تونس وتسونامي “المُفاجآت” الانتخابيّة.. مُرشّحٌ مُتقشّفٌ يتحدّث بالعربيّة الفُصحى يرفُض التطبيع وآخر يقبع خلف القُضبان يتصدّران السباق إلى قصر قرطاج.. ما أسباب هذا التحوّل المُفاجئ؟ وهل السّر في الانحياز للفُقراء والتمرّد على القِطط السياسيّة السّمان؟ ولماذا نعتقد أنّ المُفاجآة الأكبر ستكون في الانتخابات التشريعيّة القادمة؟

تونس ستدخُل التاريخ العربي الحديث بأنّها مصدر المُفاجآت الديمقراطيّة التي جعلتها مفخرةً لمُحيطها العربيّ والإفريقيّ، وآخر هذه المُفاجآت فوز مُرشّحين من خارج النّخبة السياسيّة التقليديّة في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة، مُتقدّمين على مجموعةٍ من الحيتان خاصّةً في المُؤسّسة الحاكمة، بشقّيها الإسلامي والليبرالي العلماني.

أن يتصدّر كُل من الدكتور قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري، والسيد نبيل القروي، القُطب الإعلامي المتمرّد على المؤسسة الحاكمة والموجود خلف القضبان، انتخابات المرحلة الرئاسيّة الأولى، ويهزِمان مرشحي حزب النهضة، ونداء تونس، ورهطٌ من الليبراليين، ورِجال المال واليسار، فهذه معجزة لا يُمكن أن تتحقّق إلا في تونس الحديثة، ممّا يعكس ديناميكيّة شعبها، ووعيه السياسي المُتقدّم، وصدق بوصلته، وحرصِه على إسقاط كُل رموز مرحلة لم تعد عليه إلا بالفقر والبطالة، والانهيار الاقتصادي والفساد بأشكاله كافّة.

الدكتور قيس سعيد، هذا الرجل النّحيف البسيط في مظهره، والمُستقل الذي لا ينتمي إلى حزبٍ من الأحزاب، وتميّزت حملته الانتخابيّة بالتقشّف، والاعتماد على حفنة من المُتطوّعين الشباب، ورفض أيّ تمويل حزبي أو عُمومي، ويرفض التطبيع مع إسرائيل، ويعتبر أن الشعوب العربيّة في حال حربٍ معها، ويُصنّف كُل من يُقيم علاقات معها عدو يجب أن تُحاربه تونس، ويرفض صفقة القرن، هذا الرجل يعود تصدّره للنتائج إلى تمثيله لتونس الجديدة، وروحها الشابّة، تونس العربيّة الإسلاميّة التي تتطلّع إلى مُستقبلٍ ديمقراطيٍّ أفضل، عُنوانه التّعايش والمُساواة وترسيخ قيَم العمل والإنتاج.

المُرشّحان سعيد والقروي تصدّرا المرتبتين الأولى والثانية، لأنّهما راهنا على الشعب التونسي، ووقفَا في خندقه، وانحازا إلى مطالبه المشروعة في مُحاربة الفساد، ودعم الطّبقة الفقيرة المَسحوقة وطُموحاتها بمُستقبلٍ أفضل.

هذه الانتخابات الرئاسيّة ومُفاجآتها الصّادمة للنّخبة الحاكمة، والمُفرحة للأغلبيّة الشعبيّة المَسحوقة، ستكون المرآة الأصدق للانتخابات البرلمانيّة الأهم في السادس من الشهر المُقبل، وتوزيع المقاعد فيها، وكلنا ثقة أن الشعب التونسي المُتمَسِّك بثورته، وإنجازاته الديمقراطيّة سيُقدّم مُفاجآةً ربّما تكون أكبر من هذه الانتخابات، ويُطيح بكُل الفاسدين، ويُكرّس الدولة المدنيّة، ويجعلها قاعدةً للنّمو والتطوّر والانتصار لمطالب الفُقراء والمَرحومين، ويُبلور هُويّة “تونس الجديدة” والقُدوة في مُحيطها المغاربيّ والعربيّ والإفريقيّ.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

23 تعليقات

  1. هناك مثل شعبي تونسي يقول الي يحسب يفضلون و هذا ما ينتبق على قوى المنظومة السياسية في تونس حسبو حسابا فكانت النتيجة معاكسة لحساباتهم و لا يدركون أن شعب تونس واع

  2. هذه النتائج تثبت بان وعي الشعب التونسي في القمة ولن يسمح لعملاء الاستعمار الفرنسي و الاسرائيلي و الامريكي بالاندساس بعد الان ولن يفيدهم الانبطاح .. ولكن يجب استمرار الحذر لان المستعمرين سيحاولون الاندساس للتأثير على البنية التحتية لبعض العملاء التائمين لتخريب القرارات الوطنية للشغب و الشعب يراقب باستمرار . من الممكن ان يكون القروي رئيسا للوزراء .

  3. أصبحت تونس مثالاً يقتدي بها الشعب العربي ألحر المتطلع الى الحرية والتقدم والازدهار

  4. شعب تونس ذكي جداً لم تستطيع الأقلام والابواق المأجورة ان تخدعه ،،،،فيا حبذا لو يحدث ذالك في بقية بلاد المضحوك عليهم من العربان ،،، بلادنا تنهب وتسرق وكرامات تهدر ومازلنا نهتف باسم من نهبونا ، تحت مسميات وخدع وتضليل وتهريج

  5. تحياتي للساهرين على تواصل شفاف، يحركون الهمم ويبعثون الثقة في نفس العربي المهزوزة، على امل تغيير يستحقه الانسان المهمش يستذر اللقمة ويستعطف العالم لاجل انصاف لن يتحقق الا على يد ذوي الارادات الفولاذية من جلدته.

  6. شكرا سيد عبد الباري، كلماتك تزيدنا حبا لهذا الوطن و تدفعنا الى المضي قدما في التغيير

  7. مبروك تونس الشعب المثقف الذي لن تؤثر عليه الدعاية الانتخابية ولن تخدعه اختار الرىيس الذي يصله الى بر الأمان في العلم والمعرفة
    مبروك تونس

  8. الى بلا اسم
    تونس دوله نسبه المسلمين فيها قرابه ١٠٠٪؜
    فهي دوله عربيه اسلاميه
    او دوله عربيه
    او دوله اسلاميه
    او دوله تونس كل هده المسميات صحيحه
    غير المسلمبن فيها اغلبهم غير متدينين على الإطلاق
    او يهود هاجروا منذ امد فين المشكلهً او هو مجرد استفزاز

  9. تصدر قيس سعيد هذه الانتخابات الحرة النزيهة يدل من بين مساءل اخرى عن مدى تشبث الشعب العربي، الذي عبرت عنه جماهير تونس الحرة نيابة عنا جميعاً، بقضيتنا المركزية: فلسطين المغتصبة؛
    نتمنى لاخوتنا في تونس التوفيق فنجاحهم نجاحنا و لو الى حين!

  10. ‏اهنئ الشعب التونسي الشقيق من أعماقي قلبي بنجاح الديمقراطية نعم هذه هي قمة الديمقراطية أن يخرج مواطن عادي ويرشح نفسه لخدمة وطنه ومسقط راْسه انها الوطنية بمعني الكلمة ‏ندعو الله العلي القدير أن لا يتدخل الطغاة العرب في هذه الديمقراطية

  11. جيد جدا ان نرى مترشح تونسي يحمل هموم الشعب والوقوف بجانب الطبقة المسحوقة. ولكن هل تسمح الدولة العميقة بتونس واذناب المستعمر والدول العربية المعروفة بدعمها المطلق للثورات المضادة بدولة تونسية يتمتع شعبها بالديموقراطية الحقيقية.

  12. مبروك لتونس هذا العرس الديموقراطي، تونس وجهت صفعة لكل طغاة العرب الذين نصبوا أنفسهم رؤساء

  13. أتمنى من كل قلبي نجاح الدكتور قيس سعد
    وأقول للنهضه إنكم ثبتم مسلسل الفشل السياسي الذريع
    الذي أدمنت عليه حركه الاخوان المسلمون فرجاء ارحمونا من غبائكم السياسي فعلى ظهوركم انتم والسلفيين تم تدمير احلام الشعوب العربيه انا أقول هذا وانا اعلم ان أغلبكم وطنيون ومخلصين ومسالمين لكن عدو عاقل خير من صديق جاهل

  14. تونس العربيّة الإسلاميّة التي تتطلّع إلى مُستقبلٍ ديمقراطيٍّ أفضل >>>>>>>
    لماذا دائما تهمشون دور المسيحيين العرب ؟
    اسمها تونس العربية
    و ليس تونس العربية الاسلامية
    الدول لا تعرف بديانتها
    هل نسمي امريكا الولايات المتحدة المسيحية ؟

  15. ما حدث في الانتخابات الرئاسية التونسية اشبة بالعصيان المدني ،..،.

  16. الثورة التونسية، ثورة الحرية والكرامة قام بها الشباب و سُرقت منه من طرف القطط السّمان… ذاكرة الشعوب قوية و من يزرع الشوك يجني الجراح. أصحاب النفوذ و الفاسدين الذين اخرجتهم الثورة من الباب رجعوا من الشباك عبر تحالفات مُفبركة للالتفاف على ثورة الشباب و المسحوقين. الفرصة اليوم سانحة لتطهير الساحة السياسية في تونس و قطع الطريق نهائيا على هؤلاء الخونة الفاسدين و تصحيح مسار الثورة. بقي أن نشير إلى أنه مازال هناك لص من هؤلاء اللصوص يُمثل خطرا على مستقبل تونس هو ذاك الذي يقبع اليوم في السجن… واجبنا كتونسيون أن نُكمل المهمة في الدورة الإنتخابية القادمة و نختار لقصر قرطاج الشخص الذي رفض أي تمويل عمومي لحملته الإنتخابية حفاظا على أملاك الشعب… إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

  17. مهلا مهلا مهلا … قلتم : “السيد نبيل القروي، القُطب الإعلامي المتمرّد على المؤسسة الحاكمة والموجود خلف القضبان” هذا مجانب للصواب بل هو من مؤسسي المنظومة الحاكمة التي انبثقت من انتخابات 2014 وساهم بصفة كبيرة جدا في نجاح حزبه السابق “نداء تونس” في الفوز بمقاعد الرئاسات الثلاثة بل اعترف بذلك بمساعدته الكبيرة للرئيس الراحل قايد السبسي بالفوز بمنصب الرئاسة عبر قناته التلفزية. “تمرده على النظام” ناتج عن القضايا الفساد التي تحوم حوله ورفضه الإنصياع لقوانين الإعلام السمعي البصري ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي وغسيل الأموال ولعل إنفراط عقد حزب “نداء تونس” والصراعات حول الزعامة هي التي أدت إلى ما تصفونه “بالتمرد على المؤسسة الحاكمة” وأظيف “لأسباب شخصية بحتة حتى يحمي نفسه من العقوبات القانونية. وفي نفس الإطار “استولى” نبيل القروي على حزب سياسي مغمور وغيـّر إسمه إلى “حزب قلب تونس” الذي نظم مؤتمرا في شهر ماي الفارط وعيّنه رئيسا له. وإذا نظرنا إلى قائمات المرشحين بإسمه في الإنتخابات التشريعية القادمة فسنجد أنها تحتوي على أسماء من أكثر الناس والسياسيين ورجال الأعمال التي تحوم حولهم شبهات فساد وبعظهم تتعلق بهم قضايا فساد مرفوعة لدى المحاكم ويبحثون عبر حزب “قلب تونس” عن الحصانة عندما يصلون إلى البرلمان.

  18. بالطبع اعتماد المنهج الديمقراطي سوف ينجح في تونس لأنها لا تتبع عبائات عشائريه وعطوه وجلوه

  19. مبروك للشعب العربي انتفض ضميره وبداء من تونس الخضراء ليعيد لامة ماتت بعد ان كانت مجدها مبروك لشباب تونس ومبروك للقدس لن تضيع بعد الان

  20. تونس تنخرط في الوعي الانساني الجديد الذي يرفض الفكر السياسي القديم المبني على الاحزاب التقليدية.
    انها الثورة الاجتماعية التي ستغزو العالم في الفترة القادمة ثورة على السائد الذي لم يفهم الشباب وتطلعاته وثورة الجياع من الطبقات الفقيرة والمتوسطة ضد المنظومات المتحجرة من صناع القرار ورؤوس الاموال و الاعلام.

  21. الا يكون هذا تصويت اقصاء.

    الشعب التونسي يعاني ازمة اقتصادية عويصة. هذا ما دفعه للتصويت بإقصاء المرشحين المسؤولين واعطاء صوته للشاذين عن المألوف.

    ولكن.

    هل هذا ما يصلح الٱن لتونس. طبعا لا ألوم النظام الديمقراطي التونسي. و سوف ربما يعود التونسيون الى الاحزاب المعروفة والوطنية بعد سنين. تونس هي بحاجة لاحزاب قوية بكوادرها و تحمل مشاريع وليس رجال بدون حتى حقائب.

    لا اوافقك الرأي استاذ عطوان. او المقال ينقصه عمق التحليل.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here