاد تستر جرحَ الطَّعنات من الخلف ، و الصحيفة الرسمية الأولى و الأخيرة ؛ فانهار على ضوء ما تقدم مستوى الوعي في الشارع العربي و مستوى الكاتب و القارئ على حد سواء في ظل استثناءات مشتتة و مترامية هنا أو هناك ، و تحولت ــــــ و نتيجة لذلك ــــــ المجتمعات العربية إلى أكوام مفرغةٍ من الهواء ، و أفواه لا تعرف إلا أضراسها اليُمنى ؛ و ليشهد التاريخ على أكبر توهان و ضياع جماعي ما بين المحيط و الخليج .

من هنا ، من هذا الوقت و هذا المكان علينا أن نتحرك ..

شارفت حروب الشرق البطيء أن تضع أوزارها العسكرية الثقيلة ، و لم يبق منها إلا الترتيبات الأمنية و حفلة الشاي و الرقص و التي سيتخللها تقليد كم الأوسمة و حفنة من دموع ، و باقة من النعناع اليابس لتلك الثُّكلى و أولئك الأيتام ـــــ و كعادته ذاك المواطن ـــــ لن يملك إلا أن يضرب أخماسَه بأخماسِه و بعض من الدعوات المتفرقة على الحال و الأعداء و الحكومات و المعارضات و أمريكا و روسيا و كل ظالم جبار لا يساعده وعيه لتذكُّرِهم كلهم .

آن أوان العمل .. و للعمل الصحيح تحتاج هذي الأمة نقلة فكرية نوعية تثخنُ السكين في صدر الجهل و تزرع بها نواة ثقافة و فكر و فن يُذكي للجيل القادم جمر معرفته و علومه و وعيه بالحاضر و الماضي لاستبصار المستقبل المنشود الذي ترنو إليه الطليعة الثقافية في الوطن العربي على اختلاف أبعاده و اتجاهاته .

لن تأتي الأحوال و الظروف على أحسن مما كانت عليه ، و تلكَ “المِجرشة” العالمية القادمة ستسحن كل ضعيفٍ مختلًّ . فليكن هُدانا في هذا الطريق هو الكتاب . وَ كما لكل مرض نقاهته و استطباباته ، فاستطباباتنا و نقاهتنا في الكتاب ، و لا شيء إلا الكتاب .. يرمِّم ما تبقى من إنسانيتنا و ثقافتنا و علومنا و يؤسس نواة جيل واع لا يحتاج النشرات الرسمية و الحزبية و الدينية ـــــ الداخلية منها و الخارجية ـــــ ليدرك كيف يسير الركب و إلى أين و كيف و متى و ماذا لو ، فقد آن لهذا الجيل أن يصحو من سباته واضعاً نصب عينيه الوطن لا رغيف الخبز ! حاملاً بوصلته بيديه ، فيدرك و يعي .. يتعلَّم و يُعلِّم .. يُؤسَّس وَ يؤسِّس ، و لنصنع من طلاقنا الفكري علاقة أبدية يتشرَّبها الجيل القادم و يفهم أن إكسير الحياة ليس الدين و ليس الخبز ، ليس الشرق و ليس الغرب .. لا شيء إلا الكتاب .

و من هنا يبرز الدور الأكبر للمنابر العلمية و الأدبية بكافة أشكالها من صحافة و دور نشر و إعلام و غيرها لتقديم ما يناسب هذه الخطوة و دراسة و تقديم برامج و سلسلات توعوية هادفة لرفع الفكر و الوعي العربي لمستوى المرحلة و الوقوف على حافة المسؤولية لنقل القكر و الثقافة و الآداب و العلوم من ضفة المعرفة التخصصية و الثقافة العامة المشتتة إلى ضفة التأسيس المرحلي في هذه اللبنة الهامة نحو مجتمع رائد لا يخرق عقله كل خارج عن فلاتره الأخلاقية و الأدبية و العلمية .

و لعلَّها تدرك أيضاً زوجة السلطان بحتمية و قيمة العلم و الثقافة و الوعي الشعبي ، فتشجع الباحثين و العلماء و الكُتاب و تفعِّل التنمية البشرية و تطلق سراح الحضارة الكريمة .. فإن كم الوحوش اللتي استحضرتها الحرب لن يعيدها إلى حظيرتها و يقضي عليها إلا احترام العقل الإنساني العربي و رقي رغباته و طموحاته ، و إلا فلننتظر أجيالَ الغابات البربرية و رعيل الــــ ( كاو بوي) القادم لإطلاق رصاصته الأخيرة في قلب العربية و العروبة بجسد آخر طفل في هذا الشرق اليتيم .

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. كلام من صميم مرارة الواقع.. وما آلت اليه حال امتنا.. من ابتعادنا عن العلم والكتاب واقترابنا من اساطير الثقافة الدينية العقيمة ثقافة الصحراء الذي تغلق العقول وتقيد الفكر بسلاسل التخلف و الانحطاط.. فويل لامة كآمة العرب لا تلبس مما تصنع ولا تاكل مما تزرع وتعتقد ان الله لم يهدي سواهم وهم في جنته خالدون يكفرون الدنيا ويحللون لانفسهم ما لغيرهم يحرمون… واما بعد.. وبعد.. وبعد.

  2. صدقت وابدعت ثائر في تفصيلك السريع لمجريات حقبة واسعة من الزمن ونحن مع ماطرحت في مقالك هذا ولكن نريد متسعا من الفرح بزوال الاستبداد لان مامن عدو للفكر الا غياب الامان ومحاربة ذوي السلطة لاصحاب الفكر ومحاولتهم تغييبهم وثق تماما انه برغم هذا الظلام مازالت انوار شموع الحب والفكر تحاول تمزيق الجو الضبابي

  3. لا شيء الإ الكتاب ولا شيء الا من يملكون ناصية الامل كل التوفيق لك وليجد يراعك بما يمكن ان يبدل الحال او يسعى لتطويره. عمق بالتفكير وذوق بالتعبير احترامي وللامام دائما

  4. لاحياة لمن تنادي
    امتي هل لكي بين الامم. . منبر للسيف اوللقىم

  5. مقالة تستحق الاعجاب ملمة وشاملة تحاكي واقعنا العربي المرير

  6. أبدعت يا ثائر……….
    الكتاب…العلم … المعرفة…. الحرية…هي اسماء مختلفة لذات الحاجة التي ستنفث الروح و الحياة في مجتمعاتنا..
    مقال جميل… متزن و رائع

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here