تونس: تحالف عبير ـ الغنوشي.. أو لزوم ما لا يلزم

توفيق زعفوري

قبل أن تعبر النهر، لا بأس أن ترمي فيه حجراً أولا، ذاك ما كان قد صرح به البارحة عماد الحمامي قيادي النهضة عن إمكانية التحالف مستقبلا مع الحزب الدستوري الحر، أي تحالف الغنوشي/عبير مبدئيا!

يُفهم تصريح عماد الحمامي من زاويتين، الأولى شخصية، و الثانية سياسية..

أما من الناحية الشخصية، فهذا الكلام أشبه بتحريك المياه الراكدة و الدفع بالأمور إلى الحافة علّ شيئا ما يقع، و هو الآن لا يُلزم حركته في شيء، يبقى مجرد رأي شخصي قبل أن ينضج فهو إذن يفهم من باب الإستفزاز أو البالون الإختباري هو دغدغة من طرف واحد، إن هي أفرزت ميلا أو تجاوبا سيترجم إلى تحالف في المستقبل، فيمكن تبنيها و البناء عليها، أما و إن كان العكس فهي تبقى في حدود الشخص و لا تتعداه و لا تلزم الحركة سياسيا، و كثير من قيادات النهضة قد شذّوا على الإجماع و منهم من انسحب من مجلس الشورى و منهم من انسحب من النهضة و من الحياة السياسية برمتها، و هم كُثر..

أما من الناحية السياسية، و بكل برغماتية، فإن الغنوشي الذي دعا حمة الهمامي إلى مخاطبة الحشود، على رمزيتها و ذكائها، لا يرى مانعا أبدًا في التحالف مع الدساترة الذي تبناهم و فتح لهم الأبواب و صالحهم و جعل من بينهم محمد الغرياني آخر أمين عام للتجمع، جعل منه مستشارا له، فهو كما يقول يرسل لخصومه الورود!!..

لا يرى الغنوشي مانعًا في التحالف مع عبير، و إرسال الورود إليها، فقد تحالف مع النداء بعدما اتهمه بأنه أخطر من السلفيين و تحالف مع التجمعيين بعد أن أقسموا برب الوجود أن التجمع لن يعود، فوقع رسكلته و أصبح مناضل التجمع بالأمس، هو مناضل النهضة اليوم، تحالف مع نبيل القروي بعد أن كرر مرارا أنه لا يشبهه و لا يمكن التحالف مع الفساد، و انتخاب قيس سعيد في نفس الوقت، فذلك في رأيه تناقض بيّن لا يمكن أن يستقيم، و لكنه تحالف في الأخير مع قلب تونس الفاسد من أجل كرسي البرلمان..

الغنوشي يمد يده للجميع من أجل النظام البرلماني و ربما من أجل قرطاج و من أجل بقاء الحركة و ديمومتها، هو مستعد أن يذهب بعيدا و أن يتحالف حتى مع الشيطان، و يُلاعبه، لكن هل يمكن أو هل ترضى عبير بالتحالف مع الغنوشي!؟؟

في عالم السياسة لا شيء قطعي للأبد، هي فن الممكن، الغنوشي يؤكد أنه لن يتحالف مع النداء، ثم أصبحت تونس طائر جناحاه النهضة و النداء، و أعلن أنه لن يتحالف مع نبيل و تحالف معه، مالذي يجعل عبير تتمسك إلى مالا نهاية و لو بصورة مبدئية بعدم التحالف مع النهضة!؟؟ ألا يمكن لعبير أن تكون كمن سبقها، تقول شيئا و تفعل عكسه و المبررات جاهزة منها أولا و أخيرا إكراهات السياسة!؟؟

المتابع للشأن العام و الشأن الحزبي، يرى أن عبير و الغنوشي خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا ذاك ظاهر، للإستهلاك الشعبي و هو لعبة سياسية معروفة، السب على المباشر و الشيطنة و التجريح من أبجديات العمل السياسي و لا يعاقب عليه القانون!! ، أما التحالف البعيد جدا يمكن أن يكون قريبا فقط عندما تنضج أسبابه، أو يُدار من الخارج، و كل مسرحيات عبير المباشرة و اللايف ماهي إلا توابل لازمة في العمل السياسي و في الدعاية الحزبية، فبالنظر إلى سبر الآراء الحالي، لو تواصل إلى الاستحقاقات التشريعية الآتية مع تنقيح القانون الإنتخابي، سنجد أنفسنا أمام قطبين النهضة من جهة و الدستوري من جهة أخرى، لا أحد منها قادر على الحكم بمفرده، و نعود إلى مبررات الباجي وقتها و إلى إكراهات السياسة، و يصبح الحل إما في التحالف المر، أو الزيجة اللازمة ، أو إعادة الانتخابات و ترتيب الأمور من جديد، أو ربما بلقاء عبير/ الغنوشي على شاكلة لقاء باريس الشهير، أما من يهندسه، فهو حتما وسيط طرف في الحلف المزمع طبخه و توظيبه.. كل شيء ممكن فقط ننتظر و نرى..

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here