تونس بين القصرين-القصبة وقرطاج: الجمهورية الثانية فيها خلل..

بدر السلام الطرابلسي

 عرفت تونس خلال تاريخها الوسيط في ظل حكم سلالة بنو زيري) الدولة الصنهاجية( وبعدها السلالة المصمودية )الدولة الحفصية( وصولا لحقبة البايات المراديين والحسينيين وحتى في الفترة البورقيبية والبنعلينية صراعات جمة على الحكم والسلطة والنفوذ بين العائلات الحاكمة والعائلات المتصاهرة معها والأخرى المتنفذة والقريبة منها. وهذا شأن السياسة في تونس حتى بعد “ثورة الحرية والكرامة” حيث عرف الحكم تقلبات في العلاقة بين ساكن  القصر الجديد الرئيس الباجي قايد السبسي وأحد أصهاره من المستوى الثالث يوسف الشاهد الذين تنازعوا على الحكم والصلاحيات بمعية السبسي الابن.

لقد أطلق السبسي الأب في خطابه الأخير رصاصة الرحمة على هذه العلاقات حين انتصر لابنه في معركته المعلنة مع الشاهد والتي كلفته أكثر من ثلاثة أرباع حزبه وخسارة حليفه في الحكم أو الطرف الثاني في التوافق حركة النهضة الاسلامية بعد أن أعلن مباشرة وبشكل رسمي عن قطع العلاقات معها.

جوهر الصراع على الحكم

من المعلوم أن للحجة التاريخية جاذبيتها في التدليل على سيرورة إبستيميّة الحكم والسياسة في تونس، كما لمقاربة تدخل العائلات الحاكمة والأصهار في السياسة وأدوارها في الانقلابات الداخلية وفي صراعات أجنحة الحكم اغراءاتها عند المقارنة والاستدلال على فساد منظومة الحكم و”العمران” كما برهن على ذاك ابن خلدون في مقدمته. لكن بمقدورنا التعمق أكثر والذهاب مباشرة للجوهر النظري و”العلمي” لمعضلة الحكم في الحالة التونسية الراهنة ألا وهو “النظام السياسي المزدوج” الذي أقره الدستور التونسي وصادق عليه المجلس التأسيسي. فكيف ساهم هذا النمط في الحكم في تكوّن الأزمة الحالية؟

نظام سياسي برأسين

نظريا، النظام السياسي المزدوج يوزع السلطة التنفيذية بين رئيس الدولة )الخارجية والدفاع والأمن القومي(  ورئيس الحكومة )الأمن الداخلي والاقتصاد والسياسة الداخلية والتعيينات ..( وهو نظام له وجاهته. غير أن فلسفة الحكم ثنائي الأقطاب تقوم على النضج السياسي وتجذر القيم الديمقراطية والمواطنية في التربية السياسية للبلاد وتقديم المصالح العليا للبلاد على المصالح الحزبية والعائلية والشخصية الضيقة وهو ما يصعب تحققه في فترة انتقال ديمقراطي خطيرة وحساسة تتسم بتنفّذ عائلات سياسية بالمصاهرة وتكالب الانتهازيين والطامعين في السلطة ومغانمها.

كما أن تركز السلطة التنفيذية لدى رئيس الحكومة المنتقى من قبل رئيس الدولة وانتقال مركز الثقل للقصبة بعد أن كان لأكثر من نصف قرن حكرا على ساكني قصر قرطاج “أشحن” وشحن الأجواء بين القصرين خصوصا بعد تمرد “الابن العاق” كما سماه السبسي الأب وعدم انصياعه لأوامر الحزب الذي زكاه لهذا المنصب..

ميديوقراطية..

وفي خضم هذا الصراع السياسي الرديء-الدنىء في تكوينه على حسب عبارة الفيلسوف الفرنسيDeneault  على النفوذ بين حزب الدولة العميقة ورئيسها وبين التلميذ النيوليبرالي النجيب للبنك الدولي وصندوق النقد والهيئات المالية الدولية، تغرق البلاد في أزمة اقتصادية خانقة أبرز عناوينها التضخم المالي وانهيار الدينار وتراجع احتياطي العملة الصعبة لــ68 يوم وارتفاع نسبة البطالة وتدهور المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وتآكل الطبقة الوسطى..

حركة النهضة الفاعل السياسي الوحيد الذي لعب على تناقضات خصومه وحلفائه وغذّى صراع شقوق حزب الحكم منذ بدايته ثم أجهز عليه بالضربة القاضية عندما انتصر للشاهد ضد السبسي الابن والأب على حاسب توافقه مع رئيس الجمهورية عندما تأكد من انزلاق أوراق اللعبة السياسية من يديه وضمانه لمباركة “الرجل الكبير” صاحب الحل والعقد في شؤون البلاد في الداخل والخارج..

بالمختصر تأجيج حركة النهضة للصراع داخل شقوق وأجنحة الدولة العميقة لم يكن بغاية الاجهاز عليها نهائيا بقدر ما كان لأجل الاستفادة من الصراع داخلها قدر الإمكان للتموقع من جديد بأكثر قوة واتزان في الساحة السياسية التونسية، خاصة وأن انتخابات 2019 على الأبواب. هذا إضافة لمزيد التحكم بأغلب خيوط اللعبة السياسية التي تمسك بها أصلا برغم اتفاق قرطاج1و2  وشعارات التوافق والوحدة الوطنية البراقة..

*صحافي تونسي مختص في الشأن السياسي والدولي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here