تونس ومحنة الارهاب ومرض الرئيس.. والأولياء الصالحين

 

 

اسيا العتروس

تنفس التونسيون الصعداء ولومؤقتا بعد نشر توقيع رئيس الدولة الباجي قايد السبسي الامر بدعوة الناخبين للانتخابات التشريعية والرئاسية في الآجال القانونية بما قطع مع الجدل المثير والمخاوف من احتمال تاجيل اوالغاء الانتخابات ولكن دون ان يقطع مع حالة الترقب والشك التي يعيش على وقعها التونسيون في انتظار ان ترى المحكمة الدستورية النور وتجنب البلاد مخاطر الفراغ السياسي الموقت او الدائم بعد الأحداث التي عاشت على وقعها البلاد من انباء متناقضة حول صحة رئيس الدولة الذي كذب نبوة خصومه وعاد وهوالذي تجاوز الثانية والتسعين من العمر الى المشهد رافضا معاقبة كل من روح لوفاته .

الحقيقة ايضا ان ما حدث كشف حجم تضامن التونسيين وتعاطفهم مع الرئيس في مرضه وكأنهم يكتشفون في تلك اللحظات الحرجة ان غياب الرجل في هذه المرحلة الحساسة يمكن ان يدفع البلاد الى أتون المجهول وهو الذي طالما استهدفته سهام النقد بسبب خياراته السياسية وتحالفه مع النهضة كما بسبب صمته ازاء دور نجله حافظ قايد السبسي في تفتيت وتشتيت حزب نداء تونس وافتقاره لديبلوماسية وحنكة والده .

غادر إذن قايد السبسي المستشفى العسكري بعد ان انتشرت صورته مع الفريق الطبي الذي اشرف على علاجه ومرة اخرى تتنافس المواقع الاجتماعية في المقارنة بين هذا الرئيس الشيخ الذي لم يختر عاصمة أوروبية للعلاج بل اختار مستشفى محليا وطاقما طبيا للعلاج ، وسواء كان القرار اختيارا شخصيا من  الرئيس او من عائلته فقد ساعد الاعلان عن استقرار حالته الصحية في تراجع شبح الكابوس المزدوج  الذي ارتبط بتواتر العمليات الإرهابية بالتزامن مع إصابة رئيس الدولة بوعكة صحية أصر بيان صادر عن رئاسة ، الجمهورية بوصفها بالوعكة الحادة.

طبعا الامر لا يتعلق باختزال مصير تونس في شخص او زعيم او قائد مهما علا شانه فاحضر ومستقبل الأوطان والشعوب اكبر من كل الزعامات وهو ما كان الباجي قايد السبسي يردده في عديد المناسبات ، ولكن تعقيدات المرحلة وتواتر التهديدات وهشاشة النخبة السياسية وضعف الحكومة وانقسام الأحزاب وخاصة الفشل في انشاء المحكمة الدستورية بعد خمس سنوات على وضع الدستور فاقم الهواجس والمخاوف من المجهول ، على ان المثير ان الامر سرعان ما سيتحول الى موضوع للتمرد بين التونسيين الذين سيفاجاون انه كلما تأزمت الأوضاع الا وفرجت لتطهى على تعليقات التونسيين على المواقع الاجتماعية لغة الأولياء الصالحين وتراب تونس وبلحسن الشاذلي وسيدي بن عروس ، وكأنهم يهربون بذلك من واقعهم المعقد ويبحثون عن متنفس لأزمات لا يجدون كيف تجنبت البلاد تداعياتها ومخاطرها ..

-ثلاثة شروط لتجاوز المحنة

تجاوزت تونس محنتها الاخيرة بأقل الأضرار ولولا الطاف الله  لكان السيناريو اشد وقعا وألما أمنيا وسياسيا على رأي شريحة واسعة من الشارع التونسي الذي بات يروج بان تونس بين ايدي الأولياء الصالحين الذين يجنبون ها الأسوأ في كل مرة سواء تعلق الامر بالتفجيرات الإرهابية اوبصحة الرئيس اوحتى بالمنتخب القومي لتفسير ما حدث ،طبعا لسنا في اطار المجادلة الفلسفية حول دور القضاء والقدر فيما حدث ولكن الامر يتعلق وهذا الاهم بمسؤولية كل الأطراف المعنية ودورها في تعقيدات الأزمة الاخيرة ومخاوف التونسيين من المجهول لا سيما نواب الشعب الذين سيجل لهم التاريخ إصرارهم على تغليب الحسابات الخاصة والرهانات الحزبية والأيديولوجية التي لا تزال تقف عائقا امام تأسيس المحكمة الدستورية وهم على أبواب نهاية وشيكة لولاية نيابية..

اكثر من أسبوع مر على حادثة الخميس العصيب، ولا نخال ان الظروف والملابسات والأسباب التي عاش على وقعها التونسيون  بين تزامن العمليات الإرهابية وبين الوعكة الصحية لرئيس الدولة وما اثاره ذلك من هواجس ومخاوف من المجهول ولكن ايضا من غموض وشكوك باتت ورائهم .. بالأمس وقع رئيس الدولة الامر بدعوة الناخبين للانتخابات التشريعية والرئاسية وفي ذلك خطوة مهمة نحوالقطع ما ما يشاع بشان تاجيل الانتخابات ولكن دون القطع نهائيا مع اكثر من مسالة مصيرية عالقة لا سيما انشاء المحكمة الدستورية الذي ظل أمرا مؤجلا منذ اكثر من اربع سنوات وبات رهانا حاسما فيما تبقى من الولاية الراهنة لمجلس نواب الشعب ..

صحيح ان التونسيين اثبتوا مجددا انه لا مكان للصراعات والجهويات والأحقاد والانتمائات عندما يتعلق الامر بالوطن، وصحيح ان التونسيين لا يتراجعون امام اعقد الاختبارات تماماً كما انه صحيح ان النجاحات الأمنية بعد العمليات الإرهابية عززت ثقة الراي العام في ارادة وصلابة حماة الوطن الذين جنبوا البلاد والعباد مزيد الماسي، ولكن الواقع ايضا ان هذه العناصر الإيجابية التي لا يستهان بها لا يمكن ان تحول الأنظار عن الاخلالات وعن الاختراقات التي جعلت التونسيين امام مأزق حقيقي وهو مأزق ليس قريبا من نهايته في بلد اتضح جليا انه يواجه تهديدات مختلفة على اكثر من جبهة والخطر الإرهابي ليس الا احد تلك التهديدات التي تورق الراي العام ..

-لسنا نطلب المستحيل ولكن يتعين رفع كل الاتباسات وكشف ما خفي من الحقائق في اللحظات التي اختلطت فيها الأمور بين الهجمات الإرهابية وبين البيان الرئاسي حول الوعكة الصحية الحادة لرئيس الدولة ومن حرر واصدر البيان وهل كان الامر بموافقة وعلم الفريق الطبي ام هو اجتهاد شخصي وان كان الامر كذلك فان الواضح ان الامر كان يفتقرللحد الأدنى من المهنية والديبلوماسية والقدرة على الفصل بين ذلك الخيط الرفيع من حق الراي العام في المعلومة وبين امن البلاد خاصة وان الاعلان عن مرض رئيس الدولة كان لاحقا للعمليات الإرهابية وليس سابقا، وهذه مسالة في الحقيقة تحتاج الى حوار اشمل حول اخلاقيات العمل الصحفي في مثل هذه الحالات بعد تضارب المعلومات والإشاعات حول صحة الرئيس ..

النقطة الثانية وليست اقل أهمية من الاولى فتتعلق بعودة ملف الارهاب والشباب الى سطح الأحداث وأهمية العودة للبحث جديا عن الدوافع والأسباب التي تدفع بفئة من الشباب الى الكفر بهذا الوطن الى درجة الاستعداد لتفجير نفسه بدافع الحقد اوالانتقام او غير ذلك من الأسباب، وبالعودة الى العناصر الانتحارية التي لن نذكر لها اسما في هذه المساحة فالارجح وحسب ما كشف من معلومات ان هؤلاء كانوا في سن المراهقة في مرحلة الثورة وبالتالي ليسوا ضحايا النظام السابق ولا الذي قبله وليسوا ايضا ضحايا الحرمان من حرية الراي والتعبير والانتماء في بلد اعتنق الحرية شعارا وممارسة، بما يعني ان هناك اليوم حاجة ملحة لاستنفار والعودة الى فتح ملفات أغلقت على عجل بعد تفجيرات سوسة وباردو ورفع الغطاء عن الأطراف والشبكات التي تستقطب تمول وتخطط عبر الانترنت كما في المساجد اوالجمعيات التي تجعل من العمل الخيري مظلة للتأثير على هؤلائ وإخضاعهم لعمليات غسل الدماغ والدمغجة لتجعل منهم قنابل متنقلة قابلة لانفجار حتى بين عائلاتهم وأهلهم، هناك حاجة أكيدة اليوم لدراسة الظاهرة والبحث عن البدائل الكفيلة  لإيجاد البدائل وبعدم استنساخ الانتحاريين وظهور جيوش المتطرفين في بلادنا .

اخيرا وليس آخراً فان ما تم الكشف عنه في استغلال الارهابيين لمسجد الغفران بحي الانطلاقة لإخفائ السلاح والمتفجرات يكذب كل الادعائات بان المساجد تحت السيطرة، ويوكد ان بيوت الله التي  تستغل لغير أهدافها في العبادة لا يمكن ان تدار بعقلية رزق البيليك وان تكون مرتعا للمتطرفين والارهابيين بدعوى حرية العبادة بما يعني ان تكون المساجد مفتوحة في أوقات الصلاة لا غير وليس في ذلك اعتدائ على الدين ،تماماً كما هوالحال بالنسبة لمنع النقاب الذي لا يمكن ان يكون فيه مس من الحريات الخاصة بعد تكرر الماسي المتخفية خلفه،

مرة اخرى نتمنى ان تكون بلادنا تجاوزت المحنة ، ولكن الاكيد ان الأسوأ سيكون خلفنا عندما نتأمل جديا تداعيات الاختبارات المتواترة للقطع مع عقليات وممارسات خطيرة على التجربة الديموقراطية الهشة .

سنكون على الطريق الصحيح ونستعيد البوصلة في حال أدركت النخب السياسية دروس التجربة وتخلت عن دور شاهد الزور والبحث عن البطولات الزائفة ، حتى الان لا يزال التونسي يجد في الأولياء الصالحين وفي سيدي بلحسن وغيره ملاذه في تفسير اسباب صمود تونس المحروسة وثباتها في وجه الارهابيين والنخب الفاشلة  واعضاء الحكومة الغائبة عن المشهد، فمتى ينطق رئيسها حتى نسمع صوته؟

كاتبة تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here