تميم منصور: القدس تركل ترامب وتصيب نتنياهو بخيبات الامل

 

تميم منصور

عندما اقدم الارعن ترامب على نقل سفارة الولايات المتحدة الى القدس ، وذلك للتعبير عن موقفه بشرعية الاحتلال للقدس العربية وضمها الى دولة الاحتلال ، حينها اعتبر نتنياهو هذه الخطوة احدى الانتصارات التي حققتها إسرائيل من خلال تاريخها الاحتلالي الاستيطاني ،  كما اعتبر الخطوة الامريكية الخارجة عن الاجماع الدولي انتصاراً لسياسته ودعماً لوجوده ، واستمراره في التربع على سدة الحكم في دولة الابرتهايد ، وقد شاركه في حلقة الرقص السياسي وشرب نخب الانتصار كافة رموز العنصرية في الدولة حزبيين وغير حزبيين ، لأنهم كانوا يعتقدون ان هذه الخطوة سوف تكسر شوكة الشعب الفلسطيني وتضعف من منسوب صموده .

اعتقد نتنياهو ومن حوله ان نقل السفارة الامريكية الى القدس سوف يفتح أبواب المجد لإسرائيل ، وسوف يسارع في ظهور ما يسمى ” بالمهدي المنتظر ” الذي ينقذ اليهود ويخلصهم من ازماتهم ويضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة . واعتقد أيضاً  ان نقل السفارة الامريكية الى القدس سوف يحطم الحاجز ويعبد الطريق امام غالبية الدول التي تعترف بإسرائيل ، وسوف تقوم هذه الدول في الحال بتقليد أمريكا وتنقل سفاراتها الى القدس ، مما يزيد من شعبية نتنياهو ليصبح اسطورة من اساطير بني إسرائيل مثل شاؤول وداوود وغيرهم .

تناغمت وسائل الاعلام في إسرائيل واخذت تعزف على أوتار هذا الانتصار معلنة ان عشرات الدول في العالم اعلنت بأنها سوف تخطو خطوة أمريكا ، وخاصة تلك الدول الواقعة داخل القطب المغناطيسي لأمريكا ،مثل بعض دول أمريكا الجنوبية والدول الأوروبية خاصة دول اوروبا الشرقية ، لأن هذه الدول فقدت ارادتها السياسية بعد ان خسرت استمرار حكم النظام الشيوعي فيها ، اذ تحولت الى دول عاجزة ضعيفة متسولة ، يطغى عليها الفساد والفوضى ، كما ان هذه الدول عانت من هجرة العقول الى دول أخرى .

اعتقد ترامب والى جانبه نتنياهو أن السفارات ستهرول وتُفتح في القدس، لكن هذا الموضوع  لم يحصل فقد تعثر ولم يتمكن من تخطي هضاب القسطل ومرتفعات القدس المعروفة ، رغم أن وسائل الاعلام كانت تطبل وتزمر لكل دولة تفكر بنقل سفارتها ، لكن بعد فترة تتدحرج السفارة  الى الوراء ، وتغيب الفكرة.

لقد خاب امل نتنياهو كما خاب امل ترامب الذي ظن انه باستطاعته تحريك كافة الدول والتأثير عليها واللعب باجنداتها السياسية ، كما يلعب بمصير بعض الأنظمة العربية ، مثل مصر السيسي والأردن والمغرب والسعودية ومشيخات الخليج .

لقد مضى أكثر من سنة على نقل السفارة الامريكية الى القدس ولم يتبعها حتى الآن سوى سفارة دولة معروفة بتبعيتها لامريكا ، دولة تسيطر عليها شركة الفواكه الامريكية ، وهي دولة ” غواتيمالا ” .

لقد زف نتنياهو بشرى لحكومته عندما ابلغهم ان سفير دولة البرغواي الواقعة في أمريكا الجنوبية في طريقه الى القدس ، لأنه تقرر نقل سفارة هذه الدولة الى القدس ، لكن نتنياهو أصيب بصدمة بعد أن أعلن الرئيس المنتخب الجديد لهذه الدولة عن قراره بإرجاع سفارة بلاده الى تل ابيب ، لم تتسع الدنيا لنتنياهو عندما أعلنت حكومة الهندوراس على لسان رئيسها بأن بلاده سوف تنقل سفارتها الى القدس ، لكن هذه الرئيس تراجع وأعلن عن اكتفائه بفتح مكتب تجاري في القدس بدلاً من السفارة ، فكانت هذه بمثابة صعقة لحكومة نتنياهو وللرئيس الأمريكي ترامب .

أما أشد الصدمات والصفعات فقد جاءت من استراليا المعروفة باذدنابها للامبريالية الامريكية والبريطانية ، عندما أعلن رئيس حكومتها بأن بلاده قررت التراجع عن نقل سفارتها الى القدس ، واكتفى هو الآخر بفتح مكتب تجاري بدلاً من السفارة .

بعد الإحباط الذي أصاب الإسرائيليين من تراجع استراليا ، بدأ الاعلام الإسرائيلي يهلل ويرحب لحكومة البرازيل وللرئيس الجديد المنتخب حديثاً ، ويؤكد الاعلام ان البرازيل احدى دول أمريكا الجنوبية الهامة وسوف تنقل سفارتها الى القدس ، وقد أبى نتنياهو الا أن يذهب بنفسه مع وسائل اعلامه الى البرازيل لتقديم التهاني للرئيس الجديد بمناسبة انتخابه ، وسارع الرئيس البرازيلي الى رد الزيارة ، لكن في نهاية الزيارة قرر عدم نقل سفارته الى القدس ، واكتفى بفتح مكتب تجاري ايضاً مما جعل نتنياهو يعبر عن اسفه لهذه الخطوة التي اعتبرها مفاجئة من قبل البرازيل .

لقد عقد نتنياهو عشرات اللقاءات مع ممثلي دول اوروبا الشرقية الذين اطلقوا الوعود بنقل سفاراتهم ، لكن سرعان ما تجاهلوا الفكرة واكتفوا بفتح مراكز ثقافية وتجارية بدلاً من السفارات ، كذلك الأمر مع دولة رومانيا التي أبدى بعض الدبلوماسيين نية بلادهم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، لكن هذه الأقوال لم تنفذ.

 كذلك الأمر مع دولة هنغاريا التي اكتفت بفتح مكتب تجاري بدلاً من نقل سفارتها ، وكذلك أيضاً سلوفاكيا فتحت مكتباً ثقافياً بدلاً من نقل سفارتها .

عادت شهية نتنياهو نشطة فهي تنتظر نقل سفارات كل من الفلبين وجورجيا بعد سماعه تلميحات للترضية ، لكن هاتين الدولتين لما تتمكنا من صعود جبال القدس للوصول الى القدس العربية فبقي كلامهما مبعثراً في الهواء.

ان اعتراف ترامب بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته اليها لم يساهم في فك الطوق عن العنق الإسرائيلي ، فقد بقيت غالبية دول العالم تنظر الى إسرائيل كدولة احتلال ، وكل ما تقوم به في القدس والأراضي المحتلة خارج عن الاجماع الدولي .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here