تميم منصور: لا جديد تحت شمس المذابح الصهيونية

تميم منصور

ما كشفته الصحفية ” هاجر شيزاف ” في ملحق صحيفة هآرتس في عددها الصادر يوم الجمعة الموافق 7/ 5/ 2019 عن المزيد من أعمال القتل والجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948 ، وهذه التفاصيل الجديدة لم تزد من رفع منسوب الغضب والقهر والحسرة لأن حالة الاشباع التي يعيشها الفلسطيني وتكرار الصور والمعلومات والأرقام وعناوين المجازر ، أصبحت كالأناء المليء الذي يفيض على الجوانب ، فالشعور بالألم والحزن لم يعد له علاجاً ، لأن السنوات المتدحرجة فوق التاريخ قد أوصلت الفلسطيني الى وديان الأسئلة التي تدوي في الفراغ دون الأجوبة.

ما نشرته الصحفية ” هاجر ” عن مذبحة الصفصاف وعن عمليات بتر الأصابع لسرقة المصاغ ، وعن قيام أفراد العصابات الإرهابية لعلميات اغتصاب النساء والفتيات ماهي سوى روافد قديمة – جديدة –يتم الكشف عنها أو الإعلان عنها وجميعها تصب في بحيرة واحدة هي بحيرة النكبة .

الوصف والصفحات التي انتشلت من ارشيفات النكبة لم تغير وتبدل من ذاكرة الشعب ، الذي يعيش اليوم وقد توسعت مساحات الشتات وازدادت الانقسامات والخلافات داخل صفوفه وداخل قياداته ، وفقدت النكبة الكثير من بريقها التاريخي والإنساني من قبل العرب أنفسهم ومن دول كثيرة في العالم ، ومن قبل الأمم المتحدة .

هل الوثائق الجديدة التي تم كشفها عن أحداث النكبة في قرية الصفصاف وفي الشيخ مؤنس ومواقع أخرى تحمل صوراً من مآسي شعبنا ستمنع الاحتراب بين حركتي ” فتح ” و ” حماس ” أو هل خففت الدول العربية  من حالات اللهاث وراء التطبيع  الذي يُنسج بالخفاء العلاقات مع الدولة الصهيونية وتدفع بوجوه سياسييها الى احتضان الإسرائيليين في كل مكان وزمان ، حتى أصبح التطبيع جزءاً من التاريخ العربي المعاصر .

حتى لو كشفت جميع الوثائق فإن هذا لا يلغ أو  يزيد أي شيء في جوهر القضية ولا يخفف من مأساة الشعب الفلسطيني ، نعم إسرائيل احتلت الأرض وأوغلت في تزييف التاريخ لكن روح الشعب الفلسطيني لم تنكسر ، وهويته القومية والوطنية باقية ، لكن إسرائيل لا تزال تراهن على عامل الزمن ، على أمل أن يتحول الى أمر واقع وهذا يعني الاستسلام .

الصحفية ” هاجر ” لم تفاجىء كل الذين تابعوا ولا زالوا يتابعون الممارسات العدائية التي مارستها الصهيونية السياسية والصهيونية الإرهابية بحق الشعب الفلسطيني، أما أسماء وعناوين المذابح فهي كثيرة من مذبحة عيلبون الى مذبحة دير ياسين الى مذبحة اللد والطنطورة وقبية  ومذابح غزة وصولاً لصبرا وشاتيلا وقانا وغيرها ، غالبية دول وشعوب العالم بما فيها الشعوب والأنظمة العربية تعتبر هذه المجازر والأحداث المؤلمة جزءاً من التاريخ ، ولا ننسى ما قاله احد أعوان مبارك لوفد من عرب الداخل الفلسطيني عندما عرض أمامه صوراً حقيقية لقتل الاسرى المصريين بأمر من صديق مبارك فؤاد بن اليعزر ، كان رد هذا المسؤول المصري ” أيه يعني الحرب ياما تعمل الهوايل ” والقادة العرب يعتبرون هذه المذابح جزء من هذه ” الهوايل ” .

بعد قراءة ما كتبته ” هاجرشيزاف ” في ملحق هآرتس تحول الاحتقان المزمن في داخلي الى غضب ساطع ضد القيادات العربية والقيادات الفلسطينية التي كانت هي المسؤولة الأولى عن حدوث النكبة من عام 1948 ، يجب على كل فلسطيني أن يُحمل هذه القيادات كل المسؤولية عن نكبته ، قبل أن يُحمل العصابات الصهيونية .

فالأنظمة العربية حينها في كل من مصر والسعودية والأردن وغيرها ، كانت متخلفة وغارقة بالفساد ، وقد انعكس هذا الفساد أيضاً على جامعة الدول العربية ، جميع هذه الأنظمة كانت خاضعة كل الخضوع لإملاءات بريطانيا التي أعطت وعد بلفور واغرقت فلسطين بمئات الالوف  من المهاجرين اليهود الى فلسطين ، وتجاهلت كل ما يقومون به من عمليات الاستيطان وشراء الأراضي وإقامة المؤسسات القضائية والتعليمية وإقامة مئات المصانع وخطوط المواصلات وغيرها .

كيف  يمكن ان يرفض العبد ما يطلبه او ما يريده السيد من العرب التابعين لبريطانيا ، هل من المعقول ان يواجهوا سياستها في فلسطين واسلحتهم كانت بريطانية ؟ كيف يمكن للملك عبد الله مثلاً أو نوري السعيد رفض الأوامر البريطانية ، لماذا لم تع القيادة الفلسطينية ذلك  آنذاك ؟ لو ادركته ربما لم تحدث النكبة ، لقد رفض القادة العرب كل الحلول ، وقد زاد رفضهم هذا من حماس القيادات الفلسطينية التي رفضت هي الأخرى حتى المفاوضات ، كانت هذه القيادات عاجزة عن تقدير الأمور ، وعاجزة عن قراءة المناخ الدولي المتمثل في الدول العظمى في ذلك الحين التي وافقت جميعها على إقامة دولة لليهود في فلسطين ، خاصة بعد مذابح النازيين بحق اليهود ، هل كان باستطاعة الأنظمة العربية الفاسدة العاجزة مواجهة هذه الظروف في الوقت الذي كانت عواصمها شبه محتلة من القوات البريطانية والفرنسية .

رفضوا قرار التقسيم فليكن ، ولكن يجب أن يكون توازن بين هذا الرفض وبين القدرة على تغطية هذا الرفض بقوة عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية أو قوة دولية لتحويل الرفض الى حقائق .

حينما صدر قرار التقسيم سارعت الجامعة العربية التي كانت تتلقى الأوامر من بريطانيا الى رفض هذا القرار ، كما طالبت الشعب الفلسطيني برفضه ، وأعلنت بأنها سوف تمنع تطبيقه بالقوة العسكرية ، صدق الفلسطينيون هذه الوعود ، وصدقوا المظاهرات التي قامت في بعض العواصم العربية وركبوا رؤوسهم تحركهم العاطفة والحماس ، فانطلقت الأغاني الحماسية التي أخذوا يرددونها ، مثل ” سيف الدين الحج أمين سوريا مع فلسطين ” و ” من باب الشرق طلت دبابة ، قائدها فوزي بطل ما يهاب سقط طيارة وحطم دبابة واشعل الحرب في فلسطينا ” ويقصد هنا قائد جيش الإنقاذ فوزي القاوقجي الذي ثبتت خيانته بعد ذلك .

كان حماس واندفاع الفلسطينيين الذي يحركه عواطفهم وجهلهم بالقوة لتي يملكها اليهود، اعتبروا الحرب هي الحل الوحيد مدفوعين بالشعارات التي طرحتها الأنظمة وجيوشها التي تبين سلاحها  بعد ذلك أن معظمه فاسداً عدا قادة تلك الجيوش كانوا في خانات الفاسدين ، لقد دفعوا الفلسطينيين للقتال وهم حفاة عراة ، مجردين من السلاح والقيادة الفلسطينية مختلفة مع بعضها البعض ، وفي القاهرة الجامعة العربية قذفت في جيش الإنقاذ وهي تعرف مدى ضعفه وقلة حيلته ، ولم يحرر هذا الجيش شبراً واحداً العكس هو الصحيح ، فقد هُزم في معركة الشجرة والناصرة ومنطقة المنشية في يافا وهرب من مجدال هعيمق بعد أن احتلها بسبب خيانة قائده القاوقجي ، هذه السياسة حولت الشعب الفلسطيني الى ضحية للعصابات الصهيونية التي كانت تملك السلاح الحديث والأموال وتملك أفراداً وضباطاً مدربين قاتلوا مع الجيوش البريطانية والفرنسية والأمريكية والروسية خلال الحرب العالمية الثانية .

النكبة هي ترجمة للمآسي التي سببها العرب للشعب الفلسطيني ، تركوه وحده في الميدان ، يواجه العصابات المكلفة بتطبيق الخطط الصهيونية ، وأولها طرد العرب لإقامة دولة لليهود .

نعم من حق أجهزة الأمن الإسرائيلية أن تخفي كل وثائق المجازر والمذابح ، هذا ما تفعله غالبية الدول المستعمرة ، هل اعترفت بريطانيا بجرائمها ضد الهنود الحمر في أمريكا الشمالية والجنوبية ومعهم فرنسا واسبانيا ، هل اعترفت بريطانيا وهولندا وبلجيكا بمجازرهم في القارة الأفريقية ؟ وهل اعترفت فرنسا بمجازرها د الشعب الجزائري والمغربي والتونسي ؟ هل اعترفت أمريكا بمجازرها في فيتنام ؟ وعلى ما يبدو أن مثلنا الشعبي الذي يقول ” الرطل بدو رطل ووقية ” هو الصحيح والذي يجب أن يسود .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here