تميم منصور: جمال عبد الناصر الغائب عنا والباقي فينا

 

تميم منصور

مثلما وضعنا شهر تموز في خانة الأشهر المثيرة لأن الشهر المذكور مليء بالأحداث ومحطات التحول التي كان بمقدورها تغيير مسار عجلة التاريخ ، فاليوم من يفتح ويطالع صفحات الأحداث خلال شهر أيلول ، يجد أن أيامه حبلى بالأحداث التاريخية المهمة التي تركت بصمات لا يمكن تجاهلها فوق صفحات التاريخ ، بعض هذه الأيام والأحداث التي سوف أشير إليها مع تبعاتها محصورة في عمرها الزمني بين سنة 1931 واليوم .

أيلول هو أحد أشهر الخريف المعروفة في بلادنا ، معروف بأيامه الجافة ، ورطوبة هوائه العالية ، واسراب طيوره المهاجرة واشجاره التي تبدأ بخلع ردائها تعود وتتجدد في الربيع ، الإنسان بكل قدراته عاجز عن التدخل بكل هذه الظاهر الطبيعية ، وإيقاف دورات حياتها المتواصلة  ، لكن هناك أحداثاً دراماتيكية وقعت خلال هذا الشهر ، المسؤول الوحيد عنها هو الانسان بخيره وشره .

من بين الأحداث ما وقع في الثاني عشر من أيلول سنة 1970 ، وقد عرفها الفلسطينيون باسم ” ايلول الاسود ” عندما قام الجيش الاردني بأمر من الملك حسين بطرد فصائل المقاومة الفلسطينية من الأردن بعد معارك طاحنة في العاصمة عمان ، وما حولها ومناطق الأغوار ، وفي الثالث عشر  من أيلول سنة 1993 تم التوقيع على اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل ، وبعد هذه الاتفاقية ، تغّير مسار الصراع الإسرائيلي ، وأصبح له منحى آخر ، أفقد منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية هيبتها وتوازنها ، حيث أصبحت خاضعة لمزاج عربي ودولي أطالت عمر الاحتلال ، وفي الخامس عشر من أيلول عام 1931 ، شهد إعدام الزعيم المجاهد والقائد الوطني عمر المختار ، الذي قاوم الوجود الإيطالي في ليبيا ، وفي السابع من أيلول سن1982 شهد جريمة بشعة قامت بها عصابات حزب الكتائب اللبنانية بمساعدة إسرائيل داخل مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان ، كانت نتيجة هذه المذابح سفك دماء المئات من الفلسطينيين ، وفي الحادي عشر من أيلول سنة 1996 ، وقعت هبة النفق في القدس ، والتي حاول الفلسطينيون من خلالها الدفاع عن عروبة القدس ووقف الاستيطان الصهيوني في مدينة القدس وما حولها ، وفي الثامن والعشرين من أيلول سنة 1970 كان يوماً مفصلياً ، حيث شهد رحيل الرئيس القائد الخالد جمال عبد الناصر .

مع أن رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر يتمشى مع الآية الكريمة ” كل نفس ذائقة الموت ” إلا أن رحيله كان مبكراً بالنسبة إلى سنوات عمره التي عاشها ، وقد كان بمقدوره الاستمرار في العطاء أكثر ، لأن العرب جميعاً ، وفي مقدمتهم الشعب المصري كانوا ولا زالوا بحاجة إلى حكمته .

لم يكن جمال عبد الناصر قائداً وزعيماً عابراً ، ولم يكن تقليدياً ، لقد أنبتته الأرض المصرية في الدلتا والصعيد والواحات ورمال سيناء ، وخرج من أعماق شريان الحياة في مصر النيل ، هذا النهر كان وسيبقى الشاهد الأسطوري على  المعاناة والفقر والفساد والمرض والمحسوبية التي كان يعاني منها الشعب المصري قبل أن يعرف عبد الناصر .

حدث هذا بينما كانت شعوب أوروبا، وبعض دول آسيا تنهض من تحت ركام الحرب العالمية الثانية ، في ذات الوقت كان الشعب المصري غارقاً في طمى الفساد والجهل بسبب نهب ثرواته من قبل الأسرة الملكية الدخيلة ، مدعومة من قبل قوى ظلامية ، وفي مقدمة هذه القوى الاحتلال البريطاني والشركات الاحتكارية ، وسلالات الإقطاع التي شوهت صورة الفلاح المصري وحالت دون تحرره من قيود العصور الوسطى .

عندما رحل عبد الناصر كان الجميع على ثقة بأن رحيله لم ولن يترك فراغاً قيادياً وسياسياً ، لأن الرئيس الخالد ترك وراءه مدرسة متعددة المراحل والفصول ، فيها كل الأجوبة لطموح وتطلعات الأمة العربية الكاملة .

عبد الناصر رحل بعد أرسى القواعد لثورة فكرية حديثة ملائمة للطابع الاجتماعي والنفسي ، وحتى الديني ، وضع القواعد الثابتة والصحيحة للوحدة العربية والعلاقات العربية العربية ، وساهم في تنظيم مجموعة الدول الإسلامية ، وساعد الشعوب العربية على التخلص من براثن التبعية والاستعمار ، وشجع الأنظمة العربية على تأميم شركات النفط الأجنبية لإعادة ثرواتها المسلوبة ، وأعاد الثقة إلى النفوس المهزومة بعد نكبة الشعب الفلسطيني ، وأقام في مصر التنظيمات الشبابية والطلابية والاتحادات المهنية المختلفة ، اضافة إلى شبكات من مؤسسات التعليم النظري والمهني المجاني ، وإضافة إلى الاندماج مع الدراسة والتعليم الاكاديمي ، ووضع قواعد التصنيع ، وربط بعجلة الدول المتطورة ، بعد أن كانت قوة استهلاكية للاستيراد في كافة المجالات ، ولم ينس عبد الناصر الفلاح المصري ، فقد حصل هذا الفلاح على حصة الأسد من إنجازات الثورة بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي وإقامة المشاريع الزراعية العملاقة ، في مقدمتها مشروع العصر ، السد العالي ناهيك عن إقامة مؤسسات الحكم الثابتة الشعبية المتطورة ، هذا بعض من كل ، فمن الصعب حصر محيط في كأس ماء .

لكن ورثة عبد الناصر أداروا للشعب المصري وللعرب جميعاً ظهر المجن ، وأبعدوا قطار  الثورة عن مساره الطبيعي والصحيح ، العبارة التي نطقها أنور السادات بعد أن خلف عبد الناصر كانت ” جئتكم على طريق عبد الناصر ” لكنه فعل العكس ، فقد أبعد محور الثورة عن الشعب المصري ، وقام بتحطيم إنجازاتها كما أدخلها في متاهات ” كامب ديفيد ”  وأنفاقها المظلمة ، شوهت صورة الثورة وصورة مصر .

بعد السادات أكمل حسني مبارك طريق سلفه ، وقامر بعزة مصر وكرامتها وعروبتها ، وذهب بها بعيداً ، بعد أن ربط قدراتها بمشاريع الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل وعروش الأنظمة العربية البعيدة عن روح العصر ، بهذا فقدت مصر هويتها العربية القومية المستقلة التي وضع أسسها الشعب المصري ، من خلال إنجازات الثورة بقيادة جمال عبد الناصر .

في ذكرى رحيل عبد الناصر ، لا بد من ملء أفواه كل الذين تطاولوا عليه ، خصوصاً في عصر السادات ومبارك بمياه الحقيقة ، نذكرهم ماذا قالوا بأنفسهم عن عبد الناصر بعد رحيله :

المهندس سيد مرعي خاطبه قائلاً : ( كان حس عبد الناصر المرهف ، يتماثل مع حس الفلاحين ، كنت يا جمال تشعر بمشاعرهم وآلامهم أكثر منا جميعاً ، فتسارع أنت يا جمال بالتوصية عليهم ، وتضع الحلول الحاسمة لمشاكلهم ) .

عبد العزيز حجازي والذي أصبح في عهد السادات رئيساً للوزراء قال : ( أما أنا فعبد الله آمنت بقضائه وقدره ، عشت معك يا جمال أًعد اللحظات ، فوجدتك مؤمناً صادقاً أميناً مخلصاً ، تريد لشعبك الحياة ، وتتطلع إلى النصر والسلام ، كنت يا جمال مثالاً للتضحية والفداء ، وكنا معك من الأوفياء المخلصين لأنك صاحب رسالة .

يوسف إدريس خاطبه قائلاً : يا أبا الذين في الأرض .. يا صدرنا الكبير الذي كنا في ظله نكتب وننتقد وننتج ونصرخ ونتذلل ونحارب ونثور ، يا أكبر من حلمت به مصر وأحبه العرب .

لويس عوض خاطبه قائلاً : سقط عماد الصرح الكبير ، بكاء من بكاء الثكالى ، وعويل من عويل اليتامى ، إن الذي توقف هو قلب مصر ، قلب مصر بلا زيادة ولا نقصان ، يا أبن مصر الذي أسرى ليعود نحن الفقراء نقول : مات جمال وعاشت مصر ، لأنه عائد في الصباح ، تذكروا دائماً أنه عائد في الصباح ليخلع عنا الأسمال ويلبسنا الحلل السندسية .

هذا غيض من فيض أيها التائهون في صحاري الضياع والنسيان والعبثية ، هل تتذكرون عبد الناصر ؟ اقرؤوا تاريخه ، لا تكونوا مرعوبين من وحي ذكراه ، في الثامن والعشرين من ايلول تطل ذكرى الرحيل لرجل ليس كبقية الرجال رحل عنا وباقِ فينا .

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here