تيران وصنافير هل هي حقاً صفقة سعودية إسرائيلية امريكية؟

بلال المصري

يخطئ من يظن أن ما يُروج له لتصفية القضية الفلسطية تحت مُسمي تجاري هو : “صفقة القرن ” , أمر بدأ مع تولي الرئيس الأمريكي الحالي D . Trump , إذ أن ترتيبات هذه الإستراتيجية لتصفية القضية بدأت حقيقةً عقب الغزو الأمريكي للعراق في مارس / أبريل 2003 وبعد إسدال الستار علي ما سُمي برؤية Bush ” التي سبقت الغزو ببضع شهور قليلة ولم تكن والحالة هذه إلا ساتراً سياسياً لإتمام غزو العراق بستر عورة قادة العرب أمام شعوبهم المُضللة بوسائل إعلامهم المُهترئة حتي يحقق الغزو أهدافه , وسوف نري من واقع العرض التالي أن إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وما أدت إليها من إخراج جزيرة تيران من سيادة مصر تُـشكل مع غزة وشمال سيناء مواضع لتطبيق ما سُمي بصفقة القرن تلك – التي أعتقد جازماً أن مصر لا علاقة لها بخطوطها ولا تفاصيلها – وهذه الجزيرة لا يمكن الإستدلال ولا إستنتاج مصيرها وهي في يد دولة بدلاً من أن تعتبر جزرها أو بعضها علي الأٌقل في البحر الأحمر أدوات تقوي بها ساعد عسكريتها غير الإحترافية تستخدمها بمعرفة الهيئة العامة للترفيه التي تعد حالياً من أقوي وأشرس المؤسسات التي تحقق بها السعودية إستراتيجيتها بشأن البحر الأحمر * (1), وهو ما يجعل المرء مُضطراً إلي مقارنة وضع جزيرة تيران ومضيقها وقت أن كان في يد العسكرية المصرية الإحترافية ووضعها وهي في يد الهيئة العامة للترفيه التي يربأ كثير من العرب والمسلمين بملك السعودية وشعبها أن تكون هذه الهيئة أحد مؤسسات المملكة , فلا هي مؤسسة أنتاج ولا هي مؤسسة توجيه وتثقيف ولا هي أي شيئ , بل هي معول هدم لمجتمع محترم قيادته محترمة .

ربما يؤكد ما ذهبت إليه من أن من وضعوا صفقة القرن وهم جلوس في مكاتبهم في تل أبيب وواشنطن كانوا يعتبرون تيران وصنافير جزءاً من هذه الصفقة فقد نشرت جريدة L,EXPRESSION الفرنسية علي موقعها في 9 يوليو 2017 مقالاً عنوانه : تيران وصنافير , هل هي صفقة إسرائيلية – سعودية ؟ , وفي الواقع فهذا السؤال تضمن الإجابة إن حذفنا علامة الإستفهام تلك , كما أن السؤال أيضاً فيه بعض التبسيط للقضية , فالصفقة المُتعلقة بالجزيرتين وفقاً للوثائق الرسمية الأمريكية كانت أقدم زمنياً من ذلك فقد كانت في الحقيقة صفقة أمريكية / سعودية / صهيونية وليست سعودية / صهيونية , وهو ما يعني أنه ليس لمصر علاقة ما بها في بدايتها , إذ أن الولايات المتحدة بدأت الترويج لها ثلاثياً في خمسينات القرن الماضي وسأتناول بيان ذلك من خلال وثيقتين صادرتين عن الرئاسة والخارجية الأمريكية نُشرتا علي المُوقع الرسمي للخارجية الأمريكية ورُفعتا بالتزامن مع الإتصالات التمهيدية بين مصر والسعودية لتوقيع إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما في البحر الأحمر وخليج العقبة في أبريل 2016 وكان لدي صورة منها طبعتها من علي هذا الموقع عام 2002, فبعد زيارة العاهل السعودي عبد العزيز آل سعود لواشنطن في فبراير 1957 ولقاءه بالرئيسEisenhower  – والذي جري في ظل نتائج العدوان الثلاثي علي مصر وإحتلال قوات الكيان الصهيوني لشبه جزيرة سيناء وبالتالي لجزيرة تيران التي تحكمت بواسطة مضيقها في الملاحة الإسرائيلية بالبحر الأحمر – تناول فيه العاهل السعودي والرئيس الأمريكي موضوع جزيرة ومضيق تيران بناء علي رؤية أمريكية تعتبرها جزيرة سعودية , وبعد هذا اللقاء عاودت واشنطن التأكيد علي رؤيتها تلك , إذ بعد عودة العاهل السعودي لبلاده تلقي رسالة من الرئيس Eisenhower مُؤرخة في 14 فبراير 1957وهي محفوظة بوثائق عهد Eisenhower تحت رقم 38 تضمنت ما نصه : * (2)” جلالة الملك : خلال زيارتكم الأخيرة لواشنطن ناقشنا سلسلة من الموضوعات تتعلق بالشرق الأوسط . وإتفقنا أيضاًعلي أنه ووفقاً لما قد تتطلبه الظروف في المستقبل علي الإتصال فيما بيننا للنظر في الموضوعات ذات الأهمية , وأحد هذه الموضوعات مسألة الإنسحاب الصهيوني من غزة ومنطقة مضايق العقبة (يعني مضايق جزيرة تيران) التي تصدرت إهتمامات الأمم المتحدة منذ مغادرتكم , ووفقاً لذلك فقد أعطينا إهتماماً جديداً لهذا الموضوع الهام , إن أفكارنا نُوقشت مع الأمين العام للأمم المتحدة وهي معروفة من قبل ممثلي مصر وإسرائيل , إن الموضوع نُوقش أيضاً مُؤخراً مع نائب وزير خارجيتكم وسفير جلالتكم , هناك دوائر صحفية قد قامت بالتضليل , ولتجنب أي سوء فهم فإني أريد أن أُعيد التأكيد علي جلالتكم ما يتعلق بموقفنا , إننا نقف أولاً وقبل كل شيئ مع إنسحاب إسرائيلي عاجل من غزة ومضايق العقبة , وجهودنا مُوجهة لتحقيق هذا وبصفة عاجلة , كما أننا لا نعتقد أن إسرائيل ينبغي لها أن تجني مميزات من غزوها أو أن علي مصر أن تبذل وعوداً جديدة لإسرائيل لتؤمن إنسحاباً إسرائيلياً , وفي نفس الوقت , وكما أشرنا لجلالتكم في واشنطن فإننا نعتقد ونظل نعتقد دائماً أن المياه بخليج العقبة لها صفة دولية . ونحن نفهم أن هذه النظرة نشارك مصر فيها كما أشارت إلي ذلك مذكرة من الحكومة المصرية  عام 1950 سُلمت للسفير الأمريكي والتي نُص فيها بأن الإحتلال المصري للجزيرتين تيران وصنافير بمدخل خليج العقبة فقط لحماية الجزر نفسها ضد أي ضرر أو إنتهاك , وأن ” هذا الإحتلال ” لا يكون علي أي وجه من الأوجه إنطلاقاً من روح عرقلة وإعتراض المرور البرئ عبر مدي المياه الفاصلة  ما بين هاتين الجزيرتين والساحل المصري بسيناء ” , وتابعت المذكرة القول “إن هذا الممر هو الممر العملي الوحيد وأن مصر تقر بمبادئ قانون الأمم ” , وبعد ذلك قامت الخارجية السعودية بتعميم مذكرة مُؤرخة في 31 مارس 1957علي البعثات الدبلوماسية المُعتمدة بالسعودية , أردفتها بأخري وُجهت لأمين عام الأمم المتحدة ووُزعت علي ممثلي الدول أعضاء الهيئة الدولية , وكلاهما بشأن التأكيد علي أن الجزيرتين تابعتين للسعودية .

بعد مضي أكثر من عشر سنوات من تلقي هذه الوثيقة أشارت برقية سرية مُؤرخة في 17 يناير 1968 وجهها وزير الخارجية الأمريكي Dean Rusk للسفير الأمريكي بإسرائيل لإبلاغ محتواها لوزير الخارجية الصهيوني آبا إيبان إلي ما نصه : ” إن وجود القوات الإسرائيلية المُستمر في جزيرة تيران كان من المسائل التي نوقشت خلال المناقشات الودية التي جرت مع رئيس الوزراء الصهيوني Eshkol في Texas , ولقد لاحظنا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدوه الرغبة في إظهار بلاده لمؤشرات علنية بشأن ترحيبها بالتوصل إلي تفاهم مع العرب وأقترحت أن يكون إنسحاب قواتكم من تيران مثالاً علي ما يدور في خلدنا , ولقد عبر رئيس الوزراء عن تفهمه لوجهة النظر تلك , لكنه أشار إلي أنه سيكون من الصعوبة بمكان التفكير ملياً في موضوع الإنسحاب من تيران في غيبة تأكيدات بالنسبة لنتائج هذا التصرف علي إسرائيل , وحيث أن تبادل وجهات النظر في هذا الشأن مع رئيس الوزراء الصهيوني Levi Eshkol كان مُشجعاً فقد وجهت سفير الولايات المتحدة لدي المملكة العربية السعودية بإستكشاف أكثر لهذه المسألة مع الملك فيصل , وبالفعل أجري سفيرنا نقاشاً صريحاً عن هذا الموضوع مع جلالته في 13 يناير (1968) , وكان تعليق الملك علي ذلك أن قال بوضوح : أنه ينظر إلي جزيرة تيران علي أنها (1) جزء من المملكة العربية السعودية , وأن حكومته منحت إمتياز يغطي الجزيرة و (2) أنه ليس لديه خطة لعسكرة تيران أو إستخدامها لعرقلة حرية الملاحة في مضيق تيران .” , وأوضح الوزير Rusk قائلاً ” أنه شعر بتشجيع كبير من واقع موقف ملك السعودية حيال هذا الأمر , وأنه بناء علي تأكيداته لسفيرنا , فإني أعتقد أن المشاكل التي يتوقعها الجانب الإسرائيلي إذا ما أنسحبت حكومتكم سوف لا تنشأ , كما أنني وبصفة محددة أتوقع ألا يتغير الموقف السعودي بشأن هذا الجزء من الأراضي السعودية ولا أتوقع أيضاً العسكرة أو إستخدامها في أي نوع من التدخل في حرية الملاحة عبر مضايق تيران , ولهذا يحدوني الأمل في أن حكومتكم ستنظر الآن في إمكانية إنسحاب قواتكم من الجزيرة بدون تكبد أية نتائج وخيمة علي إسرائيل , وكما أشرت لحكومتكم في وقت مبكر فإن من شأن هذا التصرف أن يزيل مشاكل خطيرة عالقة في علاقتكم مع السلطات السعودية , ولذلك فإني أتطلع إلي تلقي رداً مواتياً من حكومتكم , وسيتم إبلاغه في الحال بالطبع للملك فيصل وإني لمتأكد من الأثر العملي المفيد لذلك ” . وقد ذيل وزير الخارجية الأمريكي خطابه لنظيره الصهيوني في شأن إقتراح إنسحاب القوات الصهيونية من جزيرة تيران بملاحظة مفادها ” إبقاء الأمر سرياً ” .

وُوجه الإقتراح الأمريكي بتسليم جزيرة تيران للسعودية بعد إنسحاب القوات الصهيونية منها في إطار ما وصفه وزير الخارجية الأمريكية ” بالتفاهم مع العرب ” ببعض العقبات , إذ أن وزير الخارجية الصهيونية آبا إيبان قال أنه وقبل عرض الأمر علي مجلس الوزراء الإسرائيلي فهو بحاجة لبعض التوضيحات منها إن كان يمكن للولايات المتحدة أن تحصل من المملكة العربية السعودية علي إعتراف بأن مضايق تيران ممر مائي دولي (وهو ما رفضته مصر وبقوة الحجة القانونية) , وما إذا كان يمكنها الحصول من المملكة علي تعهد خطي مكتوب بأن جزيرة تيران ستظل غير مأهولة بالسكان بصفة دائمة , وما إذا كانت الولايات المتحدة تقبل مثل هذه التعهدات السعودية بحيث تجعلها مسئولية وإلتزاماً من قبل الولايات المتحدة قبل إسرائيل  حسب برقية السفارة الأمريكية بتل أبيب برقم 111432عام 1967المحفوظة بالأرشيف الوطني للملفات المركزية الأمريكية عن الفترة من 1967- 1969, وفي برقية أخري من القنصلية الأمريكية بجدة تحت رقم 27766 أشارت إلي أن ” السفير Eilts  سفير الولايات المتحدة لدي إسرائيل إقترح شروطاً سوف لا يمكن للملك فيصل أن يقبلها , وأن من شأن طرح هذه الشروط الإسرائيلية أن تثير مسألة أخري وهي ما إذا كانت إسرائيل لديها أي نية لترك تيران ما لم تكن مُجبرة علي ذلك ” .

ما تقدم يمكن وبسهولة إستنتاج أن مسألة جزيرة تيران تتجاوز نطاق كونها نزاع علي إيلولة الجزيرة لمصر أو السعودية , لتقع في نطاق ذا علاقة وثيقة بمدي الجهد الذي تبذله الولايات المتحدة لتوطيد أمن إسرائيل بداية من تصويتها ومعها 32 دولة بالموافقة علي مشروع قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947برقم 181 وحتي توقيع السعودية ومصر في 8 أبريل 2016 إتفاق ترسيم حدودهما البحرية والذي بموجبه خرجت جزيرة تيران من نطاق السيادة المصرية , فتحرك الولايات المتحدة المبكر في هذه المسألة كان منذ خمسينات القرن الماضي وحتي هذا الإتفاق تركز علي دفع المملكة السعودية نحو المُطالبة بجزيرة تيران , وهذا الإتفاق  ليس إلاجزءاً من جهد أمريكي بمختلف الوسائل لدعم أمن الكيان الصهيوني وهو ما يعبر عنه المسئوليين الأمريكيين بوضوح ومنهم من بين أمثلة لا حصر لها ما ورد بخطاب  هارولد سوندرز مساعد وزير الخارجية الامريكي بمجلس الشئون العالمية في سانت لويس في 6 نوفمبر 1979 الذي إعتبر فيه أمن ورفاهية إسرائيل المصلحة الثانية من بين خمس مصالح عالمية لبلاده , فلو كانت هذه الجزيرة في مكان آخر غير مدخل خليج العقبة الذي نافذة الكيان الصهيوني علي ساحله لا تتجاوز 4 كيلومترات لما إكترثت الدبلوماسية ولا العسكرية الأمريكية لفتح إتصال مبكر مع السعودية لتحييد مضيق تيران وفق ما تثبته الوثائق الأمريكية المُشار إليها والرد السعودي الإيجابي علي الطلب الأمريكي بإستلام السعودية لهذه الجزيرة إبان إحتلال الصهاينة لها نتيجة لهزيمة مصر في العدوان الثلاثي في 29 أكتوبر 1956 وحرب 5 يونيو 1967 , فالجزيرة ومضيقها كانا جزء لا يتجزأ من الصراع العربي / الصهيوني وكانا من بين وسائل العسكرية المصرية المختلفة في مواجهتها للصهاينة , وهو ما أكدته معاهدة السلام المُوقعة بين مصر والكيان الصهيوني في واشنطن في 26 مارس 1979والتي وقعتها الولايات المتحدة كشاهد عليها , إذ إنطبق علي تيران نص المادة الثانية (د) من البروتوكول الخاص بالإنسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن , ونص المادة الثامنة من مرفق الملحق (1) بشأن تنظيم الإنسحاب من سيناء المُرفقين بهذه المعاهدة وكان المفروض أن يكون في ذلك نهاية للجهد الأمريكي / الصهيوني لنزعها من يد مصر ومنحها للسعودية  .

إن إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي قضت محكمة القضاء الإداري المصري ببطلانها بمقتضي حكمها المُعلن في 21 يونيو 2016, كانت أحد الجهود الأمريكية المبذولة لدعم أمن إسرائيل , ومن بين النتائج السلبية لتوقيعها في تقديري إستبدال مكانة هذه الجزيرة كجزء من الصراع العربي / الإسرائيلي والذي تمثله جزيرة تيران لتكون موضوعاً لصراع مُرتقب بين مصر والسعودية وخفض قدرات مصر العسكرية في التحكم والسيطرة علي حركة البحرية العسكرية الصهيونية مُستقبلاً لأدني مستوي , وتعريض أمن محافظة جنوب سيناء بالتالي لمخاطر عسكرية صهيونية في حالة المواجهة العسكرية بين مصر والكيان الصهيوني في زمن ما والتي لا يستطيع أحد الزعم بإستحالتها مُستقبلاً فلم يثبت تاريخياً أن معاهدات السلام وترتيباتها أبدية أو غير قابلة للنقض بإرادة شعبية .

كانت تيران صفقة ثلاثية في خمسينات القرن الماضي تحققت بتوقيع مصر والسعودية في أبريل 2016 علي إتفاق ترسيم حدودهما البحرية في خليج العقبة , وهي صفقة ذات علاقة بالدور السعودي المُرتقب في تغيير أساسي للقضية الفلسطينية بإخراجها من نطاق الصراع العقائدي لتكون مجرد قضية لاجئين تتولي المملكة فيها دوراً مُمولاً لصفقة القرن وفي الجزء منها الذي له صلة بغزة تحديداً كما ورد حرفياً بخطاب الرئيس Eisenhower للملك عبد العزيز آل سعود , وهو ما يثبت أن التفكير الأمريكي في قضية فلسطين لم يتغير , كل ما يتغير هو الشكل , فالمضمون دائماً واحد وهو ” أمن الكيان الصهيوني ” ولا غيره  .

إن القوي الدولية الكبري وتحديداً الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي هم لا غيرهم من ينحتون وصوغون القانون الدولي الذي إن أرادوا بإعتبار أنهم من نحتوه صنماً أن يحطموه ولم تكن جزيرة تيران حالة مُتفردة في أهميتها فهناك جزر أخري تنزع من يد دول أخري ليستفيد بها الغاصبون , وهناك مثال آخر لاحق لحالة جزيرة تيران وهو حالة جزيرة  Diego Garcia أحد جزر أرخبيل Chagos ففي 25 فبراير2019 أعلنت محكمة العدل الدولية بمقرها في لاهاي عن رأيها الإستشاري * لصالح جمهورية موريشيوس في النزاع الذي بينها وبين بريطانيا علي السيادة علي أرخبيل Chagos (المُكون من55 جزيرة علي الأقل) وهو نزاع يرجع تاريخه إلي ما قبل إستقلال موريشيوس في 12 مارس عام 1968 ففي  سبتمبر 1965 جري تفاوض بقصر Lancaster House بين رئيس الوزراء البريطاني Harold Wilson  ووفد يمثل موريشيوس من أجل الإستقلال وخلاله عرضت بريطانيا مقترحاً مفاده منح موريشيوس الإستقلال التام في مقابل شراء بريطانيا لأرخبيل Chagos التابع لموريشيوس مقابل  3 ملايين جنيه إسترليني ولوح رئيس الوزراء البريطاني لوفد التفاوض الموريشيوسي مُهدداً بقوله إما أن تقبلوا فصل الأرخبيل وتعودوا لبلادكم بالإستقلال أو ترفضوا العرض البريطاني بشراء الأرخبيل ومن ثم فصله عن موريشيوس وتعودوا به لموريشيوس المُستعمرة , وقد أشارت محكمة العدل الدولية في رأيها الإستشاري في فبراير 2019 إلي ضرورة تسليم بريطانيا لموريشيوس أرخبيل Chagos بما فيه جزيرة Diego Garcia التي تؤجرها بريطانيا منذ عقود للولايات المتحدة التي أقامت عليها قاعدة عسكرية إستراتيجية في قلب المحيط الهندي , وهي الجزيرة التي إستخدمتها العسكرية الأمريكية في حروب وهجمات كانت لها آثار سلبية فارقة علي مجري تاريخ منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان ومناطق أخري بالعالم , فالولايات المتحدة التي تتوزع قياداتها العسكرية الجغرافية الست علي رقعة عالمنا تبدو وكأنها غير مُكتفية بما أحرزت من تموضع بقواعد عسكرية في أو تطل علي المحيطين الهادئ والهندي معاً مما وفر لقيادتها العسكرية للمحيط الهادئ والهند  INDOPACOM  أوUSPACOM سابقاً ولقيادتها العسكرية بأفريقيا AFRICOM حرية حركة وقدرة عالية علي المناورة في فضاء المحيط الهندي الذي يمر فيه ما نسبته 25% من حركة النقل البحري علي المستوي العالمي , إلا أن العسكرية الأمريكية التي تضخمت منذ نجاح غزوها للعراق وأصبحت ذات سطوة لا تدانيها سطة مؤسسة أخري داخل الإدارة الأمريكية قد ترنو إلي مد أياديها لجزر أخري إن كانت موجودة ومن الممكن جداً تصور أهمية تيران للعسكرية الأمريكية فهي لا تقل عن سقطري باليمن ولا عن Diego Garcia بالمحيط الهندي أهمية , وقد يُشير إلي هذه الرغبة الأمريكية في جزيرة سقطري صمت الولايات المتحدة المُبررعلي تحرك الإمارات العربية المتحدة للتموضع في بل وإحكام السيطرة علي جزيرة سقطري (المكونة من 6 جزر) بدءاً من 3 مايو 2018 , ولابد وأن يكون هذا الصمت الأمريكي عن تمدد دولة كالإمارات بلا أي تاريخ عسكري صمتاً هادفاً , فهذه السيطرة في النهاية لحساب العسكرية الأمريكية في أي تسوية مُرتقبة للصراع في اليمن , ومن المُلاحظ أن الولايات المتحدة إلتزمت الصمت في حالات هذه الجزر الثلاث تيران وسقطري و  Diego Garciaإذ أنها المُستفيد النهائي في الحالات الثلاث بدرجة أو بأخري وأقل مبررات ذلك هو أنها القوي الدولية الوحيدة التي لها 6 قيادات عسكرية جغرافية و3 أخري وظيفية تغطي كوكب الأرض وتمثل الجزر نقاط تمركز وعمليات مثالية لأي من هذه القيادات ولا ينفي ذلك توفر نفس هذه الرغبة لدي القوي الدولية والإقليمية الأخري , فعلي سبيل  ترنو العسكرية الهندية إلي موطئ قدم بأرخبيل آخر يتبع موريشيوس وهومُكون من جزيرتين إحداهما تُدعي Agaléga وهي واقعة شمال المنطقة البحرية الإقتصادية الخالصة لموريشيوس , وتقع هذه الجزيرة علي بعد 1,122 كم من Port Louis عاصمة موريشيوس ويسكنها 300 نسمة (أو 280 نسمة في قول آخر) , وتكمن أهمية هذا الأرخبيل  في أنه يقع في قلب لعبة الشطرنج التي بدأها لاعباها وهما الهند والصين منذ أوائل عام 2000 , وبسبب ذلك هناك ثمة صراع بارد وكامن بين الصين والهند للتواجد والتمركز والإستثمار في أرخبيل Agaléga ولذلك كانت زيارة رسمية قام بها رئيس وزراء الهند Narendra Modi لموريشيوس في مارس 2015 مصدر قلق للصين , ففي هذا العام 2015 وقعت الهند إتفاقيات عدة مع حكومة موريشيوس منها ما يتعلق بتنمية أرخبيل Agaléga وتحويله إلي مقصد للسياحة البيئية بإستثمار هندي يُقدر بنحو 500 مليون دولار , ويخشي مراقبون أن تتحول جزيرتي Agaléga إلي Diego Garcia أخري لكن بمذاق هندي هذه المرة * (4) , فالهند تنشط في التحرك بإتجاه حلفاء الصين بالمحيط الهندي ومنهم سيشل التي وقعت الهند معها أيضاً إتفاقيات منها ما يتعلق بإقامة بني أساسية عسكرية هندية بها وتحديداً بجزيرةl’Assomption التابعة لسيشل والواقعة إلي الجنوب الغربي  علي بعد 1,140 كم منها وتبلغ مساحتها 11,07 كم مربع . لكل ذلك لا ينبغي رؤية ما حدث لجزيرة تيران برؤية تقليدية فما حدث لهذه الجزيرة خضع لمتطلبات الرؤية الإستراتيجية الأمريكية لمصر التي تقع في الموقع الحرج بين قيادتين عسكريتين أمريكيتين هما القيادة العسكرية المركزية أو الوسطي  USCENTCOM والقيادة العسكرية لأفريقيا  AFRICOM.

 سفير مصري سابق

المراجع :

1- أنظر دراسة للسفير بلال المصري منشورة بموقع المركز الديموقراطي العربي تحت عنوان : ” تطوير السعودية لإستراتيجيتها في البحر الأحمر ” .

2- وثائق الخارجية الأمريكية المنشورة علي موقعها وفقاً لقانون حرية المعلومات ( هذه الوثيقة رُفعت وحُذفت من الموقع ) .

3- دراسة منشورة علي موقع المركز الديموقراطي العربي بعنوان : “قضية أرخبيل Chagos / Diego Garcia نموذج مُصغر لقضية فلسطين ”  .

4- موقع GEO بتاريخ 17 ديسمبر 2018 .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. شكرا على مقالك العميق والتفصيلي. كما قلت في تعليق سابق على مقال الدكتور عبد الحي زلوم : نحن كعامة لا نعرف تقاصيل ما حدث ولكننا نعرف النتائج وما وصل إليه حالنا كعرب وكمسلمين من هوان وانحدار وتمزق وضعف. كل هذا لم يأت بالصدفة بل بعقول تعمل ليلا نهارا سواء في الكيان الصهيوني أو في البيت الأبيض وغيرها والتنقيذ انيط بأيدي عربية أو اسلامية لتنفيذ هذه المخططات. في السابق كانت المخططات غير معلنة والتنقيذ يكون سريا وعلى استحياء , أما الآن فقد أصبح اللعب على المكشوف والشعوب لا حول لها ولا قوة وقد استسلمت لمصيرها إلا من رحم ربي.

  2. السؤال مادام الجزر حين تأول الى السعودية فان هذا سيمثل خطرا على القضية الفلسطينية ، لماذا كان الاعلام الايرانى و ايران هى راس محور المقاومة ومن اهم دعائم القضية الفلسطينية ، لماذا كان اعلامها يستفز السعودية دائما و يعايرها انها غير قادرة على تحرير جزر تيران و صنافير من اسرائيل ؟ ،وهم يعلمون ان السعودية ستتجاوب مع الاستفزاز من اجل صورتها امام الراى العام و ستطالب مصر بارجاع الجزر لها ؟ اليس هذا محيرا ؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here