تَوقُّعات بانهيارِ هُدنَة الثَّلاثَة أشْهُر بينَ الصِّين وأمريكا التي أعلَنْها ترامب على هامِش “قِمَّة العِشرين”.. أرْبَع مَطالِب رئيسيّة تتَلكّأ الصِّين في التَّجاوب مَعَها.. وبومبيو يتحَدَّث عَن نِظامٍ عالميٍّ أمريكيٍّ جَديدٍ يُشْهِر سيف العَداء لإيران وروسيا والصِّين التي تُزعْزِع الاستِقرار.. فهَل يَنْجَح؟

القاعِدة الذهبيّة في الأوساطِ الماليّة الغَربيّة تَقول أنّه إذا أردْت أن تَعرِف مَدى قُوّة أيّ اتّفاق اقتصاديّ وقُدرَتِه على الصُّمود ما عَليك إلا أن تَنْظُر إلى أسعارِ الأسْهُم والسَّنَدات، فإذا ارتَفَعَت فهذا يَعْنِي أن فُرَصْ النَّجاح كبيرة، والعَكس صحيح إذا انخَفَضَت.

لو طَبّقنا هَذهِ القاعِدة على اتِّفاقِ الهُدنة الذي جَرى التَّوصُّل إليه بين الرّئيسين الأمريكيّ دونالد ترامب والصِّيني شي جين بينغ على هامِش قمّة العِشرين لوَقفِ الحَرب التجاريّة بين البَلدين، فإنّ افتِتاح الأسهُم الأمريكيّة على تَراجُعٍ اليوم الثلاثاء يعْكِس شُكوك المُستَثمرين في إمكانيّة نَجاحِ هذا الاتِّفاق الذي مِن المُقَرَّر أن يستمرّ لمُدَّة 90 يَوْمًا، ولمَّح الرئيس ترامب إلى احتمالِ تَمديدِه.

إدارة الرئيس ترامب تَتَّهِم الصين بأربعِ تُهَمٍ نُلخِّصها في النُّقاط التَّالية:

ـ أوّلًا: دَعم الحُكومة للصِّناعات الصينيّة وإغراق الأسواق الأمريكيّة بمَنتوجاتٍ رخيصةٍ في قِطاع التّكنولوجيا والحَديد والألمنيوم، ممّا يُؤدِّي إلى تَقليصِ القُدرَة التَّنافُسيّة للصِّناعات المَحليّة الأمريكيّة.

ـ ثانيًا: تتّهم الإدارة الأمريكيّة الصِّين بسَرقةِ المُلكيّة الفِكريّة، وعدم القِيام بأيِّ حَمَلات لمُقاوَمة هَذهِ السَّرِقات التي تُكَلِّف الشَّرِكات الأمريكيّة حَواليّ 600 مِليار دُولار سَنَويًّا.

ـ ثالثًا: الفائِض التجاريّ الصينيّ مع أمريكا يَصِل إلى 335 مِليار دولار سَنويًّا، فبَينَما يَصِل حجم الصَّادِرات الصينيّة إلى أمريكا في حُدود 500 مِليار دولار تَنخفِض وارِداتها مِن أمريكا إلى حَواليّ 150 مِليار دُولار، وتُطالِب الإدارة الأمريكيّة بتَقليصِ هذا الفَارِق.

ـ رابِعًا: تُطالِب الإدارة الأمريكيّة الحاليّة الصِّين بفَرضِ رقابةً أكبَر على تَهريبِ عَقار “فنتاني 1” الذي تُعتَبر قُوّته الإدمانيّة أكثَر 50 مرّة مِن الهُروين، وتُصَنِّع الصِّين مُكَوِّناته الأساسيّة، وباتَ يغْرَق الأسواق الأمريكيّة، ويُؤدِّي إلى أرقامِ وَفيّاتٍ عاليةٍ جِدًّا في أوساطِ الشَّباب.

الرئيس الصينيّ وَعَدَ نظيره الأمريكيّ أثناء اللِّقاء على هامِش قمّة العِشرين بأنّه سيَزيد حجم الوارِدات مِن أمريكا، ومُحارَبة السَّرِقات للمُلكيّة الفِكريّة، ولكِن هَذهِ مُجرَّد وُعود شَفهيّة ليْسَت مُوثَّقَةً كِتابِيًّا، والدَّليل الأبْرَز أنّه لمْ يَصدُر أيّ بيان مُشتَرك يُؤكِّد عَلَيْها.

إنّها هُدنةٌ هَشَّةٌ تَعكِس تَراجُع الرئيس ترامب عَن حَربِه التِّجاريّة التي أعْلنَها ضِد الصِّين قبْلَ شَهرين، وكانَ أبرز عَناوينها فَرضْ رُسومٍ بقِيمَة 150 مِليار دولار على الوارِدات الصِّينيّة، ورَدَّت الصِّين بفَرضِ رُسومٍ بقِيمَة حواليّ 50 مِليار دولار على بَضائِع أمريكيّة تَسْتَورِدْها.

الأُوروبيّون وجَّهوا انتِقاداتً شِرِسَةً إلى الرئيس ترامب أبرَزها اتِّهامه بتَقويضِ اتِّفاقات المُؤسَّسات الاقتصاديّة التي تُشَكِّل عمود الاقتِصاد الغَربيّ مِثل مُنَظَّمة التِّجارة الدوليّة، أثناء اجتِماع وزراء خارجيّة دُوَل حِلف النِّاتو في بروكسل اليَوْمْ.

مايك بومبيو، وزير الخارجيّة الأمريكيّ الذي شارَك في هذا الاجتِماع نَفَى هَذهِ التُّهَم، وقال إنّ رئيسه ترامب يُريد تأسيس نِظام عالميّ جديد يَمنَع الحَرب ويَسْعَى لرَخاءٍ أكبَر مِن خِلال التَّصَدِّي لروسيا والصِّين وإيران.

هذا الكَلام لا يُقنِع إلا السُّذَّج، ولا نَعتقِد أنّ وزراء خارجيّة دُوَل النِّاتو يَنْتَمون إلى هذا المُعَسْكَر، وهذا ينْعَكِس بوُضوحٍ في إيمانِهِم بأنّ الرئيس ترامب بتَبنِّيه سِياسَة “أمريكا أوّلًا” يَدفع العالم نَحوَ حافّة الانْهِيار والحَرب مَعًا.

هُدنَة التِّسعين يَومًا التي تَوصَّل إليها الرئيس ترامب مَع نَظيره الصِّيني هِي دَليلٌ عَلى التَّراجُع عَن تَهديداتِه السَّابِقَة، ومُحاولة لتَبريدِ المُواجَهة مَع الصِّين للتَّفَرُّغ إلى التَّحدِّي الروسيّ الجَديد المُتَمثِّل في احتِجازِ ثَلاثِ سُفُنٍ أوكرانيّة.

المَيدان الوَحيد الذي يُحَقِّق فيه ترامب نَجاحًا للأسَف هُوَ الشرق الأوسط بفَضْلِ ابتزازِه لدُوَل عربيّة وحَلبْ عَوائِدها النِّفطيّة، ودَفعِها للتَّطبيع مَع إسرائيل، والتَّحشيد ضِد إيران، ولكنّه نَجاحٌ لنْ يَدوم طَويلًا، أو هَكذا نَعتَقِد.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. ولكنّه نَجاحٌ لنْ يَدوم طَويلًا، أو هَكذا نَعتَقِد.
    ============================

    قلتها من يبل خيول عرجاء من يراهن عليها خاسر و لو أكثر من الحلب…حليب نعم ….حروب يوك كما يقول إخواننا الأتراك

  2. تأكد المستثمرون ؛ بعد تتبع الجدول السنوي لطرمب ؛ أنه لا يفقه في غير “صفقات الرقيق الأبيض” وهذا النوع من “الصفقات مجرد “فاتح شهية المستثمر” على الهوامش والاستراحات ؛ وليس جوهر الصفقة ؛ وبالعربي الفصيح “قواد المستثمر” “ليس مستثمرا” !!!

  3. … …اعتقد جازما .دون ادنى شك.ان الصراع الامريكى الصينى ..فى جوهره صراع مركزيات …التاريخ القديم .حفل بمثل هكدا صراعات…فارس ضد روما . ..اليونان القديمة ضد الفراعنة….الخ …فى التاريخ المعاصر. مايلفت الانتباه بعد سقوط جدار برلين. نهاية الثمانينات. هو النزعة العدوانية للمعسكر الراسمالى .المتلحف بمفهوم جديد ل النيو ليبيرالية…التى الغت من قاموسها .جميع مصطلحات التعايش مع الطرف
    الاخر …والصراع الصينى الغربى هو مثال ساطع …عندما ندرس ونحلل. ماجاء فى كتاب نهاية التاريخ .للمفكر الامريكى فوكوياما …ندرك الغايات الجديدة التى تسعى اليها القيادة الامريكية المعاصرة..من خلال
    البلطجة المفضوحة لاركان الحكم الامريكى تجاه الاطراف الاخرى…وكانها تبحث عن تعويضات عن خسائر منى بها الطرف الغربى ابان الحرب الباردة..كدلك هدا الصراع المتجدد بين الجنسين .الابيض والاصفر
    هو ترجمة فعلية للازمة الاخلاقية والتاريخية للمدهب الراسمالى الليبيرالى…بمعنى اخر.. هدا التراجع للمعسكر الغربى فى صناعة التاريخ هو نتاج للحتمية التاريخية او الكونية وفق النص القرانى ..وتلك الايام نداولها
    بين الناس …صدق الله العظيم . انصح الاخوة القراء بالاطلاع على كتاب البروفيسور .ادوارد سعيد .المركز والاطراف ………………………………ملاحظة هدا اخر تعليق لى فى صحيفة راى اليوم ..استودعكم الله.

  4. امريكا الأن هي الرجل المريض لهذا العصر حيث ترقد في غرفة الإنعاش وهذا ما يدركه الصينيين والروس ، ولكن القادة العرب غابت عنهم لانهم يتخفون من شعوبهم ولا يسمعون الى ٱراء مثقفيهم ، بل يحاولون إلساق تهم المعارضة بمن يقول رأيه ، فكان ٱخرضحية للسلطة المستبدة الصحفي خاشقجي ……

  5. شيء محزن و مقرف في نفس الوقت كيف لا يفكر قادة دول الخليج العربي بعقلانية و يحددوا بناءا على ذلك الدفاع عن مصالح شعوبهم أم أنهم سذج مصالح عروشهم قبل أي كل شيء.أين النخب ألا يسمعون أم هم مدجنون.هزلت

  6. الميدان الوحيد الذي يحقق فيه ترامب نجاحا للأسف هو الشرق الأوسط بفضل ابتزازه لدول عربية وحلب عدائدها النفطية، ودفعها للتطبيع مع إسرائيل، والتحشيد ضد ايران، ولكنه نجاح لن يدوم طويلا، او هكذا نعتقد. بدون إعتقاد هذه الي حاصل و موكدا و شعوب الشرق الأوسط تعودت على الفساد و الان الفرصة متاحة لها للتغير و لا حلو بدون نار و خصوصا شعب الجزيره العربيه
    لا يخافون من ملك السموات والأرض و يخافون من ملك بدون مولك لا حوله ولا قوه الا بالله العلي العظيم . شكرا الى رأي اليوم

  7. امريكا صرخت وتالمت بسرعة لم اتوقعها بل كنت اتوقع ان الصين لن تصمد!هذا يعني شيئا واحدا امريكا ليست بخير وحان ساعة الغروب

  8. امريكا الوحيدة في العالم التي تزعزع الاستقرار العالمي. فهي تحتل أفغانستان والعراق وليبيا وسورية بدون موافقة الشعب. اليس هذا زعزعة السلام العالمي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here