توفيق بن حنيش: لعبة ماكرة…

توفيق بن حنيش

في أيّامنا تلك التي نعلمها جميعا, كنّا مغرمين بالشطرنج حدّ الهوس . وكنا نلعبه في الصباح وبعد الغذاء ونجعله فاكهة عشايانا العطشى. وأحيانا نخبئ منه شيئا للأحلام الليلية.

في يوم من تلك الأيّام الهادئة العادية جدّا لم يشوش هدوءها إلاّ تلك الأخبار المغرضة التي تبثها الإذاعات وتتسابق إلى نشرها الصحف المشبوهة . أخبار تآمريّة لا غاية منها إلاّ تنغيص الحياة على الناس.

كنّا في تلك الأيّام نستمتع كثيرا بالشطرنج وبالحروب التي يخوضها الجيشان على الرقعة.

في تلك الأيّام كنّا ننقل الأحجار بيد وبالأخرى كنّا نعمل في المصانع والحقول ونصطاد سمك البحر. وكنّا نراقب النقلات على الرقعة بعين. وبالعين الأخرى نتابع ما تبثه الشّاشات السّوداء من صور مغرضة.

في تلك العشايا تمكر قطع الشّطرنج, حينما تذبل الحرارة تمكر أحجار الشّطرنج.أي نعم … تمكر القطع فتتحرّك من تلقائها . كنا نخال الأمر عاديّا.وكان صاحبي يقول : لكلّ شيء روح تحرّكه. وكانت الرقعة ذات المربعات البيضاء والسوداء تُسرُّ بهذه الاعتراف فتتموّج.

نظرت إلى السّماء في يوم من  تلك الأيّام التي نعرفها جميعا وكانت الرقعة أمامنا. فوجدتها تبرد أكثر مما توقعنا. والأرض في تلك الأيّام كانت جمرة. والعشية كانت منزل الغرباء. قلت لصاحبي الذي يجلس قبالتي :كم مرّ علينا من العشيّة؟ لكنّه لم يجبني. وظلّ يحدّق في قبة السماء وهي تبرد بالتدريج.

إيه…في تلك الأيّام التي نعرفها جيّدا, نظرت إلى السماء مصعّدا. ثمّ صوّبت نحو الأرض  التي كانت تغلي بالنوايا الخبيثة. وكلّ نيّة كانت تحاجج الأخريات. وحينما صوّبت نحو الأرض هجمت علينا الريح هجمة واحدة. وما انفكّت تعصف حتّى أوشكت أن تقتلع الرقعة وصاحبي. وكانا قبلُ مثبتين إلى الطاولة والمقعد بالنوايا الحسنة.

قلت لصاحبي : إنها الريح لا ترحم. فقال لي: نعم هي الريح وما بعدها. ثم طوت العاصفة صوته. وأصبحت أسمع الأحجار وهي تتهامس. كنت أعتقد أنّه المكر يُعْلَنُ. ولكنّ القوافي كانت جليّة الأجراس. وكانت تتراقص كالفقاقيع أو تتنقل على الرقعة كالسّراب. إنه الشّعر يزاحم الجند…إنّها الآهات…إنها العطايا.

قلت لصاحبي:” احذر مكرها …إنها تعدّ للهروب.”فقال لي والريح تمزّق صوته :” فلنجمع الطّرفين… خذ إليك بالحواشي…” وفي داخلي نبتت نوايا لا هي بالطيبة ولا هي بالخبيثة وكانت تقول لي :” ويلكم من الحواشي…”والمهم في الحكاية أنّ اللعب قد امتنع بعد أن كان ممكنا.

تحرّكت الأكف الأربع تمسك بحواشي الرقعة. ولعبت الأصابع العشرون في أجساد القطع الماكرة . كانت يابسة قاسية كالحجارة. تحرّكت الأصابع تسابق العاصفة إلى قلب الرقعة حيث يختبئ الملكان العدوّان المتضامنان. سمعتهما يقولان:”إيه …إنه الزمان” وسمعتهما يتهامسان:” أليس معنا شاعر؟” ولكنّ العاصفة التي لم يعد يفصلها عن الرقعة غير متر واحد شرعت في ارتشاف الأصوات…

صاح صاحبي الذي ركب سرج الريح:” لقد أدركتنا”

سألته وهو يطرح زجاجة فارغة:” كم رتبة هذه؟”

لم يجبني لأنّه كان يحاول أن يحرر رجليه من ركابيْ  العاصفة.وجعل يخبط بيديه الاثنتين على الرقعة والقطع تفرّ من تحت كفيّه ومن بين أصابعه وتمكر فتضحك من عجزه. وكنت مشغولا بعدّ القوارير الفارغة. كان صاحبي يتلوّى والريح تعتصره كأنها تريد أن تخرج ما تبقى فيه من شعر.

من بين أصابعه, انسلّ الحصان يركض… رأيته يثير الغبار الذي بدأ يحجب وجه السّماء. رأيت الحصان يركض كجنيّ مذعور من “التعزيم”. رأيت الحصان يطير بالمتنبي والقراطيس تسابقه إلى المستحيل. ورأيت الجواد يطير بالحَجَّاج وهو يمزّق العاصفة بسيفه البتار. ورأيت الحصان الأسود يطير إلى عنان السماء وعنترة يهمزه برجليه فيتّقد حماسه إلى ملاقاة السماء.

صاح صاحبي بشيء من البحة في صوته: “الأحصنة !الأحصنة ! ” ثمّ سمعته يقول بصوت شبيه بالحشرجة:” لقد فرّ المتنبي.”وعدت إلى عدّ الزجاجات.

لقد فرّ المتنبي وهو الآن على وشك أن يذوب في رمال الصحراء وفي ظلام الليل. ولا أمل في العثور عليه رغم أنّ الجهات الأربع ستردد:” الخيل والليل والبيداء تعرفني” لكنّ شهوة الليل وإغراء الهروب والتوق إلى الحريّة ستجعل العثور على أبي الطيب أقرب ما يكون من المستحيل.

في تلك الأيّام كانت سوق الشّعر نافقة. كان الشعراء يحجون في كل موسم إلى المربد. وكانوا يتكدَّسون في السكك يستهلكون مؤونتهم من السويق ويُفرغون على رؤوسهم قرب الماء يظنون أنها تنبت لهم في رؤوسهم الشِّعر.

في المناسك كان الشعراء يطوفون بالصدور والأعجاز ويمزقون السرابيل. ثم يصلون للريح. فتعوي في دواخلهم وتعود بهم إلى الفجاج التي جاؤوا منها.وما إن يعودوا إلى مستقرّ لهم حتى يبدؤوا في تتبع الأخبار المغرضة التي كانت تبثها الإذاعات والصحف فيمتلؤون شعرا وينامون إلى السنة المقبلة.

قلت لصاحبي:” كم شربنا؟”

وكنت أعدّ أصبعي والقوارير وأعواد الكبريت وأعقاب السّجائر. “كم شربنا؟”

لكنّ صاحبي كان يقاوم العاصفة التي عزمت على اقتلاع العائلتين من قلب رقعة الشطرنج. كانت الريح تجتثّ جذور ممالك الرّمال من الأوصال. والخيول والجنود وأسوار مدينة البياض ومدينة السواد. كل ذلك كان في قلب العاصفة. والملكان الأسود والأبيض كانا يبحثان عن مزيد من المكر لاستجلاب شاعر ودنّ خمر.

في تلك الأيّام التي نعرفها جميعا(نحن وأنتم), كانت العاصفة الشمطاء تركب مكنسة وتحلّق في مدارات قريبة من ذبذبات الإذاعات العدوة. لم يكن كل ذلك إلاّ لتنغيص حياة الناس الهادئة.

طارت الخيول الأربعة في الريح وقد ضربتها صاحبة المكنسة بسوطين. طارت الأحلام والخرافات والأساطير القديمة والسّحر طار فوق رؤوسنا. ولم يبق على الأرض إلاّ محدّثكم وصاحبه الذي كان يضع قدما على الأرض وقدما في ركاب الريح.

سمعت صاحبي يقول كالمسرّ بخبر:” لقد طار حصان المتنبي …لم أعد أراه.

كانت الرقعة ترتعد تحت عنف العاصفة. وعلى المربعات البيضاء, كانت أشلاء المتنبي ممزقة. ثم ما فتئ يلملم أبعاضه حتى اكتمل جالسا على الرقعة ممزق الثياب, دامي الوجه, نازف الصّدر, مكلوم القلب, يحمل أثقال البأساء والضرّاء.

  • احك يا متنبي !

  • لم يعد ثمّ في المربد من يسمع الشّعر. حذفوني بالحجارة حتى أدموا جسدي. وخلطوا دمي بالخمور المعتقة يريدون استنساخي في بطونهم فأجهضوا. وكانوا يقولون لي:” لن نتركك حتى تعيد علينا “الخيل والليل” من أوّلها إلى آخرها,وأنا متعب, شربتْ الريحُ ذاكرتي ولم يبق منّي إلاّ هذا الجسد المنهك المجزوء …

  • قلت لصاحبي:” هل شربنا كثيرا؟”

نظر إليّ صديقي الأسود بشيء من العتاب وقال لي :”احذر أن تأكل أصابعك…أعنّي على ترميم جسد الرّجل…

في تلك الأيّام التي نعرفها جميعا, كان المطر قوافي المتنبي والحرب كانت بروق سيوف الحجّاج الثقفي.

أستاذ اللغة العربية من تونس

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here